الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حين تختصر غزة أمة بكاملها

حين تختصر غزة أمة بكاملها

هي لم يعزها أكثر من أسبوعين ملحميين، فالثالث، حتى اختصرت غزة وحدها أمة بكاملها… أسبوعين والثالث، أعطت فيهما لمعاني الصمود، وأعارت لعنفوان التحدي، مديات لم يعرفها مضموناهما من ذي قبل، فكان لها وحدها، وحصرًا، الحق بأن تمثل أمتها وأن تصبح وحدها، ولا من سواها، الناطق باسمها من محيطها إلى خليجها… كانت أيامًا فدائية الساعات ودقائقها مثقلة بأسطورية التضحيات، أعاد فيها الدم الغزي المقاتل وحده قضية قضايا هذه الأمة إلى حيث عرين وجدانها المتقد، ليحتضنها ضميرها المكلوم عائدا بها إلى حيث مركزيتها متدثرةً بدفء ما افتقدته من حدب تلكم البدايات النضالية الطهور… وكانت أيامًا ودقائق ملحمية أعادت فيها غزة الأمة لفلسطينيي الأمة تائه انطلاقتهم التحررية… إلى حيث سالف مدار مبادئها السوية وسلمتها من جديد لراسخ ثوابتها الأسمى…
قهرت غزة بدمها فجور فائض القوة وفلَّت عربدة جنون التفوُّق. كشفت عن محدودية ما تستطيعه هذه القوة، فأفصحت عن لا محدودية ما تستطيعه الإرادة المقاومة، فكان لها أن تقول كلمتها، وأن تسمعها لكل من عجز فجبن فقعد وبات منظِّرًا للجبن وانتهى إلى المساوم وآلت به مساومته إلى التواطؤ وتواطؤه إلى التآمر: إن النصر تصنعه إرادة الحياة وليس فائض قوة الموت الباطشة، وهذه لا يقهرها ولا يردعها ولا يدحرها إلا هذه الإرادة… بعثت غزة بعنادها الخاص مناخات زمنها المقاوم، فأعادت إلى فضاءات أمتها الملبدة زخم إشراقة ثقافة المقاومة، مطلقةً في عمق وجدانها المثلوم كامن عصف ممانعاتها، وقالت للجميع: من دير ياسين وحتى الشجاعية وخزاعة، مرورًا بقانا، وإلى أن نطردهم من بلادنا ونعيدهم من حيث أتوا، هم هم ولن يكونوا سوى ما هم عليه، جيش من قتلة له كيان، أما نحن فمقاومة لها شعب وشعب يدافع عن أمة، وأمة باتت غزة الآن تختصرها… أمة بدت غزة اليوم أيقونة قيامتها، وأنموذج غضبتها، وتجسيدا لكرامتها…
نعم، إنهم المتفوِّقون، عسكريًّا، وبمن اصطنعهم، ومن دعمهم، ومن حالفهم دوليًّا وحتى عربيًّا، وبما لا يقاس. لكننا المتفوقون عليهم ومن معهم أيضًا بحقنا وإرادتنا وبما لا يقاس، وعليه، ووفقًا لحساباتنا لا حساباتهم، تعادلنا، وقالت غزة أن لا من عودة لما كان، ومن هنا قررت أن يبدأ المختلف بعد اليوم، ومن هنا، كلما زادت وحشية حقدهم وارتفع مستوى همجية انتقامهم ارتفع مؤشر فشلهم واقتربت ساعة هزيمتهم… فلَّ الكف المخرز، وانتصرت الضحية على الجلاد… ها هي غزة المحاصرة تحاصرهم وتغلق مجالهم الجوي… ها بصمودها الملحمي، وتضحياتها الجسام، وعنادها المقاوم، وعظمة فدائيتها، تسدد أقسى ضرباتها المعنوية والسياسية والاقتصادية للغزاة الفجرة… ها هو فجور فائض قوتهم المنفلتة، وفتاوى حاخاماتهم بقتل أطفالنا، تنم عن وهن وهشاشة كيانهم الاستعماري اللقيط، هذه الثكنة الإجرامية المستفزة لكافة حقائق التاريخ والجغرافيا ومعاني الإنسانية… هذا الكيان الذي حمل منذ أن افتعله الغرب واختلقه وتعهده بذور فنائه المحتم…
