الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قد أفلح من زكاها 3ـ3

قد أفلح من زكاها 3ـ3

قال تعالى :
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) ﴾
( سورة الشمس )

مرض العُجب

* الذي هو أصل كل الأمراض الأخرى !!!
* مرض قلبي دقيق وخطير قد يتواجد في قلوبنا دون أن نشعر …
* مرض قلبي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصفه بأنه مهلك للقلوب والأعمال …
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” إِنَّمَا الْمُهْلِكَاتُ شُحٌّ مُطَاعٌ . وَهَوًى مُتَّبَعٌ . وَإِعْجَابُ الْمُرْءِ بِنَفْسِهِ ”

والعُجب كما يعرفه العلماء هو :
* ” أن ترى أن عندك شيئا صالحاً ليس عند غيرك ” .
إذن فالعُجب شعور قلبي داخلي لا يُرى عملياً إلا بعض أثره فقط وخاصة في أوقات الغفلة من صاحبه
* هو إحساس بالاختلاف بشيء صالح عن الناس والتميز عنهم ..
* هو أن ترى في من حولك نقصا او عيبا ولا تراه في نفسك…
* أو عندما تفرح بقول أو فعل أو بموقف حدث منك وتتصور أنه لو كان غيرك مكانك ما سلك مثل سلوكك ولما نجح فيما نجحت أنت فيه !!

من أنواع العجب :
(1) العجب بالنعم :
وهو فرح العبد بما أسبغ الله عليه من نعم ظاهرة وباطنة من صحة وأبناء وسعة رزق .. فكل هذه من نعم الله وتوفيق له لنيلها .. وهي مما لا حيلة للعبد في وجودها ولا قدرة له على إيجادها أو اكتسابها إلا بتوفيق الله له.

(2) العجب بالعمل الصالح :
وهو أخطر أنواع العجب .. فيعجب الشخص بالعمل الصالح الذي يكتسبه بسعيه – بعد توفيق الله له وإنعامه عليه – فينسى المنعم سبحانه ويرى أثر كسبه فقط فينظر إلى عمله ويعجب به ويشعر بالزهو والفخر كلما خطر على باله ذكره .

(3) ومن أنواع العُجب التي تفشت عند المسلمين :
تصور البعض أنهم – وحدهم- من يمتلكون الحق والصواب وأن غيرهم مقيم على الخطأ والبعد عن الدين .. ( فهذا من أشد أنواع العجب فتكاً بالقلوب لعظم خطره وتأثيره ..)

إذ يتحول إلى عُجب جماعي يجعلهم يهاجمون أي جماعة أخرى مخالفة لهم !!
ومن مصائب العجب على النفس أنه آفة إذا دخلت القلب قل أن تخرج منه (( إلا بمجاهدة عظيمة ))
بل ربما إن أهمل علاجها أن تستدعي معها آفات أكبر..
* فربما يتملكك العجب بالعمل حتى يجعلك متوهماً في نفسك ما ليس فيها فيتحول العجب إلى غرور
* وقد يؤدي العُجب بعملك إلى انتقاص عمل من حولك و محاولة إيجاد عيوبهم وعثراتهم و حينها يتحول العُجب إلى الكبر …

من مظاهر العُجب :

* كثرة الحديث عن النفس أو عن المنجزات ولو في شكل عرض مشكلة صادفتك …
* الحديث لحاجة ولغير حاجة فتقحم نفسك وتجربتك ورأيك .. وقد يكون الحديث عن النفس تصريحا أو تلميحاً .. بل ربما يكون على هيئة ذم النفس أو وصفها بالتقصير الذي يُراد به المدح ..
* التقصير والتكاسل عن الأعمال التي ليس لك فيها صدارة مع مداومتك حضور وتصدر المجالس التي لك فيه السبق والغلبة ..
* الإهتمام بحضور التجمعات التي يُشعرك فيها الناس بقدرك وأهميتك و أهمالك للمجالس التي يُغفل فيها ذكرك ولا يُشعرك الاخرين فيها بأهميتك ..!!

