الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مـن ينابيـع القـرآن

مـن ينابيـع القـرآن

(أم لهـم إلـه غـير الله سـبحان الله عـما يشـركـون)
إن الناس حـبب إليهـم ضـرب الأمـثـال ، لتـقـريب المعـنى للـسامع ، والله كـثيرا ما يضـرب الأمـثـال في كـتابه العـزيـز ، ومـن ذلك قـوله تعالى : { مثـل الـذين يـنفـقـون أمـوالهـم في سـبيـل الله كـمثـل حـبة أنـبـتـت سـبع سـنابـل في كـل سـنـبلة مـائة حـبة ، والله يـضاعـف لـمـن يـشاء والله واسـع عـليـم }سـورة الـبـقـرة 261، وقال : { ألـم تـر كـيـف ضـرب الله مـثـلا كـلمة طـيبة كشـجـرة طـيبة أصـلها ثابت وفـرعـها في السماء ، تـؤتي أكـلها كل حـين بإذن ربـها ويضـرب الله الأمـثـال للناس لعـلهـم يـتـذكـرون } سـورة إبـراهـيـم 24/25 .
والرسـول محمـد صلى الله عـليه وسـلم ، كان كـثيرا ما يضـرب الأمـثـال لـيقـرب المـعـنى إلى السـامـع ومـنه قـوله : { لــو أن نهـر ا بـباب أحـدكـم يـغـتسـل فـيه كل يـوم خـمس مـرات أيبـقى مـن درنه شيء ) قالوا : لا يا رسـول الله ، قال : كـذلكـم الصـلـوات الخـمس ) .
وكـتب الأدب مـشحـونـة بالأمـثـال ، لـعـل أوسـع كـتاب ألـف في هـذا الباب هـو كـتاب مجـمـع الأمثـال للمـيـداني .
ويـقـول عـامـة الناس : ( الكاتـبة كاتبـة ) ، ويـقـولـون : ( الكاتبة في الجـبـين لا تمـحـوها الـيـدين ) ، ويـقـول المـؤمـنـون : ( لـكل شـيء واقـع : وقـع قـضاء وقـدرا ) ، أو هـذا شيء مـكـتـوب ، والقـضاء : هـو حـكـم الله في الأزل ، والـقـدر هـو تنـفـيـذ ما قـضاه الله في الأزل في عـين الـواقـع ، فـما مـن شيء يـقـع في السـماوات والأرض ، إلا والله تعالى قـد قـضاه في أزله وحــكـم به في كـتابه، وإذا جـاء وقـته يجـيء ، فخـروج الأشـياء إلى الظـاهـر هـذا هـو المعـبـر عـنه بالـتـقـديـر .
فـنحـن مـثـلا لا نعـلم مـتى ينـزل المـطـر، ومـتى يحـتـمـل السـيـل، ومتى تهـب العـواصف ولـكـنها عـنـد الله مـقـضية في أزلـه، أي مـكـتـوبة في أزلـه، وهـذا هـو مـعـنى الكـتابة، ولهـذا عـبر الله تعالى عـنه بـقـوله : { أم عـنـدهـم الغـيـب فهـم يـكـتـبـون }، يعـني أعـنـدهـم عـلم الله فهـم يحـكـمـون كـما يشـاؤون ، يـقـضـون ويـقــدرون حـتى يخـتاروا مـن الخـلـق ما يـليـق بالـرسـالة، ويـقـولـون : هـذا رجـل يصـلح للـرسالة ، وهـذا لا يصـلح ، ولماذا أنـزل الله الـقـرآن عـلى محـمـد ولم يـنـزل عـلى رجـل مـن الـقـريـتين عـظـيـم ؟، وقـولهـم : { شـاعـر نـتـربـص به ريـب المـنـون } سـورة الطـور 3. ، ومـرادهـم بهـذا أن محـمـدا شـاعـر سـيـمـوت كـما مـات الشـعـراء قـبله ، وبـمـوته ينتهي دينه وقـرآنه وما يـدعـو إليه ، ويخـلـو لنا الجـو .