أسقطت الملحمة الغزية ترهة “المجتمع الدولي”، وأعادت افتضاح عورة أممه المتحدة، وإذ أربك الدم الفلسطيني المقاوم الغزاة المحتلين، انهمرت الوساطات وتلاحقت وفودها، واكتشفت الأمة الثكلى كم لها من صهاينتها… من بلير إلى بان كي مون إلى كيري إلى الأقل شهرةً أو ضجيجًا ممن سارع من الأوروبيين، هؤلاء الذين هبوا هبة رجل واحد طمعًا في الحسنيين، تجريد غزة من سلاحها وإرادتها، وانتشال المعتدين من ورطتهم، وتلطى هؤلاء جميعًا وراء ازدياد لهاث الصهاينة “العربتهدويًّا” بزعم الحرص على حقن دماء أشقاء سبق أن تركوهم لحصار فتك بهم لثمانية أعوام، ويعلمون أن دماءهم المسفوحة لن يتوقف سفكها ما دام هذا العدو قائمًا وموجودًا في القلب من بلادهم وبين ظهرانيهم… فشلت الألاعيب التهدوية المفضوحة حتى الآن وهتَّك الصمود الأسطوري وملحمية المواجهة شراكها، وهال الغزيين مدى ما بلغه انحطاط هذه المرحلة العربية المخجلة. راعهم أن تعدت الحال من حولها بائس العجز وعار معهود اللامبالاة، إلى شائن التواطؤ المعلن، الذي ما من ترجمة له في مثل هذه اللحظة المصيرية بالنسبة إلى شعب يقتل وأمة تقهر وقضية تستهدف إلا المشاركة موضوعيًّا في سفك دم الشقيق المقاوم. وإذ بلغ الانحطاط مداه إلى حيث لم يتورع البعض عن أن يتشفى بما يلاقيه شقيقه، لم يعد من أمل لغزة في غفاة معتصميهم، ولم يبق لها سوى أن تتمنى عليهم فحسب أن يعفوها من تآمرهم…
راهن غزة الملحمي، يقول، وما يقوله راهنها يتردد صداه بعيدًا في أعماق مترام أمة تختصر توقها فرادة هذه اللحظة الغزاوية المقاومة: يتوه العرب بدون البوصلة التي ما كانت ولن تكون سوى فلسطينهم، ولن يجد وجدان هذه الأمة المستباح في مثل هذه المرحلة المصيرية الأخطر، التي تتكسر فيها نصال تطييفها وشرذمتها وتمزيقها على النصال، ملجأ لأحلامها المطاردة إلا فلسطينيتها، وما الفلسطنة هنا إلا هوية نضالية عربية وليست زمرة دم، ولا من ترجمة ولا من عنوان لها الآن ولا غدًا وقبلهما بالأمس سوى المقاومة، ولهذا يقول الدم الغزي المقاوم بوضوح لم تعهده سابقات المراحل: إن أنت الآن مع غزة فأنت إذن مع الأمة، مع نفسك، وإذ أنت معهما فحتام ستكون مع المقاومة، وخلاف هذا، ومهما كثر العجزة والقاعدون والمتواطئون والمتآمرون في مثل هذا الزمن العربي الأردأ من حولك، فإن الأمة براء منك ومنهم، وأنت وهم مهما بلغتم أفردتم إفراد البعير المبعد… ولهذا اختصرت غزة أمتها وأصبحت أيقونتها…

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إلى الأعلى