الثلاثاء 19 يونيو 2018 م - ٥ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / شرفة الهلال رمضان في يومه الأخير

شرفة الهلال رمضان في يومه الأخير

تشكل النهايات في المواسم العبادية المقدسة (شهر رمضان نموذجا)، على مستوى المجتمع العماني القديم، نوعا من المشهدية العادية، من خلال مقايستنا إياه مع الزمن الحاضر الذي نحن فيه، ولكنه – من حيث انتمائيته إلى مرحلته – سنجده غير عادي، من واقع تعاطي الناس معه، ومن خلاله ارتهانهم إلى تفاصيله.
واقع أن رمضان يعبر زمنه المقدر بتسعة وعشرين يوما، أو المُتَمَّم بثلاثين يوما، بِسِمات خاصة مختلفة ذات تعايش روحاني ملموس، ونمط اجتماعي وسلوكي موحد، وانسجام مع طقوس يومية يلتزم بها الجميع سرا وعلانية، يجعلنا أمام سؤال الكيفية الوجدانية التي من خلالها يخرجون من نمط ليدخلوا في نمط جديد، وفي الوقت ذاته هو استعادة لما قبل الزمن المقدس ذاته، تماما كما كان الدخول من نمط متكرر إلى آخر مختلف منذ اليوم الأول لهلول الهلال؛ ولأننا لم نعتد هذا النوع من المقاربات في المجتمع العماني، باستثناء انتظار العيد بعد شهر مقدس من الصوم، تبقى الشخصية العمانية القديمة خارج منظومة السؤال الطبيعي حول ما كانته، وحول التحول الذي صارت إليه، في التعاطي مع ما يعنيه الدخول والخروج، والاستقبال والتوديع، والنمط الخاص مقارنة مع المعتاد.

نهار أخير
يأتي النهار الأخير، الفسحة الصيامية الأخيرة، لتضع الجميع أمام لزوم التوديع، بما يعنيه ذلك من استعدادات وجدانية متلازمة مع استقبال فرح مرتبط بالتوديع، وهو عيد الفطر، ففي الوقت الذي ستكون فيه الصلوات الخمس الأخيرة في المساجد، والإفطار الأخير في بيوت الناس وبيوت الله، والسمرات الأخيرة في ليلة لن يكون فيها استيقاظ للسحور، كل ذلك يمثل نوعا من القطع الوجداني لعادة الطقس.
ربما سيغلب الظن على أن تلك الصورة نوع من المبالغة، لكنها ليست كذلك، ففي المساجد – قبيل الإفطار الأخير – سيكررون عبارة (يلاقي الحي)، في إشارة الى انقطاع وجدانيات عميقة لها خصوصية ربما لن يدركها البعض في العام المقبل، وفي البيوت لن يكون هناك استنفار قبيل الغروب و(تطريش) الأطفال لنقل الفطور بالتبادل بين البيوت، ولن تستعد النساء منذ الظهر لتجهيز (مائدة الرحمن) المنزلية، وسينقطع رتم التزاور المسائي اليومي بين البيوت، كل هذه سيحمل هواجسها النهار الأخير، الذي سيسدل ستارة الشهر المقدس مع أول رشفة من ماء (الجحلة) أو (الحِبّ)، وأول تمرة أو رطبة بحسم موسم الشهر صيفا أو شتاء، فإن كان الزمن مقدورا فالانتظار سيكون جزءا من لهفة الجميع، وإن كان متمما فلا مناص من صباح سيجيء مختلفا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

ليلة أخيرة
تحتل الليلة الأخيرة، المهلولة بوسائل المعرفة الفلكية التقليدية، أي المعاينة البصرية المباشرة للهلال (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وفقا للنص النبوي الشريف، تحتل مساحة مهمة في السلوك الجمعي للبيئة العمانية القديمة؛ يقود إلى فهم ذلك أن حلول العيد هو المرادف لـ ما بعد الصوم، فمنذ العشر الأواخر هناك تهيئة لا محيد عنها، تقودهم إلى التعاطي مع الليلة الأخيرة، فالهبطات تعمل بجهد بحسب الأسواق المعروفة حينها، والنساء لديهن استعدادات خاصة في تجهيز الملابس للأطفال ولهن، والأطفال يدركون أن بهجة مختلفة قادمة إليهم لا محالة، استنادا إلى ما يرونه من وتقع تجهيزات لملابسهم المخضبة بالوَرْس، أو الأحزقة (مفردها الحزاق)، أو دشاديش البنات الزاهية، فضلا عن تجهيز الرجال (محازمهم وخناجرهم وتفاقتهم) لبهجة ما بعد الليلة الأخيرة.
تلك الاستعدادات واجهة سلوكية، يدرك معها الجميع أنهم على وشك توديع مقدس واستقبال طقس جديد، لذلك، فإن قدور (الصُّفُر)، ومواقد الطبخ، والـ (معاكيس) المقطوعة من سعف النخيل الأخضر، تشي بضرورات لا بد منها، والبعض الذي يقوم بذبح المواشي، ليس من أجل (العَرْسيّة) فحسب، لكن لـ (المضبي والمقلي والمالح والشوا والخَل والتّجِلْيِة/التّقِلْيِة) كذلك، وهي كلها أشكال تقطع الصلة بعابر من ناحية، وتكرم وفادته قبيل مغادرته بتلك التجهيزات من ناحية ثانية.
الجانب الملهم في تلك الليلة، هو أن الجميع يعيش تناقضات المشهد، على الأقل من الزاوية المنطقية، لكن هذا السلوك لا يتعارض مع الوجدان، الليلة الأخيرة، الذي يمنّي النفس ويعدّها لفترة مغايرة، يجعل المستوى الجمعي في حزن وفرح، من دون الشعور بتناقض داخلي بين المرحلتين، لذلك، سلك المجتمع العماني القديم مسلكا يضع فيه سِمَته الوجدانية على الرغم من تلقائيته وبساطته، بالتوازي مع إيمانه الوجداني بأنه ربما يلاقي شهره المقدس في عامه المقبل أو لا، ولذلك تكون ليلة تحمل الكثير مما يصعب شرحه وتحليله، ولكن يقبل المقاربة الوجدانية، قياسا إلى ما يعنيه رمضان للمكان وساكنيه.

