السبت 21 سبتمبر 2019 م - ٢١ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : ندوة تقطع الطريق على المغالطات

رأي الوطن : ندوة تقطع الطريق على المغالطات

تكتسب أهمية ندوة “المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني” التي تختتم جلساتها اليوم بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر ليس لجهة حجم التنوع والزخم العلمي والتاريخي والمعرفي الذي شهدته القاعة التي أقيمت فيها الندوة فحسب، وإنما لأنها جاءت لتضع السياقات التاريخية في مسارها، والمحطات التاريخية في مكانها، ونسبة صانعي التاريخ والأحداث إلى أصولهم وترابهم الأصلي الذي نشأوا عليه، فجاءت الندوة بمثابة محاكمة تاريخية لتنصف صنَّاع التاريخ والأحداث والانتصارات، ولتنصف ذويهم ـ بغض النظر إن كانوا أحياء أو أمواتًا ـ ولتنصف وطنهم الذي له الفضل في تنشئتهم واحتضانهم، ولتقطع الطريق على المغالطات التاريخية التي بدأت تنشب أظفارها لتخدش نصاعة التاريخ وسلامته وموضوعيته، لكي تحرفه تبعًا لمصالح وأهواء منشؤها مراهقات سياسية، وأحلام تتجاوز قامات أصحابها بمراحل.
كما تكتسب الندوة أهميتها من حيث القامات الفكرية والثقافية والتاريخية التي أسهمت في إثراء الندوة من خلال الأوراق العلمية المستندة إلى المراجع التاريخية السليمة التي لم تخالط مؤلفيها الأهواء وبيع الذمم، والرغبة في الثراء المادي مقابل الأمانة العلمية، لذلك جاءت هذه الأوراق العلمية التي توالى إلقاؤها على مدى يومين واضعة نقاط الحقيقة على حروفها، مبينة ما هو حق وحقيقة، وما هو باطل وتدليس جملة وتفصيلا، الأمر الذي سلط مزيدًا من الضوء على الماضي المفعم بالحقائق، وعلى الدور الحضاري العماني والإسهامات الجليلة التي قدمتها الحضارة العمانية في خدمة الإنسانية والبشرية، منذ ما قبل الإسلام، حيث حضارة مجان ومزون والحضارات الأخرى التي تعاقبت، وما بعد الإسلام حيث المواقف العمانية المشهودة ليس الترحيب برسول رسول الله عليه الصلاة والسلام حين أتاهم لدعوتهم إلى دين الإسلام فقط، وإنما أيضًا الإسهامات العمانية في الفتوحات الإسلامية، والندوة محل الحديث أسهبت في تبيان “التاريخ العماني الذي يضرب بجذوره في القدم منذ سبعة آلاف سنة، وفي كثير من مراحل التاريخ كانت امبراطورية عُمان قوية سادت بحار العالم، وتمددت على أراضٍ آسيوية وإفريقية، وأنجبت هذه الأرض الكثير من القادة والعلماء العظام، والإرث الفكري والحضاري العُماني بمخطوطاته ووثائقه”، كذلك أسهبت الندوة في شرح الأدوار والإسهامات العمانية ومن أبرزها ما تمثل في “المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني، هذه الشخصية القيادية الفذة التي برعت في فنون الحرب وصنع الانتصارات، كما أشرقت في إدارة الأقاليم وترسيخ الملك والذي نشأ في بيت زعامة وقيادة لقومه وهو أبو صفرة سارق بن ظالم العتكي الأزدي الذي وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إسلامه، وكناه بأبي صفرة، ثم وفد على خليفة رسول الله أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ضمن وفد عُماني رسمي رفيع المستوى بقيادة عبد بن الجلندى، وكان خطيب الوفد فألقى كلمة الوفد في مسجد رسول الله كما يحفظ التاريخ لهذا الأب الزعيم درسًا لا ينسى في تربية القادة.
على الجانب الآخر يمكن القول إن ندوة “المهلب بن أبي صفرة الأزدي العماني” تمثل تقدمة جيدة للأخذ بزمام الأمور، وبناصية العمل نحو ممارسة حقوقنا في حفظ تراثنا وتاريخنا وصونه من العبث والابتذال والسطو والتحريف والمغالطات، وتمثل الندوة أيضًا دافعًا نحو عقد ندوات مماثلة تنفض الغبار عن المكنونات الحضارية والتاريخية والتراثية، وعن القامات العمانية التي برزت في مختلف العلوم، والتي من حقها علينا أن نصون مآثرها ونخلد إسهاماتها وأدوارها، وأن ندين لها بالفضل علينا في التعريف بنا وببلادنا عُمان وحضارتها العريقة، وكما أكد معالي عبدالعزيز بن محمد الرواس مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية في تصريحه أمس على هامش الندوة أن “الاعتداء على الأموات ليس من شيم الكرام، ونحن اليوم هنا لنصرة هذا الحق والتاريخ الممتد من مالك بن فهم وإلى ما قبل الملكة شمساء، وصولًا إلى حكم حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي فجر النهضة المباركة التي عمت البلاد والعباد، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد جلالته بالصحة والعافية والعمر، وأن يكون لنا ذخرًا، ولعباده نبراسًا يقتدون به، ويحملون على يده الخير والأمن والسلام للجميع”.

إلى الأعلى