الأربعاء 24 أبريل 2019 م - ١٨ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / رواية إسرائيلية تذكرني بمكان محفور في ذاكرتي

رواية إسرائيلية تذكرني بمكان محفور في ذاكرتي

” حاول أن تتخيل أنهم جعلوك عاليا على جرف جبلي أعلى من بناية ازرائيلي ( أعلى بناية في تل أبيب، 49 طابقا). كيف لا تحوز على منظر خلاب؟ من هذا العلو ترى فسحا واسعة من ريف أخضر تتخللها قطع بنية وحمراء، ترى جبالا تغطيها الثلوج، ترى انهارا مزبدة، وطرقا مهجورة أوروبية الطراز ضيقة وملتوية. وهناك الهواء زكي الرائحة. زلتاوي اعتاد القول ان هواء مثل هذا الهواء ينبغي تعليبه في قنان وبيعه للأثرياء في الحارة الشمالية من تل أبيب. يا الهي، يا لها من خاصية. انه ريفي الى حد انه يمكنك قطع السكون بسكين. غروب الشمس أيضا الأجمل في الكوكب وطلوع الشمس أجمل منه، وميض من السكينة في سقف العالم (…) أما الفجر فهو خليط عجيب من الأزرق الغامق والفيروزي والأحمر وخطوط ضيقة من اللون الزهري، كأنه لوحة زيتية. وهناك الوادي العميق الذي يتلوى بعيدا عن الصخرة الكبيرة”. هكذا بدأ الصحفي الإسرائيلي رون ليشيم روايته Beaufort ، بيوفور، الاسم الذي أطلقه الصليبيون على قلعة الشقيف في جنوب لبنان ومعناه القلعة الجميلة.

وأنا أقول من هذا العلو ترى سفوح جبل الشيخ وقمته التي تغطيها الثلوج. ترى شمال فلسطين. ترى سهل البقاع. ترى صيدا وصور على الساحل اللبناني. أنا أيضا كنت يوما ما جنديا متطوعا في هذه القلعة.
وقصة ذلك أنني تطوعت مع زميل دراسة في مايو ١٩٨٠ للانضمام إلى قوات حركة فتح إبان حرب الاستنزاف في جنوب لبنان بين القوات الإسرائيلية وحليفها جيش لبنان الجنوبي من جهة والقوات اللبنانية الفلسطينية المشتركة من جهة أخرى. وتم إلحاقنا بكتيبة الجرمق المشهورة بالكتيبة الطلابية. أما زميلي فكان عدنان عامر الشنفري، شاب شجاع رابط الجأش، أصبح لاحقا رامي صواريخ سام-7، وأطلق صاروخا علي طائرة إسرائيلية كانت تغير على قلعة الشقيف لكن الطيار في اللحظة الأخيرة أطلق بالونات حرارية جذبت إليها الصاروخ الذي يعمل بتتبع مصدر الانبعاثات الحرارية. وهو حاليا وزير مفوض في وزارة الخارجية حيث قلده مؤخرا الرئيس محمود عباس وسام فارس أثناء زيارته إلى رام الله مع وفد برئاسة معالي يوسف بن علوي وزير الخارجية نظير خدمته متطوعا في كتيبة الجرمق.