وجوه وخطوات
بين نهار أخير، وليل أخير، وجوه كثيرة في المشهد، أرواح مختلفة تتعايش مع التفاصيل، مرايا ملونة تنظر إلى الأشياء بعين مختلفة عما كانت عليه في أول نهار وأول ليلة من الشهر ذاته.
تقل جلسات التمدد الطويلة عند الرجال في ذلك النهار، ويزدحم جدول النساء بالأعمال المختلفة في لهاث مع الوقت، بينما الأطفال ينتظرون الصباح الجديد ليكون مختلفا، وبقليل من التخيّل يمكن إدراك أن الوجوه مطحونة بملاحقة الوقت، إلى درجة سيكون البعض لا يراقب وقت الغروب انتظارا لموعد الإفطار، لأن الغد سيكون بالنسبة إليهم سيرة أخرى، معيشة مختلفة، وسبيلا جديدة سيكونون سالكيها.
البعض منهم سينتظر ضيوفا قادمين من أجل أن (يعيّدوا) مع أقاربهم، والبعض جاء في العشر الأواخر، والبعض رحل من مقره ليكون ضيفا على أحدهم، وكلهم من الأقارب، أما البعض فسيبقى في مكانه، يستعد كما يفعل الآخرون.
خطوات سريعة، تجهيزات تتسم بالدقة، بعد المغرب يسبق الجميع الصباح ليهنؤوا بعضهم البعض بما سيستقبلونه يوم غد، والجميع يدعو للجميع بأن يتقبل الله صيامهم. خليط من ملامح تجمع بين الفرح والحزن، فالغد بالنسبة إليهم يوم جديد لمرحلة جديدة مختلفة بامتياز.

شرفة هلال
مشهد ملفت، قبيل غروب الشمس، العيون ترقب جهة الغرب، يد واحدة يتم وضعها بشكل أفقي فوق الحاجبين، وكذلك يفعل الجميع، يرقبون القوس الباهت (الهلال) من شرفته، يستجلون ما خلف الأفق وأمامه، لا بأس إن تتدلى هدبة، ليظن الرائي أنها الهلال، ثم ما يلبث أن يغيّر الرأي الواقفون والواقفات، بعضهم لديهم بصر ثاقب، سيرى الهلال، سيهلل الجميع، ممتطين صهوات الفرح، (باكر عيد)، عبارة ستهز الأفق، وستصدح بين بيوت السعف المتناثرة؛ وربما لن يحصل أن يروا الهلال من شرفته الأفقية قبل الغروب، لذا سيعاودون الكَرْة بعد الإفطار والصلاة، وإن حيل بينهم والنظرة، سيجلسون في انتظار البشارة من خلال صوت (التفق) أو (الطارش) أو المدفع.

خاتمة
نظن أن فتح كوّة استرجاعية رمضانية للتفاصيل الصغيرة على بساطتها في البيئة العمانية القديمة، مع الإلمام بخارطة المشهد، سواء من الذاكرة أو المرويّات، تعتبر بمثابة مفاتيح لربط المراحل عبر جِسريّة الثوابت والمتغيّرات، بحيث نفهم التحولات المقارنة، وفق مقاربة تجذرنا وجدانيا بالبيئات والأزمنة الأقدم، ليس على سبيل رواية الوقائع، بل على سبيل تحليل السلوك، وفهم نمط الحياة، ودراسة المساحات المكانية بجذورها البشرية، وهو ما نظن أنه مورد ومنهل مهم ليس في السياق الاجتماعي المقارن فحسب، بل والنشاط الإبداعي كذلك.

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى