الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب الباردة الثانية

الحرب الباردة الثانية

أ.د. محمد الدعمي

كما اعتدنا الكلام عن “حرب عالمية أولى” و”حرب عالمية ثانية”، يبدو الكلام عن “الحرب الباردة الثانية” بات قاب قوسين أو أدنى بعدما لوحظ من حملة إعلامية أميركية شرسة ضد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” الذي استحالت صورته بعد إسقاط الطائرة الماليزية فوق الأراضي التي يسيطر عليها المتمردون الروس، شرق أوكرانيا، أشبه بصورة طاغية أوروبي يذكرنا بستالين أو بهتلر أو بسواهما من حكام أوروبا الشموليين. والحق، فإن تعمد رسم هذه الصورة قد تبلور في الإعلام الأميركي والغربي عامة عندما أضيف شارب هتلر العمودي المستقيم على صور بوتين في العديد من صور بوتين التي أشيعت مؤخرًا في الإعلام الغربي.
إن أكثر ما يثير أعصاب الأميركان بقدر تعلق الأمر ببوتين إنما يتلخص في أنه يمثل أقوى رواسب الحرب الباردة من الاتحاد السوفييتي السابق، بوصفه رئيسًا لجهاز الاستخبارات الروسية KGB حقبة ذاك. لذا فإن بقاءه ومقاومته لعوامل التعرية الرأسمالية تشير إلى ولادة عدو جديد.
الخوف الهاجسي من روسيا ـ بوتين أطلق العنان لحملة شيطنته الإعلامية، ويبدو أنه راح يباشر حربًا باردة يمكن أن تضر بمصالح الأميركان والروس على حد سواء. وإذا كانت الولايات المتحدة تحتفظ بعدد من الأدوات الاقتصادية لمقاومة بوتين وطموحاته التي تذكرهم بطموحات الاتحاد السوفييتي السابقة، فإننا نقف اليوم أمام اقتراب شديد من “درجة حرارة” الحرب الباردة، لأن الأميركان يدركون اليوم أنهم: أولًا، لا يريدون أي احتكاك عسكري ثقيل العيار مع ند قوي كالاتحاد الروسي؛ وثانيًا، هم يدركون أن محاولة ليّ ساعد بوتين يمكن أن تكون سلاحًا ذا حدين، خاصة إذا ما أستثيرت حفيظته وأعصابه على محكات المزيد من العقوبات الاقتصادية، خاصة وأن الأوروبيين لم يظهروا تحمسًا بالقدر الكافي لدعم وتقوية العقوبات الاقتصادية الأميركية على روسيا. وهم مبررون في ذلك إلى حد كبير، باعتبار اعتماد العديد من دول أوروبا على النفط والغاز الروسي، ناهيك عن ارتهان تجارتهم واقتصادياتهم بالعديد من العقود المبرمة مع موسكو، ومنها عقود تجهيزات عسكرية. كل من فرنسا وبريطانيا أبدتا استعدادًا واضح المعالم لــ”الخروج عن طاعة” الأميركان عندما أعلنتا أنهما تواصلان تنفيذ هذه العقود مع موسكو، بصرف النظر عن أنها عسكرية.
إن محاولة واشنطن حصر بوتين في زاوية خانقة باعتبار مسؤولية روسيا (البعيدة المنال) عن موت كافة ركاب الطائرة الماليزية بصاروخ أطلقه الانفصاليون الروس من أوكرانيا، لا تبدو قضية قوية جدًّا، خاصة بعد أن تكررت حوادث سقوط وانفجار الطائرات في الجو على نحو يذكر الجمهور بعدم اكتراث واشنطن بمئات الفلسطينيين الذين قضوا تحت القصف الإسرائيلي على غزة. إن ازدواج المعايير راح يحرج واشنطن وعملية توظيفه من قبل الروس غدت أكثر يسرًا مما كانت عليه قبل غزة.
للمرء أن يتأكد أن أهم سلاح يحاول بوتين استعماله يتمثل في انتزاع سلاح العقوبات الاقتصادية من أيدي واشنطن التي راح توظيفها ينقلب عليها شيئًا فشيئًا.
لذا سيحاول بوتين انتزاع المبادرة من واشنطن من خلال كسر العقوبات الاقتصادية الأميركية القائمة اليوم ضد العديد من دول العالم مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وكوريا الشمالية. علمًا أن وزير الدفاع العراقي، سعدون الدليمي، هو الآن في موسكو ويوشك أن يوقع عقودًا مليارية لتسليح القوات المسلحة العراقية. وبكلمات أخرى، يمكن لتمرد بوتين على نظام القطب الواحد أن يخلق قطبًا ثانيًا، ثم يدشن حقبة ثانية من الحرب الباردة الثانية.

إلى الأعلى