ورواية بيوفور رواية واقعية. فهي لا تمجد الإسرائيليين ولا تحط من قدر اللبنانيين فالمؤلف وهو صحفي المهنة على وعي بأن اللبنانيين اخرجوا من أراضيهم أقوى جيش في المنطقة في انسحاب مذل بدون قيد أو شرط. والرواية بطيئة لكنه بطء مقصود. ففي الرواية نفسها هناك ذكر عابر للهجمات التي يشنها رجال حزب الله على تحصيناتهم ولكنها حافلة بذكر الحالة الداخلية للجنود الثلاثة عشر الذين كانوا تحت أمرة الملازم ليراز ليبرتي راوي هذه الرواية السوداوية. انها تتحدث عن الجروح الغائرة ليس التي في الجسد بل التي في النفس. الجروح التي لا تفارق كل من شارك في حرب. تتحدث عن ساعات الملل الطويلة التي تقطعها ساعات رعب قصيرة. في الساعات الطويلة لا حديث للملازم ليراز وجنوده إلا عن النساء والخليلات، والحديث عن رفاقهم الذين رحلوا من الحياة رحيلا مبكرا فأثقل رحيلهم الصدور أو عن رفاقهم الذين بتر طرف من أطرافهم، والتوق الى الحياة المدنية بعيدا عن عالم كافكا هذا في تحصينات بجوار قلعة نائية حيث خطر الموت دائم. موقع حصين تحول الى سجن حيث تتلاشى الحماسة ورومانسية المثاليات. وأجد رواية (بيوفور) أفضل من روايتي (لمن تقرع الأجراس) و ( وداعا للسلاح) للروائي الأميركي ذائع الصيت همنجواي إلا ان رواية (كل شيء ساكن على الجبهة الغربية) للروائي الألماني (إريك ماريا ريمارك) أفضل منها جميعا وقد حارب ريمارك بنفسه في الحرب العالمية الأولى .

من تأثير هذه الخدمة العسكرية القصيرة في الكتيبة الطلابية أنني الى يومنا هذا أصبحت شغوفا بالقراءة في مجالات الاتصالات العسكرية والحرب الالكترونية ومجالات الشفرات والتشفير. كان جهاز اللاسلكي الذي عملت عليه جهاز Racal TRA-931 وهو جهاز بريطاني الصنع غير رقمي سهل التنصت والتشويش عليه إذ لا يتمتع بخاصية التشفير الصوتي والتردد النطاط كالطرازات اللاحقة له. وكنا على علم بأنهم يتنصتون على شبكتنا اللاسلكية وتسجيل مكالماتها فعندهم وحدات كاملة متقدمة تقنيا للتنصت اللاسلكي وأيضا أجهزة متقدمة لتحديد موقع الجهاز اللاسلكي عن طريق تقنية التثليث. وما زلت اذكر حادثة تشويش واحدة (حادثة حرب الكترونية).

قام كوماندوز إسرائيليون بإنزال بالمروحيات خلف خطوطنا حيث هاجموا نقطة بعيدة يتمركز فيها ستة من الجبهة العربية لتحرير فلسطين استشهدوا جميعا. كانت قيادة الكتيبة قد علمت بالإنزال وطلبت من جميع المواقع اخذ الحيطة والحذر. وفجأة شوش الإسرائيليون على اتصالاتنا اللاسلكية فلم تعد تسمع إلا شوشرة قوية جدا. وبهذا تعطل الاتصال بين مواقعنا. أخرجت جدول الترددات الشهري وبدأت أجرب ترددا بعد تردد حتى عثرت على شبكة الكتيبة تعمل من جديد على ذلك التردد. ولم يحصل أي تشويش آخر. وفي أثناء هذه العملية كانت مقاتلات حربية إسرائيلية تقوم بغارات وهمية زيادة في الارتباك نسمع دويها في تلك الليلة المظلمة ولا نراها.

وأريد أن أعرج هنا على أربعة حوادث تتعلق بالإدراك الاستباقي أو الوعي غير الموضعي. الأولى تتعلق بصورتي التي يشير إليها السهم في الصورة المرفقة (نشرت الصورة في مقال مصور في مجلة الكفاح العربي التي ما تزال تصدر في بيروت ثم عثرت عليها في كتاب قلعة الشقيف قلعة الصمود). حينها لم تكن الكتيبة قد انتقلت إلى النبطية إلى الخط الأمامي الذي تشكل قلعة الشقيف أحد أطرافه بعد . حينها كانت الكتيبة مرابطة في ساحل الصرفند. لكنه في ذلك الوقت حدث هجوم ليلي ضخم للكوماندوز الإسرائيلي على مواقع كتيبة (بيت المقدس) في كل من (قلعة الشقيف) و(أرنون) و (كفر تبنيت) و (حرش النبي طاهر) استشهد على أثره ٢٦ مقاتلا بينهم متطوع باكستاني وذلك في ١٨ أغسطس عام ١٩٨٠. فأرسلت الكتيبة مفرزة تعزيز لمدة أسبوع خلفتها مفرزة أخرى بتاريخ ٢٥ أغسطس كنت أحد أفرادها حيث رابطنا لمدة أسبوع في القمة التي تقع عليها القلعة. ولقد تعرضنا طوال ذلك الأسبوع لقصف مدفعي متقطع في الليل والنهار.

