الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : سيطرة على التجارة

اصداف : سيطرة على التجارة

وليد الزبيدي

كان وضع يهود العراق جيداً في اربعينيات القرن التاسع عشر والنصف الثاني منه، حيث كانوا المسيطرين على التجارة في الدولة وكانوا معروفين ومؤثرين في اوساط السلطة، ومنح اليهود حق السكن في أي مكان يرغبون، وحسب ما ذكره عدد من الرحالة فقد وجد في بغداد سنة 1845م حوالي 16000 يهودي وفي سنة 1854م بلغ عددهم 1300عائلة يهودية وفي سنة 1860م 20000 يهودي وبلغ عددهم في سنة 1880م حوالي 24000 يهودي وفي 1884م بلغ عددهم 30000 يهودي وفي سنة 1899م حوالي 35000 يهودي.(انظر ابراهام بن يعقوب ص85)، ولا شك ان تلك الارقام لم تعتمد من خلال الاحصاءات الرسمية، بل انها كانت تقدم الى الرحالة من خلال زعامات اليهود، وهي غالباً ما تكون تقديرية ولهذا تجد تفاوتاً في الارقام التي ذكرها الرحالة في كتاباتهم والتي اصبحت مراجع مهمة في دراسة احوال اليهود في العراق وفي دول المشرق بصورة عامة.
وشكل يهود العراق في العهد العثماني قوة مؤثرة، وبتقادم السنين اصبح اليهود اقلية مهمة في العراق، وتولوا مناصب كبيرة في اجهزة الدولة (فيليب حتى، تاريخ العرب ج2 ص450)، وكانت الاقلية اليهودية تشتغل باخطر واهم الاعمال التجارية والمصرفية، وكانت تسعى الى حماية اجنبية، وتاريخها حافل بتلك الشواهد، وان الاحصاءات المهمة التي قدمتها عن الجوانب الاقتصادية الى المقيم البريطاني في بغداد كلوديوس جيمس ريج مطلع القرن التاسع عشر، يثبت ذلك، وتؤكد الدراسات اليهودية على المنهج الذي اتبعوه في سبيل تحقيق مصالحهم، والتعاون مع أية جهة أجنبية في سبيل ذلك، ومر بنا كيف ان رياحهم تسير مع من يأتي ويتم التعامل معه بمقدار قوته، وتشير الكاتبة الصهيونية (براشاكس) التي كتبت سيرة حياة ديفيد بن غوريون اول رئيس لإسرائيل عام 1948 الى انه في كل فترة عاش فيها يهود العراق، كان الحنين الى صهيون هو القوة الرئيسة التي تعتمل في نفوس التجار والحرفيين والباعة اليهود، الذين كانوا يعملون من اجل اليوم الذي سيأتي فيه المسيح المنتظر ليعيدهم الى ارضهم..
وشهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر توجهاً يهودياً مكثفاً نحو التعليم، وتزامن ذلك مع التحرك الصهيوني، الذي ازداد واخذ اتجاهات متعددة، تهدف في مجموعها اعداد الجاليات اليهودية في الوطن العربي والعالم اعداداً جيداً، وترسيخ المفاهيم التي جاءت في التوراة والتي تكرس الفكرة الصهيونية، ومن هذا المنطلق اتجهوا لتأسيس المدارس وتكثيف المناهج التعليمية، وفي سنة 1865م أسست جمعية الاتحاد الإسرائيلي مدرسة عامرة في بغداد عهدت رئاستها الى رجل خبير بفن التدريس هو المسيو ماكس واسحاق لوريون الساعاتي، ونظمت منهاجاً على مثال المدارس الابتدائية الأوروبية وأدخلت فيها تعليم الفرنسية والإنجليزية من اللغات الأوروبية والعبرية والعربية والتركية من اللغات الشرقية والتاريخ والجغرافية والحساب والطبيعيات وعلم الأشياء والكيمياء من العلوم الحديثة، وأخذت هذه المدرسة بالتوسع ولا سيما بعد ان شيدوا لها داراً عامرة (السر البرت داود سلمان)، وكان الأساتذة يأتون من لندن وباريس، واهتمت بها الحكومة العثمانية اهتماماً كبيراً وتخرج في هذه المدرسة معظم رجال اليهود في بغداد وتهذبوا فيها فنزلوا معترك الحياة.(يوسف غنيمة ص178).
تتناول الدراسات التاريخية احوال يهود العراق، وتتوقف جميعها عند فترة تولي مدحت باشا الحكم في العراق سنة 1869م، ويذكر المؤرخون حجم الرعاية التي اولاها ليهود العراق وما قدمه لهم من تسهيلات كثيرة،كما ان كتابات اليهود تنصب على كيل المديح له، ومن خلال بحثنا في تاريخ اليهود في الدولة العثمانية (مطر القرون- التأثير اليهودي في القرار السياسي التركي) وجدنا ان الوالي مدحت باشا من اصل يهودي وتجمع على ذلك العديد من المصادر وتؤكد انه من يهود الدونمة (افردنا لهذه الطائفة فصلاً في كتابنا المذكور اعلاه).

إلى الأعلى