ختاماً:
العُجب مرض خطير قد يفقد الإنسان به معونة ربه وتثبيته له .. فالثبات من عند الله وحده سبحانه..
قال تعالى : ” إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ”
ويوم يأتي العجب يكون الإنهيار والفرار..قال تعالى : ” وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ” .
فإذا كان هذا في شأن بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهو معهم … فحق لنا جميعاً أن نخشى ونعتبر ونبحث بصدق في قلوبنا ونهتم بما فيها..
****
أيها الأحبة :
لقد ذم الله عز وجل ونبيه صلوات ربي وسلامه عليه العجب … قال تعالى : ” وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ” ذم الله عز وجل الكفار في إعجابهم بحصونهم و قوتهم .
و قال تعالى :
“قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِيالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ” وهنا يذم الله عز وجل العُجب بالعمل …
قيل لعائشة رضي الله عنها : متى يكون الرجل مسيئاً ؟ قالت :إذا ظن أنه محسن .

أخي / اختي :
إن العُجب هو أصل أمراض القلوب الأخرى …
(1) فعُجب الإنسان بجماله وهيئته وصحته وقوته قد تجعله يسخر من أشكال الآخرين و ضعفهم …
و ينسى أنها نعمة من الله تعالى . وهي معرضة للزوال في أي وقت . .
وعلاج هذا النوع هو التفكر في أصله . وفي الوجوه الجميلة والأجسام الناعمة كيف أنها تمزقت في التراب و القبور …
عجبت من مُعجبٍ بصورته
وكان بالأمس نطفةً مَذِرة
وفي غدٍ بعد حُسْنِ صورته
يصير في اللحد جيفة قذرة

(2) العُجب بالبطش والقوة :
كما حكي عن قوم عادٍ أنهم قالوا: “مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً “.. فتراه يبطش بالناس و يستخدم هذه النعمة فيما يغضب الله …
(3) العُجب بالعقل والعلم ..
فتراه ينتقص الآخرين ويراهم أقل شأناً منه .. وقد يسخر من جهل البعض ببعض الأمور …
وعلاج ذلك أن يشكر الله تعالى على ما رزقه من العقل . ويتفكر أنه بأدنى مرض يصيب دماغه يجن بحيث يُضحك منه .. وليعلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا . وأن ما جهله أكثر مما عرفه .
(4) العُجب بالنسب حتى يظن بعضهم أنه ينجو بشرف نسبه .. ويتخيل بعضهم أن جميع الخلق له موالٍ وعبيد !
وعلاجه أن يتذكر قوله تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ “.

(5) العُجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والعشيرة . كما قال الكفار : “وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا “.
وعلاجه أن يتفكر في ضعفه وضعفهم . وأن كلهم عبيد عجزة . لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا ..
و كيف يعجب بهم وأنهم سيتفرقون عنه إذا مات . فيدفن في قبره ذليلاً مهيناً وحده لا يرافقه أهلٌ ولا ولد ولا قريب .

(6) العُجب بالمال :
كما قال تعالى إخباراً عن صاحب الجنتين :” أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا” . فتراه يحتقر الفقراء و لا يحب مجالستهم …
وعلاجه أن يتفكر في آفات المال وكثرة حقوقه . ويتذكر أن المال غادٍ ورائح ولا أصل له.. ويتذكر قارون وُملكه وكيف خسف الله به الأرض …

(7) العُجب بالرأي :
قال تعالى :” أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ” . فيظن أن رأيه هو الصحيح وما عداه خطأ .. فيغضب و يحقد إذا تصرف الآخرين بما يُخالف رأيه …
وعلاجه أن يتذكر أن تصرفات الآخرين تنشأ من معتقداتهم و وجهات نظرهم المختلفة ..
ويستحيل أن يتفق الجميع في وجهات النظر …
وحين يتعامل مع الآخرين يجب أن يتذكر أن :” رأيه صواب قد يحتمل الخطأ و رأي الآخرين خطأ قد يحتمل الصواب .

(8) العُجب بالأعمال الصالحة و استعظام الطاعة واستكثارها وفي المقابل استصغار المعاصي والذنوب !! وهذا يؤدي إلى إهمال الذنوب ونسيانها ..
والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ويظن أنه عند الله بمكان فلا يسمع نصيحة ولا موعظة ..ويمنعه عجبه عن سؤال أهل العلم .. وتراه يحتقر الآخرين ممن وقعوا في المعاصي وينسى أن يشكر الله على أن وفقه لطاعته … وينسى أنه بشر معرض للوقوع في الخطأ مثلهم … والأولى أن يُشفق على أهل المعاصي ويدعو لهم لا عليهم ..

ختاماً :
قال تعالى : ” وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ”
فلنتذكر دائماً أن كل نعمة نملكها و ربما حُرم منها غيرنا . إنما هي فضل من الله تستوجب الشكر .. فبالشكر تدوم النعم …

جوخة بنت على الحارثية

إلى الأعلى