الإثنين 16 سبتمبر 2019 م - ١٦ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رحيل آخر الضباط المصريين الأحرار

رحيل آخر الضباط المصريين الأحرار

محمد عبد الصادق

” .. خالد محيي الدين أحد أبطال أزمة 4 مارس 1954م , وكان مؤيدا للواء محمد نجيب في صراعه مع الضباط الأحرار؛ حين تقدم نجيب باستقالته اعتراضا على تقليص سلطاته وسيطرة أعضاء مجلس قيادة الثورة على مفاصل الدولة, وكانت شعبية نجيب في ذروتها, ورفض المجلس قبول الاستقالة مخافة انقلاب الشعب على الثورة, وانصاع لمطالب نجيب التي خرجت المظاهرات الضخمة تؤيده وتدعوه لمواصلة الإصلاحات.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ودعت مصر أمس الأول آخر أعضاء مجلس قيادة الثورة وأحد الضباط الأحرار الذين أنهوا الحكم الملكي في مصر عن عمر ناهز الخامسة والتسعين, بعد صراع مع أمراض الشيخوخة نقل على أثرها لأحد المستشفيات العسكرية بالقاهرة حيث فارق الحياة, بعد حياة سياسية حافلة ’ فخالد محيي الدين يعتبر أحد رموز اليسار في الوطن العربي وكان يلقب بالضابط الأحمر, وأسس حزب التجمع الاشتراكي في سبعينيات القرن الماضي, واستمر رئيسا له حتى العام 2003م , ليعلن اعتزاله العمل السياسي ويختاره الحزب رئيسا شرفيا للتجمع مدى الحياة.
ولد خالد محيي الدين في مدينة كفر شكر التابعة لمحافظة القليوبية القريبة من القاهرة عام 1922م , لأسرة ميسورة الحال تمتلك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية, وتحتكر مقعد مجلس النواب عن الدائرة منذ العهد الملكي.
التحق بالكلية الحربية في العام 1938م , وتخرج فيها في العام 1940م , بعد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بدفعتين, وانضم لتنظيم الضباط الأحرار منذ تأسيسه وكان برتبة (صاغ) رائد وقت قيام الثورة عام 1952م , وحصل على بكالوريوس التجارة وحاول التخلي عن الحياة العسكرية, وصفه جمال عبد الناصر بالصاغ الأحمر بسبب توجهاته اليسارية ودعوته زملاءه في مجلس قيادة الثورة لتسليم الحكم للمدنيين والعودة لثكناتهم, ومحاولة إقامة نظام ديمقراطي والسماح بعودة الأحزاب السياسية التي سبق وحلها مجلس قيادة الثورة.
نشب خلاف بين محيي الدين وأعضاء مجلس قيادة الثورة الذين أيدوا قرارات عبد الناصر, ورفضوا عودة الأحزاب التي وصفوها بالفاسدة وكانت وجهة نظرهم أن مصر تحتاج إلى اكتمال الثورة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية, حتى ينضج الشعب ويستطيع الاختيار وممارسة الديمقراطية.
وخالد محيي الدين أحد أبطال أزمة 4 مارس 1954م , وكان مؤيدا للواء محمد نجيب في صراعه مع الضباط الأحرار؛ حين تقدم نجيب باستقالته اعتراضا على تقليص سلطاته وسيطرة أعضاء مجلس قيادة الثورة على مفاصل الدولة, وكانت شعبية نجيب في ذروتها, ورفض المجلس قبول الاستقالة مخافة انقلاب الشعب على الثورة, وانصاع لمطالب نجيب التي خرجت المظاهرات الضخمة تؤيده وتدعوه لمواصلة الإصلاحات.
ودعا مجلس قيادة الثورة لعقد جمعية تأسيسية لكتابة دستور جديد للبلاد وإلغاء الأحكام العرفية والسماح بعودة الأحزاب وأعلن حل مجلس قيادة الثورة.
