الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نداءات ربانية 5

نداءات ربانية 5

أخي القارئ الكريم تحدثنا في اللقاء السابق عن النداء السابع والثامن والتاسع من النداءات الربانية ونكمل اللقاء مع النداء العاشر: ينادي الله تعالى على عباده مذكرا ومنذرا يقول الله عز وجل ( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) فلتعلموا عباد الله أن كل قول أو فعل يُحصى لنا أوعلينا فإن الله قد وكَّلَ مَلَكَين يكتبا كل شيء وصدق الله العظيم إذ يقول ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ق 17 ـ 18فكل شيء يُحصى ويكتب في كتاب حتى الصفير واحد ماشي في الشارع يُصفر فاختلفا الملكان الموكلان بالكتابة وقالا: كيف نكتب هذا؟ فسمعوا النداء من قبل الله جل جلاله يقول لهم أكتبوه صفيرا وأنا عليَّ التفسير
فكل شيء يُحصى ويُعد وتجد كل ذلك أمامك يوم القيامة يقول الله سبحانه في محكم التنزيل ( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ) آل عمران30 سيكتب كل قول قلته وكل فعل فعلته في كتاب وسيوضع هذا الكتاب أمامك يوم القيامة لترى ما فيه من خير أو شر أو نفع أو ضر يقول الحكيم الخبير في محكم التنزيل ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) الكهف 49 ( إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ) قيل: المراد توفيتها يوم القيامة مصداقا لقول الله تعالى (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) آل عمران 185 وقيل يُحتمل أن المراد يُوفي الله عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة فقد قال الله عز وجل ( من يعمل سوءا يجز به ) النساء 123 فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ذلك بأن المؤمنين يُجازون بسيئاتهم في الدنيا وتدخر لهم حسناتهم فيوفون أجورهم وأما الكافر فإنه يُعجل له في الدنيا ثواب حسناته وتدخر له سيئاته فيعاقب بها في الآخرة ( فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) فيه إشارة إلى أن الخير كله فضل من الله على عبده من غير استحقاق له والشر كله من عند أبن آدم الذي اتبع هوى نفسه مصداقا لقول الله تبارك وتعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ) النساء 79 وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يرجو عبدٌ إلا ربه ولا يخافنَّ إلا ذنبه فالله سبحانه وتعالى إذا أراد توفيق عبد وهدايته أعانه ووفقه لطاعته وكان ذلك فضلا منه ورحمة وإذا أراد خذلان عبد وكله إلى نفسه وخلَّى بينه وبينها فأغواه الشيطان وأتبع هواه وكان ذلك عدلا منه سبحانه
وقيل: المراد بقوله ( فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) أي من وجد جزاء الأعمال الصالحة عُجل له في الدنيا فعليه أن يحمد الله ومن وجد الأعمال السيئة عُجل له في الدنيا فعليه أن يلوم نفسه على ما فعلت من الذنوب والمعاصي والآثام فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى نفسه باللوم ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار فقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ( إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل من عمره وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله وأطلقوه لا يدري بما عقلوه ولا بما أطلقوه ) شعب الإيمان
وقيل: المراد بقوله ( فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) ) يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ذلك وأن الله قد أخبر عن أهل الجنة أنهم يحمدون الله على ما رزقهم من فضله فقال سبحانه وتعالى في محكم القرآن ( ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ) الأعراف 43 وقال سبحانه وتعالى (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) فاطر 34 35 وأخبر الله تعالى عن أهل النار أنهم يمقتون أنفسهم أشد المقت فقال سبحانه وتعالى ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) إبراهيم 22 وكان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة خوفا من لوم النفس على التقصير عند انقطاع الأعمال
اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن الكريم الذي رفعت مكانه وأيدت سلطانه ووضحت برهانه آمين ….
والله الموفق لما فيه الخير والرشاد

إبراهيم عبد العزيز محمد فرج
إمام وخطيب جامع خالد بن الوليد بحلة السدر السيب

إلى الأعلى