في يوم من تلك الأيام كنت جالسا بين صخرتين مرتديا خوذة الرأس فإذا بصوت خافت حثيث في داخلي يقول لي قم من هذا المكان. ابتعد عن هذا المكان. فما إن ابتعدت بضعة أمتار حتى سقطت قذيفة مدفعية في المكان الذي كنت فيه !

الحادثة الأخرى أنه بعد شهر من انتقالي إلى القلعة عاملا لاسلكيا رأيت في ليلة في منامي والدي رحمه الله يأتي إلى القلعة فرق له قلبي رقة شديدة حيث قلت له هذا المكان خطير جدا. اليوم التالي في الظهيرة إذا بسيارة التموين تأتيني برسالة منه يستعطفني أن أعود لأن الوالدة مريضة جراء سفري إلى الحرب. وقد كان له ما أراد. وقد أرسل الرسالة عن طريق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في أبوظبي حيث قابل سليم الزعنون ممثل المنظمة هناك حينها وهو حاليا عضو في المجلس الثوري لحركة فتح حيث يقيم في رام الله.

وهناك رؤيا الاخ باسل السوري (من دير الزور) كان بالليل نائما تحت شجرة غير بعيد عني . فجأة استيقظ وهو يبكي. فقلت له ما الخطب؟ قال رأيت للتو في منامي ان والدي قد توفي. سافر اليوم الثاني الى بلده وعاد لنا بعد أسبوع قائلا لقد توفي والده في تلك الليلة.

ويذكر عالم الأحياء البريطاني ذائع الصيت روبرت شلدريك في كتابه الماتع ،Science Delusion ، ضلالة العلم، الذي احدث ضجة في الأوساط العلمية الغربية خصوصا أوساط الماديين، يذكر في الفصل التاسع: هل الخوارق النفسية وهم؟ تحت العنوان الفرعي: الواجس والإدراك المسبق عند البشر يذكر حادثة مماثلة لحادثتي في قلعة الشقيف حيث يقول: ” خلال الحروب يكون الناس أكثر يقظة ضد الأخطار والحق ان هناك أخطارا أكثر في وقت الحرب. على سبيل المثال، تشارلز بنروه الذي خدم في الجيش الأمريكي السابع إبان الحرب العالمية الثانية وشارك في غزو ألمانيا. فبعد عبور نهر الراين كان يقود في الليل سيارة ومعه ضابطان من رفقائه . يقول: فجأة سمعت في داخلي ذلك الصوت الخافت الحثيث. ثمة خطب ما في الطريق. لقد عرفت ذلك للتو. أوقفت السيارة غير عابئ بأنين وصياح الاثنين. بدأت أسير في الطريق. بعد نحو خمسين ياردة من حيث تركت الجيب اكتشفت ماذا كان الخطب. كنا سنعبر جسرا غير ان الجسر لم يعد موجودا. لقد تم تدميره وكان هناك منخفض شديد الانحدار عمقه نحو خمسة وسبعين قدما (1).

تدخل الحوادث الأربعة ضمن ما يسمى في علم الخوارق النفسية بالوعي غير الموضعي، فكلاهما إدراك مسبق يستعصي على التفسير المادي. وتشير ظاهرة الوعي غير الموضعي كالأحلام الاستباقية والإدراك المسبق إلى أن التفسير المادي للوجود تفسير خاطئ.