هـذا هـو مـرادهـم ممـن الـتربـص، وليـس تـربصهـم لشخـصه وحـده ، لأن محـمـدا لم يقـلقهـم وجـوده بينهـم ، وإنما الـذي أقـلقهـم قـوله : إني رسـول الله إلـيـكـم يـوحى إلي ، وإني نــذيـر لـكـم بـين يـدي عـذاب شـديـد ، لـقـد أقـلـقـهـم رسالته ودعـوته ودينـه الـذي جـاء به ، والـذي يـرون فـيه القـضاء عـلى أسـاطـيرهـم وتـقاليـدهـم ، وعـلى زعـاماتهـم وسـلطاتهم التي يسـيطـرون بها عـلى العـامـة والـدهـماء مـن الناس، فهـم يتمـنـون مـوت محمـد ظـاهـرا لـذلك ولـكـنهـم في الحـقـيقـة يـتمـنـون زوال نعـمـته والقـضـاء عـلى دينه .
ولـكـن ما يـدريـكـم يا هـؤلاء أن ينـزل ريـب المنـون عـليـكـم قـبـل أن يـنـزل عـليه فـيقضي عـليـكم فـتمـوتـون قـبـلـه ويخـلـوا له جـو مـكـة ؟ ، وما يـدريـكـم أن عـمـره سـيطـول حـتى ينتصـر دينه وتعـلـو كلـمة الله، ويـؤسس الـدولة الإسـلامـية عـلى الـدين والصـراط المسـتقـيـم ، وفـعـلا هـذا الـذي قـضاه الله وحـصـل ، فـقـامـت الـدولة الإسـلامية عـلى العـدل والتقـوى ورضـوان مـن الله ، وهـا هي لا تـزال قـائـمة عـلى مـدى أكـثر مـن أربـعـة عـشر قـرنا ، ولـن تـزال باقـية إلى أن يـرث الله الأرض ومـن عـليها ؟ .
إذن : لـقــد كان الله تعالى يتهـكـم بهـم عـنـدما قال : { أم عـنـدهـم الغـيب فـهـم يـكـتـبـون } ؟ وهـذا يشـمـل كل ما يـقـولـونه ، مـن كـون هـذا الـذي جـاء به محـمـد هـو سـحـر وشـعـر وكـهانة وأسـاطـير الأولـين ، وأن محـمـدا أبـتـر وسـيـمـوت وينـقـطـع نـسلـه .
قال الله تعالى : { أم يـريـدون كـيـدا فالـذين كـفـروا هـم المـكـيـدون } سـورة الطـور 42، الـكـيـد هـو المـكـر الشـديـد ، يـعـني : أم أنه لما تقـطـعـت بهـم الأسـبـاب ، ولـم يـعـد عـنـدهـم عـذر يتـعـلـقـون به ، تـوجهـوا إلى الكـيـد بالنبي صـلى الله عـليه وسـلم الـذي هـو في عـصـمة الله وبـرعـايته كـما قال الله تعالى : { واصـبر لحـكـم ربـك فإنـك فأعـيـننا } سـورة الطـور48 .
قال تعالى : { فالـذين كـفـروا هـم المـكيـدون }، إذا أردتم الـكـيـد فانتظـروا فالـذين كـفـروا هـم المـكـيـدون ، لأنه ليس لهـم عــذر فـيـعـتـذرون ولا لهـم حـق فـيأخـذونه ، وإنما يـريـدون المـكـرم بالنبي صلى الله عـليه وسـلم فـقـط ، فـتـربـصوا أيها الـكـفار، فـمـكـركـم سـيـعـود عـليـكـم خـزيا وعـارا، ومهـانة ودمـارا ، وهـذا مـن باب قـوله تعالى : { ومـكـروا ومـكـر الله والله خـير الماكـرين } سـورة آل عـمـران 54 .
قال الله تعالى : { أم لهـم إلـه غـير الله سـبحان الله عـما يشـركـون } سـورة الطـور43، أم لهـؤلاء الـذين طـغـوا كل هـذا الـطـغـيان، وعـصـوا كـل هـذا العـصـيان وارتكـبـوا كل هـذه الحـماقات ، وجـاؤوا بـكل هـذه الـسخـافات، وهـم يـعـدون أنفـسهـم ذوي أحـلام راجحة، ولـكـن أين عـقـولهـم لتـمنـعـهـم مـن تصـرفـاتهم الجـنـونـية ، أم لهـم إله غـير الله يـعـتـمـدون عـليه لـيجـيـرهـم مـن عـذاب الله ، أو يـرد عـنهـم كـيـد الله ؟.