وعندما وصلت هذه الأنباء للجيش هاج الضباط وهددوا بالاستيلاء على الحكم واعتبروا هذه القرارات انقلابا على الثورة وأنها ستفضي بالبلاد لحالة من الانفلات والفوضى وهددوا عبد الناصر بالقبض عليه وعلى مجلس قيادة الثورة في حال تنفيذها, فما كان من عبدالناصر إلا دعوة مجلس قيادة الثورة للانعقاد وتعليق هذه القرارات لحين استقرار الحالة الأمنية في البلاد والاكتفاء بتولي محمد نجيب رئاسة الجمهورية وتولي جمال عبد الناصر رئاسة الحكومة.
ويقول خالد محيي الدين في مذكراته عن هذه الأزمة:” يا جمال أنا مع الثورة الديمقراطية, وكل أمنيتي أن تنجح الثورة ولكن في إطار ديمقراطي”
كما يقول خالد محيي الدين عن أزمة الرجوع في القرارات الإصلاحية أن عبداللطيف بغدادي شرح له أخطار قرارات مارس وأكد له بأنها أصابت المجلس بالقلق من انتصار محمد نجيب وأن مظاهرات الجماهير الصاخبة المؤيدة له زادته غرورا وتشبثا بالسلطة والرغبة في الاستحواذ على السلطة بالإضافة إلى أن جزءا كبيرا من الجيش ضدها, ويعترف محيي الدين أن طلبات محمد نجيب باتت تتزايد طلبا تلو الآخر لدرجة جعلتني أحتد عليه في أحد الاجتماعات قائلا له : يا سيادة الرئيس أنا وقفت معك في الماضي, أما اليوم فأنا أقف ضدك فطلباتك كلها تحاول أن تحشد المزيد من السلطات لشخصك وقد يؤدي ذلك إلى انهيار كل شيء.
ويشعر محيي الدين بالقلق البالغ على قرارات 5 مارس الإصلاحية التي باتت مهددة, وانتهى الأمر بالقبض على محمد نجيب وإيداعه رهن الإقامة الجبرية وصعود جمال عبدالناصر لقمة السلطة بعيدا عن المسار الديمقراطي الذي كان يؤيده محيي الدين, وهو الأمر الذي انتهى به لاختيار المنفى الاختياري في سويسرا , ولكنه لم يستمر طويلا وعاد إلى مصر عام 1957م , ليترشح لعضوية مجلس الشعب عن كفر شكر, وتولى بعدها رئاسة مجلس إدارة ورئاسة تحرير صحيفة أخبار اليوم.
لم تكن علاقته بالرئيس السادات على مايرام رغم اعترافه بوطنية السادات وأنه رفض الإبلاغ عن زملائه الضباط الأحرار عندما كان عضوا في التنظيم الحديدي التابع للملك فاروق, وضلل وزير الحربية حيدر باشا عندما واجهه بقائمة بأسماء مجلس قيادة الثورة التي كان ينوي القبض عليهم قبل قيام الثورة مما ساهم في قيام ثورة يوليو.
ولكن الصدام مع السادات بدأ في أعقاب انتصار حرب أكتوبر وبداية مغازلة السادات للأميركان في مباحثات فض الاشتباك الأول والثاني, وبدأ محيي الدين يهاجم تقارب السادات مع الأميركان ويحذره من الارتماء في أحضانهم, واستمر الأمر مع انتهاج السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي رغم سماح السادات بعودة الحياة الحزبية والسماح لخالد محيي الدين بتأسيس حزب التجمع وإطلاق جريدة الأهالي.
اتهمه السادات بالعمالة لموسكو عندما اعترض على زيارته للقدس وهاجم كامب ديفيد وهي تهمة طالما وجهها السادات لمعارضيه في حقبتي السبعينيات والثمانينيات.
بدأت علاقته جيدة مع حسني مبارك وسرعان ما ساءت بسبب سياسات مبارك الاستبدادية ورفضه تغيير المواد الدستورية التي تتيح للرئيس البقاء في الحكم إلى مالانهاية, وعندما غيرها مبارك نتيجة الضغوط الخارجية رفض محيي الدين المشاركة في انتخابات 2005م , ووصفها بالتمثيلية لأنه معروف نتيجتها سلفا لافتقادها معيار النزاهة والحيادية, وكان يرى أن مشاركته ستعطي شرعية لتكريس حكم الرئيس مبارك.
تخلى طوعا عن رئاسة حزب التجمع ليعطي مثالا للتجرد والزهد في المناصب وفسح المجال لتولي الشباب القيادة وتشجيعهم على ممارسة العمل الحزبي ..

إلى الأعلى