أثناء خدمتي في قلعة الشقيف تعرفت على الشهيد أبو فتحي رحمه الله الذي أسس لاحقا في الضفة الغربية أثناء الانتفاضة الثانية كتائب شهداء الأقصى وقتله الجيش الإسرائيلي في الخليل. قال لي ذات يوم إنه فلسطيني يعيش في الأردن وقد ترك دراسة الكيمياء في الجامعة الأردنية رغم تفوقه.

أما الذي أهديه هذا المقال، أمين رضا (محمود ) **، فهو قائد الفصيل، كان شابا لبنانيا على استقامة وحسن خلق جمعتنا روح الإخوة وزمالة سلاح لا تنسى. فنصف الكتيبة تقريبا كانوا متطوعين لبنانيين. كان في رمضان (١٩٨٠) يجهز لي سحورا من الفتوش (السلطة اللبنانية مع قطع الخبز المحمص) يضعها لي في كيس بلاستيكي يغلق ويفتح كي أتسحر إذا كنت في نوبة حراسة. وفي الكتيبة التقيت بمتطوعين من سوريا وإيران والمغرب والجزائر وكردستان والعراق واليمن.

في يونيو ١٩٨٢ اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان واستشهد من كتيبة الجرمق ١٢ مقاتلا قبل انسحابها انسحابا منظما إلى سهل البقاع. وقد كان جهاز لاسلكي مخفيا في منزل سيدة لبنانية في الطريق إلى السهل حاسما في تنظيم هذا الانسحاب. أما المرابطون في قلعة الشقيف وكانوا ٣٤ مقاتلا فقد استشهدوا جميعا ( بعد ان قرروا عدم الاستسلام حسب آخر رسالة لاسلكية منهم) بعد حصار وقتال وقصف جوي دام يومين وكانوا بقيادة يعقوب سمور ( راسم ) من مخيم عين الحلوة رحمه الله. وفيهم من خدمت معهم في الكتيبة. وصدقوني فقد رأيت في المنام مرارا هذه السنين أني أزور القلعة وأصلي عليهم صلاة الجنازة. فقد رجعت قلعة الشقيف للسيادة اللبنانية بعد أن نجحت حرب عصابات شنها حزب الله اللبناني في إجبار القوات الإسرائيلية المحتلة على انسحاب مذل بعد احتلال دام ثمانية عشر عاما. وهي حاليا تتبع دائرة الآثار اللبنانية التي فرغت من ترميمها وتأهيلها للسياحة بعد سنوات من العمل الدؤوب بمنحة من الصندوق الكويتي للتنمية.

وككل المحتلين رحل الإسرائيليون عن جنوب لبنان حاصدين المرارة فقط. في آخر الرواية قال ليراز: ” لقد خسرنا هذه الحرب. لا شك في ذلك. لم نخرج باتفاقية سلام. لم نقض على الإرهابيين قبل ان نرحل. لقد هربنا وتركنا خلفنا أسلحة وحلفاءنا جيش لبنان الجنوبي. وتلك السنة، السنة الأخيرة المزدحمة بالأحداث التي قضيتها أنا والشباب في لبنان، هل أسهمت في شيء؟ هل ساعدت في شيء، حركت الأمور الى الأمام ؟ لا أدري لماذا انتظر جيشنا، فماذا حصدنا من مكوثنا الطويل. لماذا لم ننسحب منذ مدة طويلة عندما لم نكن بهذا الضعف؟ لماذا لم ننسحب منذ سنة عندما اتخذوا قرار الانسحاب؟ لماذا كنا هناك أصلا؟ نعم يا أخي، صاحبي الصدوق، لقد كانت من أجل لا شيء” ( 2).

محمد عبدالله العليان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
(1) روبرت شلدريك ، Science Delusion ، 2013، ص 250
(2) رون ليشيم ، BEAUFORT ، 2007، ص 303-304

إلى الأعلى