وعـلى ما ذا يـعـتـمـد هـؤلاء حـتى يـقـولـوا : نحـن نـرتكـب ما نشاء ، ونـفـعـل ما نشـاء، فـلنا مـن إله غـير إله محمـد، ويـرد عـنا كـيـده ؟ ، أهـذا هـو قـول العـقـلاء .انـظـروا إلى تـلك الـروعـة في قـوله تعالى : { أم لهـم إله غـير الله } ؟ ، كأن الله تعالى يـقـول : لا يـمـكـن أن يـقـدر عـلى هــذا الكـفـر ، ويـأتي هـذه المـنا كـر إلا مـن كان يـعـتـمـد عـلى إله غــير الله يـلتجـيء إليه لـيجـيره مـن عـذاب الله فهـيهات هـيهات .
قال تعالى : { سـبحان الله عـما يشـركـون }، تعالى الله أن يـوجـد إله غـيـره أو أن يـشاركه أحـد في مـلكـه ، فـتأمـل أيها القاري الـكـريـم جـيـدا هـذه التـساؤلات العـجـيـبة ، فإن مـن قـراها وتـدبـرها ، وأمـعـن النـظـر فـيها تـقـوى الإيـمان في قـلـبه ورسـخ، وبـلـغ درجـة الـيقـين، وتـرك السـخافات والحـماقات وابـتـعــد عـن سـفاسـف الأمـور، سـواء أتعـلـقـت بالعـقـيـدة ، كما هـو عـنـد المشـركـين ، أم تعـلقـت بالسـلـوك كـما هي حـال الــذين يـدعـون الإسـلام بألسـنتهـم، ويـقـولـون آمنا بأفـواههـم ولـم تـؤمـن قـلـوبهـم ، فهـم إذن : لم يضـمـروا الشـرك كحـال المـنـافـقـين، ولـكـن الإيـمان لـم يـستـقـر في قـلـوبهـم، ولـم يـبلغ درجـة اليـقـين حـتى تعـمـل جـوارحهـم بمـقـتضاه ، ولهـذا يـعـبر الله تعالى بالـيقـين ، و لاسـيما فـيما يتعـلـق بأمـر الآخـرة كـما قال الله تعالى : { وبالآخـرة هـم يـوقـنـون } سـورة البقـرة 4 ، ولأمـر ما لـم يـقـل : وبالآخـرة هـم يـؤمـنـون ، لأن أكـثر الناس يـؤمـن بالآخـرة ، ولـكـن أعـمالهـم ليسـت أعـمال مـن يـوقــن بها .
وكـما قال الشـيخ أبـو نـصر رحـمه الله :
نـرى الأمـر عـن عـلم اليـقـين تـيـقـنا ونعـمـل أعـمال الـذي شـك في الأمـر
قال الله تعالى : { وإن يـروا كـسـفـا مـن السـماء سـاقـطا يـقـولـوا سـحـاب مـركـوم } سـورة الطـورة 44، وفي هـذا التعـبـير فـوائـد وأغـراض ومـقاصـد عـظـيمـة ، لـقـد جـاء هـذا التعـبير مـن الله تعالى لأن الـكافـرين قالوا في مـعـرض اقـتراحهـم الآيات عـلى النبي صلى الله عـليه وسـلم عـلى سـبيـل التحـدي قال تعالى : { وقالـوا : لـن نـؤمـن لك حـتى تـفجـر مـن الأرض ينـبوعـا أو تـكـون لـك جـنـة مـن نخـيـل وعـنـب فـتـفجـر الأنهـار خـلالها تفـجـيرا.أو تسـقـط السـماء كـما زعـمت عـلينا كـسـفا، أو تأتي بالله والمـلائكـة قـبيـلا أو يـكـون لـك بـيـت مـن زخـرف أو تـرقى في السـماء ولـن نـؤمـن لـك حـتى تنـزل عـلينا كـتابا نـقـرؤه ، قـل سـبحان ربي هـل كـنـت إلا بـشـرا رسـولا } سـورة الإسـراء 9./93، ذلك أسـلـوبهـم في التحـدي والتعـنـت .
والكـسف : هـي القـطـع ، يعـني لـو رأوا قـطـعـة مـن العـذاب سـاقـطـة مـن السماء لقالـوا سـحـاب مـركـوم ، يعـني سـينـزل عـلينا مطـرا غـزيـرا .
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى