الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قضايا : يوم النهضة 23 يوليو.. ملحمة وطنية تجسد قيم الولاء والعرفان

قضايا : يوم النهضة 23 يوليو.. ملحمة وطنية تجسد قيم الولاء والعرفان

سعود بن علي الحارثي

” إن الدرب طويل ، والغاية بعيدة ، ولكننا واثقون من أن هذا الوطن الغالي يملك من المقومات الحضارية والتاريخية، ومن الآمال والتطلعات المستقبلية، ما يمكنه إن شاء الله ، من إنجاز سياساته الداخلية والخارجية التي اتضحت معالمها ، وتأكـدت ثوابتها والحمـد لله
” من الخطــاب السامــي بمناسبـــة الانعقــــاد السنــــوي لمجلــــس عُمــان 1 اكتوبر2005م ” .
ـــــــــــــ
الشعب يرسم ملحمة حب ووفاء للقائد
ما أن نشرت وسائل الإعلام المحلية خبر مغادرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم البلاد متوجهاً إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية لقضاء إجازته السنوية وإجراء بعض الفحوصات الطبية، وذلك يوم الأربعاء الماضي الموافق 9/7/2014م ، حتى ارتفعت أيدي العمانيين إلى الخالق جل شأنه ولهجت ألسنتهم بالدعاء الخالص بأن يحفظ جلالته من كل سوء وأن يشفيه من كل داء وأن يلبسه لبوس الصحة والعافية وأن يبقيه نوراً يضيئ بلاده والعالم أجمع، وأن يعيده إلى وطنه وشعبه سالماً معافاً ليواصل مسيرة التطور والبناء ويحقق المزيد من الانجازات والمكتسبات الوطنية، ويعزز دعائم السلام والاستقرار. وطرحت عبر وسائل التواصل وتم تداول مئات الصور ومقاطع الفيديو لجلالة القائد, المعبرة عن مشاعر الحب والولاء والتقدير التي يحظى بها سلطان البلاد ـ حفظه الله ـ في قلوب شعبه, وواصل المواطنون تقديم الآراء وإعداد البرامج وصياغة الكلمات لتوحيد الدعاء والتعبير الصادق عن الافتقاد والاستعداد المبكر لاستقبال القائد حين عودته إلى عمان …. في تلك المشاهد الرائعة نستخلص جملة من القراءات المبشرة والرائعة, التي تدعونا إلى التفاؤل بالواقع العماني، من أهمها :
التأكيد على الاجماع الوطني الذي يحظى به جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، والحب العميق الذي يكنه أبناء الوطن الأوفياء لقائدهم وسلطانهم الكبير . والشعور العميق بما يمثله وجوده – حفظه الله – من رمزية ومكانة في تعزيز الوحدة الوطنية وحمايتها من أي خطر يتهددها أويسعى للمس بها.
الاعتراف بالجميل وتجسيد قيم الوفاء والاخلاص والتعبير عن عمق الارتباط بين القائد وشعبه, والذي جاء كنتاج طبيعي لحكمة السلطان ـ حفظه الله ـ وسياساته المتوازنة وما قدمه للوطن والشعب من إنجازات كبيرة ومكتسبات وطنية فاقت التوقعات والتطلعات.
وعي المواطن وادراكه لأهمية التلاحم والتآزر وتعزيز قيم المواطنة وأثرها في تحقيق مصالح الوطن, والتأكيد على كل ما تحقق من إنجازات ومكتسبات, والحرص على حمايتها والحفاظ عليها من العبث والفساد, وهي غايات لن تتحقق إلاّ بالالتفاف والسير خلف القائد رمز الوطن الذي أفنى عمره في خدمته وفي تحقيق تطلعات شعبه.
لما يمثله صاحب الجلالة من صمام أمان وما يتميز به من قدرات قيادية فذة أفصحت عنها عبقرية سيرته وأفعاله وعلاقاته ونتائجها المتميزة على أرض الواقع, وهو ما تعبر عنه هذه اللوحة من الحب والوفاء والإخلاص والاحترام التي أفصحت عنها كتلة المشاعر الإنسانية العمانية التي لم تكن يوماً بغريبة على المواطن العماني الذي خبر الوفاء وأتقنه وسار على نهجه، وفاء لم يكن يوماً بحاجة إلى أن يظهر إلى العلن وإلى تعبير صاخب يملأ أرجاء الدنيا لولا الطفرة التقنية والتقدم التكنولوجي ووسائل التواصل التي أحدثت هذه القفزة الهائلة في بث ونشر وإعلان ما تخفيه النفوس من مشاعر ومكنونات, كان العماني طوال العقود الماضية من عمر النهضة يمارسها بأشكال وصور مختلفة ، وما الدعاء الخالص للقائد إلاَّ واحدة من تلك الصور الواسعة.
تعبير أصيل عن عمق العلاقة بين قائد سخر وقته وأفنى معظم حياته في خدمة وطنه وتحقيق تطلعات أبناء هذا الوطن والحرص على توفير سبل الراحة والازدهار وتأسيس وتعزيز وتعظيم البناء والتنمية والرخاء، وبين شعب وفي لهذا القائد، والذي ينتهز الفرص ويوظف المناسبات المختلفة لتجديد البيعة والعهد وتعميق قيم الولاء والوفاء والعرفان في صور وأشكال متعددة كما أشرنا إلى ذلك.
التأكيد على مواقف جلالته الكثيرة في الانتصار لتطلعات شعبه والوقوف مع المطالب المشروعة لأبناء المجتمع والتي عبرت عنها المراسيم والأوامر والتعليمات والتوجيهات السامية التي لم تتوقف عبر العقود الماضية من عمر النهضة المباركة, ولن تكون التوجيهات السامية بتأجيل تطبيق قرار الهيئة العامة لحماية المستهلك الصادر بتاريخ 15/6/2014م , حول حظر رفع أسعار بعض السلع الأساسية , لحين تطبيق القوانين الاقتصادية المرتبطة بتنظيم السوق “قانون حماية المستهلك وقانون الوكالات التجارية وقانون المنافسة ومنع الاحتكار” آخرها دون شك.
رسالة واضحة ومعبرة وجهها العمانيون إلى دول العالم وشعوبه تتضمن ثوابت العلاقة بين الحاكم والمحكوم, ومقدار التفاعل والتوافق والاحترام التي تقوم عليها هذه العلاقة, والتي تجسد عبقرية القيادة عندما تنتصر لإرادة شعوبها فتتمكن من أن تكسب القلوب والعقول, رسالة تؤكد على القيم الحقيقية للحكم ومناهجه السليمة, إنها الديمقراطية الأصيلة يعبر عنها المواطن في عفوية وبساطة وفق أساليب وممارسات حملت تلك الدلالات والمعاني التي استعرضناها تباعا .
دلالات ومعاني الاحتفائية بالمناسبات:
ترمز المناسبة في حقيقتها عن يوم تاريخي بهي، وتعبر عن تحول مشرق أضاء سماء منطقة من مناطق العالم أو قطر من أقطار المعمورة وأحدث تغييرا إيجابيا لا ينسى في حياة وطن أو مجتمع كان في أشد الحاجة إلى هذا التغيير الذي عاش طويلا بأمل حدوثه، وترتبط المناسبة في طقوسها وأنشطتها وفعالياتها ارتباطا وثيقا باليوم الذي شهد ميلاد ذلك التحول المشرق من الشهر ذاته الذي يطل على العالم مرة في كل عام، هذا التحول الذي غير وجه الحياة من حال اتسم بالركود أو الضعف أو الهزيمة أو التخلف أو الانغلاق .. إلى حال آخر ووجه جديد انتقلت فيه الأمة إلى واقع النصر أو الانفتاح أو التجديد أو التطور الشامل أو كل ذلك هو المقياس الذي يحدد أهمية المناسبة ويعكس مكانتها وقيمتها في نفوس البشر الذين تعنيهم، فالمنجز المشاهد بالعين المجردة يبقى حجة لا يمكن تجاوزه ودليلا أصيلا على الآثار والنتائج المفيدة والطيبة الذي أحدثته المناسبة على الأرض وعلى الإنسان وبحيث يبقى التشكيك فيها من المساعي التي تتضمن أهدافا ومآرب لا ينبغي الالتفات إليها، من هذا المنطلق جعلت الأمم من أيامها التي شكلت نقطة انطلاق لتغييرات وتحولات جوهرية أعيادا تحتفل فيها ومناسبات طيبة للتجديد والتخطيط والتقييم وتعزيز الشعور بالامتنان للمناسبة ومن قاد التغيير وأحدث التحول الإيجابي المنتظر والمطلوب، فالإحساس بالمناسبة لوحده كفيل بأن يعزز في النفس الشعور بالسعادة والأمل المشرق والطمأنينة والرغبة في المساهمة والمشاركة في الإحتفاء.
ويوم الثالث والعشرين المجيد ـ يوم النهضة العمانية هو يوم التحول الكبير في حياة العمانيين هو يوم ليس كالأيام الأخر في معانيه ودلالاته العميقة من حيث النتائج والآثار الكبيرة، هو ذكرى خالدة لحـــدث سعيد سجله التـاريــخ العماني في ذلك اليوم قبل أربع وأربعيــن عاما، حيث هدف إلى ((بناء المستقبل المزدهر السعيد المنشود لهذا الوطن)) كما جاء في أول خطاب لقائد هذا الحدث صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى الذي وعد فأوفى وقال فصدق ورسم أهداف التنمية وشكل البناء فتحقق ما رسمه وخطط له بيديه الكريمتين ، فكان ذلك البناء وتلك التنمية والتطور الواسع وكما تبرزه المؤشرات والأرقام والبيانات وتؤكده الحقائق والمشاهد على الأرض قد فاق المتخيل الذي رسمته العقول قبل أربع وأربعين عاما ، هو يوم يعبر عن الصدق وعن الوفاء والإخلاص والتقدير والامتنان والولاء لباني نهضة عمان الحديثة قائد المسيرة ومهندسها الذي حقق الازدهار لعمان والسعادة لشعبها بتجديد الاحتفالات ورفع وتبادل التهاني والتبريكات والمشاركة في الاحتفاء بالمناسبة والمساهمة في طقوسها وبرامجها وأنشطتها المتعددة وفي الابتهاج بها والتجديد في مضامينها، هو يوم وطني شاهد على حجم الانجازات والمكتسبات التي تحققت على أرض عمان تجرى فيه المقارنات وتنشر المؤشرات وتطرح الرؤى والأفكار التي تهدف إلى التعريف بالمنجز وتوعية المجتمع بالأخذ بالأسباب والوسائل الناجعة للحفاظ على المكتسبات التي تحققت باعتبارها مكاسب عامة تخدم كل فرد من أفراد المجتمع والتفريط في جزء منها هو في المقابل تفريط بمصالح هذا المجتمع وبمصالح الوطن، هو يوم عماني بامتياز يجمع شرائح وأطياف المجتمع على وحدة الكلمة ووحدة الرأي ووحدة المقصد وعلى وحدة المصالح في عموميتها وشموليتها وتنمية الشعور بالمواطنة والدعوة للمساهمة والمشاركة في البناء وفي طرح الأفكار والرؤى المفضية إلى المزيد من التطوير والإصلاح والتصحيح والتجويد … معاني المناسبة عميقة ودلالات الاحتفاء متشعبة وعلينا أن نقرأ مضامينها قراءة سليمة خالية من العلل والأسقام، ففي ذلك ضمان للمصالح العامة في شموليتها وفي عموميتها.
والتعريف بالمناسبة التي نحن بصددها يتمثل في العناصر التالية:
المكــــان: أرض عمان الطيبة بإرثها الحضاري والتاريخي.
الزمــــان : 23 يوليو 1970م .
المناسبة: بزوغ فجر جديد حملت سحائبه بشائر الخير والبركة والنماء والخصب فعمت أمطار الرحمة السهول والجبال، المدن والقرى، الصحارى والحقول.
القائد ( البطل): جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم.
الهـــدف : (( بناء المستقبل المزدهر السعيد المنشود لهذا الوطن )) كما جاء في أول خطاب للقائد بمناسبة الوصول إلى مسقط لأول مرة بعد تولي جلالته مقاليد الحكم.
الواقع قبل الاشراقة : تخلف وبؤس، افتقار إلى البنية التحتية الضرورية للحياة العصرية (التعليم،الخدمات الصحية والكهرباء والطرق وغيرها)، فلم تكن توجد في البلاد سوى ثلاث مدارس.
النتائج التي تحققت بعد الإشراقة: تحديد الأهداف والغايات التي تمحورت في بناء الإنسان وتحقيق الرفاهية والازدهار والرخاء، تأسيس وتنفيذ مشاريع كبيرة، اكتمال البنية التحتية، بناء أسس الحياة العصرية ، تنفيذ برامج للإصلاح السياسي والاجتماعي ، ترسيخ مبادئ وقيم الشورى، تحققت نعمة الأمن والاستقرار والرفاه والعيش الكريم التي ينعم بوارف ظلالها المواطن العماني .. والتي سنستعرضها تباعا في محاور قادمة.
واليوم في عصر القرية الكونية والسماء المفتوحة يحلق العماني شرقا وغربا شمالا وجنوبا عبر الانتقال المباشر من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، أو هو في بلده قارئا متابعا مستوضحا عبر وسائل شتى (( صحافة، تلفاز، انترنت علاقات واتصالات ولقاءات مباشرة … )) ، فيخرج من قراءته ومن رؤيته ومن تحليله وهو أعمق إيمانا بنجاح السياسة التي تسير عليها بلاده بفضل قائدها المحنك راسم هذه السياسة القائمة على التوازن في بناء وتعميق وترسيخ العلاقات مع المجتمعات والحكومات الأخرى في العالم، وعلى الوضوح وعلى الاحترام المتبادل وتبادل الخبرات وعدم التدخل في شئون الآخر, والعمل بصدق وإخلاص على تسوية الأسباب المفضية إلى الخلافات والنزاعات، ويخرج العماني من مقارناته وهو أكثر رسوخا وقناعة بحجم الإنجازات التي تحققت على أرضه مثمنا الجهود الكبيرة والزمن القياسي والعمل المضاعف الذي قامت وسارت عليه عجلة التنمية والبناء ، الأمر الذي أدى إلى مضاعفة النتائج وعظم المشاريع التي شملت ربوع البلاد متغلبة على كل التحديات الطبيعية والجغرافية والاقتصادية والبشرية … ويخرج وقد خلصت نفسه من كل الشوائب وتضاعف امتنانه لهذا اليوم يوم المناسبة وكان حبه لقائد البلاد ـ حفظه الله ـ حبا يقوم على الصدق وعلى مشاعر الود والامتنان. وأينما انتقل العماني، بهدف البحث أو الاستمتاع بالمقومات السياحية التي تحظى بها بلاده أو زائرا أو مكتشفا جغرافية عمان، وفي عمق السهول والجبال والمدن والقرى والتجمعات البشرية الصغيرة، يكتشف أن يد النهضة المباركة قد امتدت إلى أعماق الأعماق وعجلة التنمية تتحرك على أكثر من صعيد وفي أكثر من موقع، بناء وعمل وعطاء وإنجاز، سرعة وحركة وتمدد وتطور ، طرق مسفلتة، مدارس، مستشفيات، منشآت متعددة الأغراض والأهداف ، مشاريع صناعية وتجارية وسياحية … كلها تهدف إلى الارتقاء والتطوير والتحديث وإلى بناء أسس الحياة العصرية وتحقيق الاستقرار والرفاه والحياة الكريمة للمواطن العماني أينما كان.
هذا العمل المتواصل وهذه الإنجازات الكبيرة وهذه الحركة المتواصلة التي لم تعرف الكلل ولم يداخلها الملل لن تكون بمعزل عن الأخطاء ولن تجافيها العيوب ولن تكون المشاكل والتحديات بعيدة عن طريقها لأنها أعمال كبيرة والأعمال الكبيرة لا يكتمل بناؤها وهي خلو من الأخطاء، ويشرف ويقوم عليها كادر بشري والبشر مجبولون على الأخطاء والنسيان، وترتبط ارتباطا مباشرا بالبيئة المحيطة من طبيعة جغرافية ومقومات طبيعية وعوامل اقتصادية وظروف سياسية ومتغيرات عالمية وإقليمية وهي مؤثرات لن نكون بمعزل عنها نتأثر بها سلبا وإيجابا ونؤثر في المقابل فيها … وهذا التحديث والتبدل الذي طرأ على أسلوب العيش وعلى نمط السلوك وعلى منهج التفكير والذي يأتي انعكاسا طبيعيا لما تشهده البلاد من طفرة في مختلف مناحي الحياة جميعها تحديات تتطلب تفعيلا لوسائل وأدوات الحوار وترسيخا لثقافة النقد البناء والتقييم الموضوعي وارتقاء بمنهج الشفافية والإفصاح في التعاملات وفي مناقشة الموضوعات ومعالجتها، من هذا المنطلق يعطي قائد البلاد ـ حفظه الله ـ هذا الاهتمام وهذا الزخم لبناء دولة المؤسسات وترسيخ مبدأ الشورى وتشجيع المواطن على المشاركة والمساهمة في إبداء الرأي النافع القادر على التحليل والتشخيص والتقييم والمعالجة، وفي هذا اليوم بالذات ونحن نحتفي بهذه المناسبة علينا أن ندرك حجم المسئولية واستحقاقات المرحلة القادمة.
انجازات ومكتسبات النهضة العمانية:
لقد قامت فلسفة النهضة العمانية على بناء الإنسان والنهوض بطاقاته وامكاناته وتطوير وتعزيز مهاراته ومعارفه وتمكينه من الإسهام في بناء وطنه والقدرة على اتخاذ القرارات ومعالجة المشكلات، وتحقيق الرخاء والازدهار في مختلف مناحي الحياة، والحرص على مواصلة البناء وإقامة المشاريع العملاقة وتسخير وتطويع الطاقات واستثمار الثروات التي من شأنها دعم القطاعات المختلفة وتوفير فرص العمل وانعاش وتنشيط المناطق السياحية والتجارية والأسواق في المحافظات والولايات العمانية وجذب الاستثمارات وتعزيز البنية التحتية في الطرق التي رصد لها ما يزيد عن ثلاثة مليارات في الأعوام من ( 2011 – 2015 ) , والمدارس والمستشفيات والجامعات وقطاع الاتصالات والخدمات الأخرى, وتعظيم الدخول والحقوق ليتمكن العماني من العيش بكرامة .. وقد أخذت المضامين والمحاور التي صاغت ورسمت أهداف النهضة العمانية في حساباتها تحقيق مطالب واحتياجات المواطن العماني ، والتجاوب مع تطلعاته وطموحاته وفقاً للإمكانات، وجاءت التوجيهات السامية مع كل مناسبة لتعزيز وتعضيد تلك الغايات والأهداف الكبيرة. ففي القطاعين التعليمي والصحي واللذان كانت لهما الأولوية الأولى في خطط الحكومة وبرامجها ركزت التنمية على بناء المدارس والمستشفيات والكليات والمؤسسات المتخصصة التي تقدم خدماتها المتميزة للمجتمع في كل ربـوع عمان جبالها وقراها وأوديتها ومدنها وتجمعاتها السكنية، وأعدت السياسات والبرامج والنظم الحديثة وسخرت الامكانات والجهود التي من شأنها تحقيق التقدم والتطور في هذين المجالين بما في ذلك تطبيق أحدث النظم التقنية التي تيسر على المواطن وتحفظ له حقه وتحقق درجة مقبولة من رضاه وتعده للمستقبل وهو يتمتع بالصحة والتعليم والقدرة على العطاء والتطوير. فعلى مستوى التعليم وإلى جانب عدد المدارس التي بلغت في العام 2012 / 2013م , ( 1043 ) مدرسة تعلم ما عدده 5160927 طالب وطالبة، والكليات التي وصل عددها إلى ثلاثة عشرة كلية واثنا عشر معهدا، وجامعة السلطان قابوس التي تستقبل بضعة الآف من الطلبة سنويا يتوزعون على مختلف التخصصات العلمية والإنسانية والاستمرار في تقييم وتطوير السياسات والنظم والبرامج التعليمية وتحديثها والأخذ بأفضل تجارب العالم في مجال التعليم, جاءت التوجيهات السامية بإنشاء جامعة حكومية تقوم على أسس مدروسة تركز على التخصصات العلمية وتكليف مجلس الوزراء بإعداد ما يلزم من دراسة في هذا الشأن, وهو مشروع هام وحيوي ويستدعي الإسراع في تنفيذه استجابة للتوجيهات السامية, وتخصيص مائة مليون ريال لبرنامج تنمية الموارد البشرية خلال الخطة الخمسية الثامنة, موجهة لألف منحة خارجية للدراسات العليا والتخصصية في المجالات التي تحتاجها الدولة, وزيادة المخصصات الشهرية المالية لطلاب وطالبات جامعة السلطان قابوس والكليات والمعاهد الحكومية, والتوسع في فضاء التعليم العالي المجاني من خلال سياسة الابتعاث إلى الخارج بأكبر عدد ممكن وإنشاء معاهد ومؤسسات تعليمية جديدة تضاف إلى سابقاتها متمكنة مدعمة بالمختبرات العلمية والوسائل الحديثة والإمكانات الثمينة المتخصصة، تحقيقا لتلك السياسة الحكيمة المدركة لقيمة ومكانة العلم في صناعة المستقبل والارتقاء بالإنسان وأهمية دعم الطلاب . وكذلك هو الحال في المجال الصحي حيث تعد الخطط وتوضع الأسس لإنشاء مدينة السلطان قابوس الطبية في منطقة الفليج بمحافظة مسقط والتي تبرز دور الحكومة في تطوير هذا القطاع والارتقاء بخدماته , وسوف يسهم هذا المشروع الكبير في تعزيز وتطوير الخدمات الصحية لتشمل مظلتها جميع المواطنين , إن المنظومة الصحية في السلطنة تتكون حاليا من عدد (65) مستشفى منها (50) مستشفى تابعاً لوزارة الصحة، و (5) مستشفيات تابعة لجهات حكومية أخرى وعدد (10) مستشفيات للقطاع الخاص . وتدير الوزارة أيضاً (162) مركزاً صحياً و (24) مجمعاً صحياً ، مع وجود (46) مستوصفاً وعيادة تابعة لجهات حكومية غير وزارة الصحة تقدم خدمات طبية أساسية للعاملين بها وأسرهم، ذلك إلى جانب المؤسسات التابعة للقطاع الخاص , وفيما يتعلق بالمؤشرات الصحية التي يقاس بها مستوى التنمية الصحية فيرتبط بمؤشر ارتفاع توقع الحيـاة عند الولادة , وقد وصل إلى ( 74,5 ) في السلطنة بالنسبة للذكور , و ( 78 ) بالنسبة للإناث , مقارنة ب ( 70.8 ) و ( 76 ) خلال عام 2010 م , مع انخفاض معدل الوفيـات الخام إلى (2,9) لكل 1000 من السكان . كذلك انخفض معدل وفيات الأطفال الرضع إلى (3,5 ) لكل 1000 مولود حي ، ومعدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة إلى (12,3) لكل 1000 مولود حي . ويعني ذلك انخفاضاً في هذين المعدلين بحوالي الثلثين مقارنة بمؤشرات عام 1990م.
وفيما يتعلق بالعمل على تيسير حياة الإنسان العماني والتخفيف من أعباء ومشاق الحياة ومن غلاء المعيشة والتركيز على البعد الاجتماعي في التنمية فقد حملت الأوامر السامية لجلالته ـ حفظه الله ـ جملة من المكاسب والامتيازات تمثلت في الآتي: توفير وتقديم منح تدريبية مجانية للباحثين عن عمل وتهيئتهم للدخول لسوق العمل واعدادهم للوظيفة أوالمهنة, العمل على مواصلة التوظيف وتوفير فرص مناسبة للباحثين عنه في مختلف القطاعات والعمل باستمرار على مراجعة وتطوير سياسات التوظيف وفقا للمستجدات. وتعزيزاً للمنجزات والمكتسبات الشاملة فقد صدرت الأوامر السامية بتوحيد جداول الدرجات والرواتب والامتيازات التقاعدية لموظفي القطاع المدني بوحداته وهيئاته ومؤسساته ، والتي لاقت ارتياحاً في أوساط المجتمع بمختلف فئاته وشرائحه ، انطلاقاً من الغايات والأهداف الإنسانية الكبيرة والأبعاد والدلالات العميقة التي حملتها والتي انعكست آثارها الايجابية اجتماعياً واقتصادياً وإدارياً على مختلف القطاعات ، هذا فضلاً عن نتائجها الطيبة على بيئة العمل استقراراً وحافزاً على الارتقاء بالأداء وبذل المزيد من الجهد لدفع عجلة الإنتاج إلى الإمام تحقيقاً لتلك الغايات والأهداف, وفي اطار التطوير الإداري والارتقاء ببيئة العمل تم تشكيل أكثر من لجنة لدراسة وإعداد لائحة متكاملة لشئون الموظفين تخص جميع موظفي مؤسسات الدولة, وقانون موحد للتقاعد, وتحديد وتوحيد علاوات طبيعة العمل, للوفاء بمتطلبات المرحلة وتحقيق العدالة وتعزيز جوانب التطوير الشامل .. وفي اطار سلسلة الاجراءات الإصلاحية والتطويرية, والحرص على تحقيق مصالح المواطن فقد تم سابقا رفع المعاشـات الشهرية المقـررة للأسـر المستفيـدة من أحكام قانون الضمـان الاجتماعـي بنسبـة 100% . واستحداث علاوة غلاء معيشة لتعزيز مخصصات جميع العاملين في الأجهزة العسكرية والأمنية وجميع الوحدات الحكومية بما فيها تلك التي لا تخضع لنظام الخدمة المدنية على أن تحصل الفئات الأقل دخلا النسبة الأكبر من العلاوة. وتخصيص مائتي مليون ريال لبرنامج المساعدات السكنية على مدى خمس سنوات حتى عام 2015، أي بواقع أربعين مليونا سنوياً وذلك بهدف تغطية الطلبات حتى عام 2010 والتي تنطبق عليها شروط الاستحقاق. وجاء إنشاء الهيئة العامة لحماية المستهلك والجهود الكبيرة التي تبذلها والانجازات التي تحققها تباعا للتيسير على المواطن, وحمايته من الغش والاحتكار وارتفاع الأسعار , وضمان استقرار الأسواق, وجاء صدور الأوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بتأجيل تطبيق قرار الهيئة العامة لحماية المستهلك الصادر بتاريخ 15/6/2014م , حول حظر رفع أسعار بعض السلع الأساسية , لحين تطبيق القوانين الاقتصادية المرتبطة بتنظيم السوق “قانون حماية المستهلك وقانون الوكالات التجارية وقانون المنافسة ومنع الاحتكار”. حرصا من لدن جلالته على تلمس ومتابعة احتياجات أبناء شعبه الوفي, كما تم إنشاء صندوق الرفد لدعم مشروعات الشباب برأس مال وقدره سبعون مليون ريال عماني يجمع جميع الصناديق تحت مسمى صندوق رفد لمشاريع الشباب . ورفع الحد الأدنى لإجمالي ما يتقاضاه العامل العماني في القطاع الخاص إلى 325 ريالا عمانيا والذي بدأ تطبيقه اعتبارا من شهر يوليو 2013م. وهكذا هو الحال في بناء الطرق وإيصال وتطوير خدمات الكهرباء والماء والاتصالات ودعمها بالموارد والطاقات لتحقيق التنمية والرخاء للمواطن العماني وتيسير حياته والتي تشهد طرح مناقصات وتنفيذ مشاريع بشكل مستمر ومتواصل وفقا لما تطالعنا به الأخبار اليومية . وحظي قطاع الشباب في المجالين الرياضي والثقافي بدعم خاص من لدن جلالته ـ حفظه الله. فقد حصلت الاتحادات والاندية على العديد من المخصصات المالية والامتيازات وتطوير أنظمتها وسياساتها وبما يعزز دورها ويعظم منافعها وقيامها بمسئولياتها في استقطاب الشباب ووضع البرامج والأنشطة المفيدة لهم, وكذلك هو شأن الحقل الثقافي الذي يحصل على الكثير من الاهتمام ووفق مسارات متعددة , ولا ننسى بأن مدينة نزوى التاريخية والعلمية تم اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2015م , وهذا من شأنه دعم القطاعات الثقافية واستضافة هذه المدينة للعديد من الفعاليات والأنشطة والأعمال الثقافية , وكان تشجيع حلالته ودعمه للرياضات واللعب التراثية والسباقات الأخرى عامل مهم في الحفاظ عليها وإنشاء اتحاداتها ووضع برامج سنوية لتنظيم تلك السباقات .
وكان الاهتمام مركزا كذلك على تنمية وتطوير ودعـم القطاعات الاقتصادية, وذلك بالنظر إلى أهميتها في تحقيق الرخاء والازدهار ودعم الاقتصاد القومي بمختلف عناصره ومكوناته , فقد توجهت الحكومة في السنوات الأخيرة نحو إنشاء المشاريع الكبيرة التي يعول عليها مستقبلا في دعم الاقتصاد العماني وجذب الاستثمارات وتوفير فرص عمل مشرفة للمواطن العماني مثـل (( ميناء صحار ومدينة الدقم الاقتصادية, وميناء صلالة وتحويل ميناء السلطان قابوس لأغراض سياحية, وشارع الباطنة الساحلي, وتواصل العمل في إنشاء عدد من المطارات من أبرزها مطار مسقط الدولي , ومشروع القطار الذي يعد ( أحد أهم المشروعات الجديدة بالسلطنة مكملا لمنظومة النقل المتعدد الوسائط ورافدا جديد للاقتصاد العماني مما سيدعم عملية التنمية المستدامة بالبلاد ويعزز شبكات النقل بين السلطنة ودول مجلس التعاون الخليجي … ) , وقد استقبل ميناء صحار الصناعي عام 2013 م , ( 1800 ) سفينة مقارنة ب ( 1788 ) سفينة خلال عام 2012م , كما بلغ عدد الحاويات المتناولة أكثر من ( 215 ) ألف حاوية نمطية وبارتفاع عن عام 2013 بنسبة 15,4% ، كما تشير الاحصائيات إلى أن إجمالي حجم البضائع العامة المتناولة بميناء صلالة خلال عام 2013 م بلغ ( 7,9 ) مليون طن بارتفاع نسبته ( 9.5% ) مقارنة مع نفس الفترة من عام 2012م , وبلغ عدد سفن الحاويات ( 1,651 ) سفينة محملة على متنها أكثر من ( 3,34 ) مليون حاوية نمطية مقارنة ب ( 3,6 ) مليون حاوية نمطية تمت مناولتها بالميناء من نفس الفترة من عام 2012م . وتلعب المناطق الحرة دوراً هاماً في إنعاش الحركة الاقتصادية وذلك من خلال جذب الاستثمارات الخارجية وفتح أسواق التصدير أمام الصناعات التحويلية على وجه الخصوص، فيما تعتبر أداة فعالة في تحقيق الأهداف الاقتصادية المتمثلة في نقل المعرفة والتقنية وتنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل للمواطنين . وتنتهج السلطنة سياسة توزيع المناطق الصناعية والمناطق الحرة في مختلف محافظات السلطنة بهدف تنميتها وتوفير فرص التوظيف فيها , وتتولى المؤسسة العامة للمناطق الصناعية إدارة وتشغيل وتنمية سبع مناطق صناعية موزعة على مختلف مناطق السلطنة وهي الرسيل وصحار وريسوت ونزوى وصور والبريمي وسمائل (وهي منطقة صناعية قيد التنفيذ) بالإضافة إلى واحة المعرفة في مسقط والتي تركز على تقنية المعلومات والمنطقة الحرة بالمزيونة والتي تستهدف استقطاب مشاريع تعنى بتنمية التبادل التجاري والصناعي بين السلطنة ودول الجوار . وقد واصل الاقتصاد العماني خلال عام 2012م , أداءه الجيد الذي حققه خلال الأعوام الثلاثة الماضية , محققا نسبة نمو بلغت 16,2% عام 2012 بالمقارنة مع عام 2010م . و إلى جانب ذلك تقام العديد من المشاريع العملاقة المعتمدة على قطاعات النفط والغاز . ومن أجل الارتقاء بالقطاع السياحي والنهوض به فإن وزارة السياحة تعد حاليا استراتيجية لتطوير المواقع والمناطق السياحية في المحافظات والولايات , وتنفيذ الخدمات والمرافق التي يحتاجها السائح .
وتبوأت مؤسسات القضاء والشورى وجهاز الرقابة ومجالس البلدية .. أهمية قصوى في فكر القائد , فعززت المراسيم والأوامر السامية سلطاتها وصلاحياتها وحرصت على ضمان استقلاليتها , ويأتي ذلك تأكيدا على استقلالية السلطات وإشراك المواطن في صنع القرار , فعلى مستوى القضاء اعتمدت الحكومة في السبيعينات على قضاة وعلماء عمان المعروفين في تلك الفترة فقاموا بالأمر خير قيام . وبإنشاء معهد القضاء , أصبح المعهد أحد الروافد الذي يمد المحاكم بالقضاة من خلال تأهيل وتدريب الأكفاء والمتميزين , وقد صنفت المحاكم وقتها إلى شرعية وجزائية وتجارية , وفي عام 1999م , صدر قانون السلطة القضائية , والذي جمع المحاكم تحت مظلة وزارة العدل , وأصبحت كل محكمة منها تنظر في جميع القضايا , وفي عام 2012م , صدر قانون استقلال القضاء وبه أصبحت السلطة القضائية مستقلة تحت مظلة المجلس الأعلى للقضاء برئاسة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى ـ حفظه الله.
أما مؤسسة الشورى فقد مرت بمراحل من التطور والنمو وذلك على النحو التالي: المجلس الاستشاري للدولة , ففي الثامن عشر من أكتوبر 1981م ، صدرت المراسيم السلطانية بالأرقام : 84 و 85 و 86 بإنشاء المجلس الاستشاري للدولة وتسمية أعضائه ورئيسه ونائبه وأمينه العام ووضع نظامه الداخلي ، وتفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بافتتاح أعمال فترته الأولى بتاريخ 3 نوفمبر 1981م ، وقد جاء إنشاء هذا المجلس استمراراً لسياسة ثابتة في ” إعداد المواطنين للمشاركة بالرأي فيما تبذله الحكومة من جهود في سبيل تنفيذ خططها الرامية إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد ، وتحقيقاً للتوسع المطرد في هذه المشاركة من خلال التعاون الوثيق بين القطاعين الحكومي والأهلي ” . واستمرت تجربة هذا المجلس لمدة عقد من الزمان ، وكانت ” تجربة متميزة نابعة من صميم الواقع العماني ، أتاحت للمواطن قدراً كبيراً من المشاركة في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم بها الحكومة ، وأعطت أمثلة بارزة لما يمكن أن تقدمه هذه المشاركة من إسهام إيجابي في بناء وتنمية البلاد ” . ثم تطورت التجربة بإنشاء مجلس للشورى . ففي احتفالات السلطنة بالعيد الوطني الحادي والعشرين المجيد صدرت المراسيم السلطانية بالأرقام : 94 ، 95 ، 96/91 بإنشاء مجلس الشورى وتحديد صلاحياته واختصاصاته وتسمية أعضائه ورئيسه ووضع لائحته الداخلية . واتسمت قاعدة الناخبين لأعضاء مجلس الشورى بالاتساع التدريجي كماً ونوعاً على امتداد الترشيحات الأربعة لعضوية المجلس في الأعوام 1991 ـ 1994 و 1997 و 2000 م ، في سعى دؤوب ومدروس لتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ومنح المواطن حق انتخاب من يمثله في عضوية المجلس وحق ترشيحه للعضوية ، وأصبحت هذه الانتخابات عامة وشاملة في انتخابات الفترة الخامسة للمجلس التي أجريت في الرابع من شهر أكتوبر 2003م . والتي عدت أول انتخابات عامة تجرى في السلطنة بعد استكمال قاعدة الناخبين وتعميم حق الانتخاب ، ومع اتساع قاعدة الناخبين التي بنيت على التدرج كانت صلاحيات المجلس وممارساته تشهد هي الأخرى تطورا ونموا ومرت بمراحل متعددة من الاتساع . ومن أهم ما ميز هذه الفترة التطور المتواصل وبدون انقطاع في عدد الناخبين وعدد الأعضاء والصلاحيات ودخول المرأة ناخبة ومنتخبة وبروز الممارسة البرلمانية , وجاء التطور في مرحلة أخرى , بالأخذ بنظام المجلسين : مجلس الشورى ومجلس الدولة تحت مظلة مجلس عمان . فقد تم الاعلان عن بدء هذه المرحلة بعد صدور النظام الأساسي للدولة ، الذي نص في بابه الخامس على إنشاء مجلس عمان ، وهو السلطة الرسمية التي أسندت إليها مهام الشورى على المستوى الوطني العام ، وأخيرا صدر المرسوم السلطاني رقم 99/2011م , بتعديل بعض أحكام النظام الأساسي للدولة الذي منح بموجب ما تضمنه من أحكام مجلس عمان صلاحيات تشريعية ورقابية واسعة مكنته من ممارسة العمل البرلماني الحقيقي . واتسعت في الوقت ذاته صلاحيات دائرة جهاز الرقابة لتتضمن الشق الإداري بعد أن كان الجهاز مقتصرا على الجانب المالي فقط , بهدف إرساء نظام قادر على كشف التجاوزات وشبه الفساد ووقف التطاول على القانون وتجفيف منابع الفساد والعبث بالمال العام , وقد اتخذ جهاز الرقابة الإدارية والمالية خطوات مهمة وجادة في سبيل تطوير مؤسسته وكشف الكثير من القضايا التي أحالها إلى الادعاء العام أو خاطب الجهات المختصة بشأنها . وأخيرا جاء إنشاء المجالس البلدية بموجب القانون الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 116/2011م , لتنظيم شئون هذه المجالس , وتسهيل عملها , وتحديد اختصاصاتها , والتي بلغت ثلاثين اختصاصا , وهو ما يمكنها من أداء عملها وتحقيق أهدافها التي تختص وفي : ( حدود السياسة العامة للدولة وخططها التنموية , بتقديم الآراء والتوصيات بشأن تطوير النظم والخدمات البلدية في نطاق المحافظة ) , وقد بدأت هذه المجالس في ممارسة عملها مباشرة , أي بعد إجراء انتخاباتها وظهور النتائج , وهي مكسب آخر جديد في إطار تفعيل وتطوير وممارسة مؤسسات المجتمع المدني لاختصاصاتها وإشراك المواطن في اتخاذ القرار . وفي الشأن الخارجي تحقق رسالة القائد الداعية إلى مبادئ السلام والاستقرار ومعالجة سوء الفهم والمشكلات بالحوار الفاعل وتبادل المنافع المفضية إلى المصالح العامة للشعوب وعدم التدخل في شئون الآخر انجازات ومكاسب واسعة, ووجدت صدى في مختلف دول العالم التي تشهد عواصمه ويؤكد قادته على حكمة السلطان قابوس بن سعيد المعظم, وعلى بعد نظره وخبرته في شئون المنطقة, وبأنه لا غنى عن استشارته والاستفادة من آرائه وملاحظاته السديدة تجاه الأحداث والتطورات السياسية . ويستمر في الاطار ذاته نشاط الفعاليات والبرامج والمعارض والأيام العمانية التي تنتظم وتقام وتنعقد في عواصم العالم ومدنه المتحضر في أوروبا وآسيا وأفريقيا والأميركتين, لكي تعرف العالم بثقافة وتاريخ وفلسفة وقيم العمانيين ومنهجهم في التعامل مع الآخر وفي التعايش السلمي وإنتاجهم العلمي والأدبي والإنساني … دبلوماسية ناجحة جنبت عمان وشعبها التوترات والأزمات, رسالة عمانية أسست لعلاقات سياسية وثقافية وتجارية وطيدة مع دول وشعوب وحكومات العالم , تجني ثمار الود وتقدير واحترام هذه الشعوب والحكومات لعمان قائدا وشعبا ..
(( إن بناء الدولة العصرية , التي تعهدنا بإقامتها منذ اللحظة الأولى لفجر النهضة المباركة , قد اقتضى منا بذل جهود كبيرة في مجال إنشاء البنية الأساسية التي هي عماد التنمية الشاملة وركيزتها الأولى , وتوفير هذه البنية في شتى ربوع السلطنة أتاح ولله الحمد فرصة كبيرة للتطور العمراني في مختلف المدن والقرى على امتداد الساحة العمانية , ومهد لإقامة مشروعات اقتصادية وتجارية وصناعية عديدة , ومنشآت تعليمية وثقافية وصحية واجتماعية متنوعة. وهذا لا يخفى على أي مراقب ومتابع لحركة الحياة , في جوانبها المتعددة, على أرض عمان الطيبة .. )) من الكلمة السامية بمجلس عمان في 31 اكتوبر 2013م. إنجازات تتوالى, مشاريع وعمليات بناء لا تتوقف, لبنات تقوم على إثر أخـرى سبقتها, صحارى تتحول إلى مدن سكنية وصناعية وتجارية وزراعية, طرق ومدارس ومستشفيات وأعمدة إنارة وتوصيلات لمختلف الخدمات تشق الجبال وتقف شامخة في أعاليها وتتغلب على الجغرافية الصعبة بإمكانات مكلفة لكي تصل إلى كل مواطن وهو في مسكنه في قريته وفي مقر آبائه وأجداده , نهضة شاملة حضارية إنسانية علمية عمرانية , حقوق تشريعية وقانونية وقضائية تتتعاظم, مؤسسات تكتسب صلاحيات واسعة واستقلالية تؤكد رؤية جلالته الحكيمة في العمل على ترسيخ دولة القانون ودولة المؤسسات وتحقيق العدالة لكل مواطن .. فالمناسبة وطنية بامتياز, والاحتفائية السنوية بها تقوم على تعزيز وتوسيع تلك المنجزات وتعظيم دائرة المكتسبات , والتهاني والتبريكات يتبادلها العمانيون وهم في غمرة سعادتهم بما يتحقق على أرضهم من نهضة تتطلب الكثير من العمل والوعي والتكاتف والتعاون للحفاظ على مكوناتها والبناء عليها ومواصلة التقدم والتطوير وعملية التحديث وتعزيز قيم وأواصر المواطنة والحفاظ على اللحمة الوطنية فهنيئا للعمانيين مناسبتهم الوطنية السعيدة.

المرحلة الثانية من العمل .. ظروفها ومتطلباتها:
وها نحن بعد أربعة وأربعين عاما من العمل المتواصل والمكاسب المتتابعة نصل إلى مرحلة التقييم وإجراء المقارنات المنصفة, مرحلة ترسيخ دولة القانون ودولة المؤسسات وتعميق دور ومشاركة المواطن في اتخاذ القرار , وبذل الجهود لصون وحفظ وتعهد تلك المكتسبات وتلك الإنجازات التي ما كانت لتتحقق لولا التجاوب السريع مع كلمات جلالته الأولى والإيمان بمضامينها وما أعقب ذلك من تصميم وجهود وعمل وقيام كل فئة بما يجب لإنجاز ما أسند إليها من مهام ومسئوليات, في المرحلة الراهنة التي لا تقل أهمية ومسئولية في تحدياتها وما تتطلبه من جهد وعمل, تستدعي منا جميعا بأن نكون على أعلى درجة من الوعي والحذر والتنبه للمخاطر التي نواجهها والقيام بحماية وطننا ومكتسباته وقيمه وثقافته وخصوصياته, والحرص على عدم الانجرار إلى مستنقع قد يبيت لنا بليل, وأن نحافظ بكل ما نملك على اللحمة الوطنية ووحدة وقوة النسيج الإجتماعي الذي جاء واحدا من أهم مكتسبات هذه النهضة, وأن نعمل على تعزيز وترسيخ قيم المواطنة فهي عنصر استقرار هذا الوطن وعامل ازدهاره وبها تتحقق قوة ونهضة مجتمعه, علينا أن نتسامى عن الأعمال والتصرفات التي قد ندفع ثمنها غاليا في المستقبل, وأن ننحاز إلى قيمنا وثوابتنا وأخلاقياتنا الوطنية في التعامل مع بعضنا البعض, أن نكون أكثر حكمـة وقدرة على الفهم والبحث والتشخيص في الأسباب , وأن نأخذ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بسلاح الحوار والتفاهم وتقديم النصح والتسامح والإصغاء إلى الرأي الآخر ومنحه الفرصة لتقديم مبرراته ودوافعه, بدلا من أن تحركنا العواطف والأهواء المتسرعة واللحظية التي قد تفضي إلى معالجات خاطئة وإلى تأزيم الأمور…
الخاتمة .. النتائج:
أخيرا , فإن هذه المكتسبات والانجازات التي تحدثنا عنها بشيء من التفصيل, تتطلب جهودا مضاعفة ورؤية مدروسة وعملا متسارعا نشطا, وبرامج وخطط واستراتيجيات تخرج من أطر الأوراق والبيانات الإعلامية إلى حيز التنفيذ لكي نضاعف من حجم تلك الانجازات, فنحن أمام تحديات كبيرة, وظروف تستجد كل لحظة, وتطورات هائلة في التعليم وفي الوسائل والتقنيات والخدمات, وفي الأنماط والثقافة والقيم والسلوك, ومتغيرات محلية واقليمية وعالمية, ومعها تتغير الاولويات والخيارات والاشكالات , ويرتفع سقف الطموحات والتطلعات والاحتياجات , ولمواجهة كل ذلك , وللتغلب على الظروف والتحديات , وللحفاظ على المكتسبات وتلبية الطموحات المتصاعدة , فلا بد من :
أولا : التجاوب المباشر والإسراع في تنفيذ الأوامر والتوجيهات السامية المتتابعة خاصة تلك التي ترتبط بمعيشة وحياة المواطن وتتضمن تحقيق الرخاء والازدهار والتيسير عليه, وفهمها فهما دقيقا بما هي عليه في مضامينها وأهدافها الحقيقية المفضية إلى مصلحة البلاد والعباد.
ثانيا: تفعيل وتعميق صور التعاون والتنسيق والتشاور بين مختلف مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني … والأخذ بمبدأ الشفافية والحوار مع المجتمع ووضعه في صورة القرارات التي تتخذ من حيث أهدافها وغاياتها ونتائجها. وأرى من الأهمية العمل على استحداث منصب ( متحدث إعلامي ) لمجلس الوزراء يضع المجتمع في لقاءات مباشرة وتصريحات متواصلة أمام التطورات والقرارات والسياسات والبرامج والأعمال والمشاريع التي يستحدثها ويضعها ويقرها ويدرسها وينفذها المجلس , ويقوم بدور توعوي آن وقته والتحاور مع قيادات المجتمع وشرائحه خاصة الشباب منهم.
ثالثا: السير قدما وبذات الوتيرة في التضييق على منابع الفساد وتجفيفها تدريجيا , وتوفير كل الامكانات والوسائل والدعم المطلوب لقيام المؤسسات المختصة بهذا الدور الهام. فلا شيء يؤرق المجتمع كالفساد الذي يمارس بأشكال وصور متعددة كما أظهرت الأحداث والوقائع.
رابعا: المراجعة المستمرة لسياسات التعليم والتأهيل, والتوظيف وسوق العمل, واتخاذ الاجراءات والوسائل, واصدار وتطبيق النظم والتشريعات التي من شأنها تطوير التعليم وتنظيم سوق العمل وتوفير الفرص الوظيفية الكريمة للمواطن,
خامسا: تعتبر الثروة النفطية التي وهبنا إياها رب العزة عصب الحياة والشريان الرئيسي الذي يمد هذه النهضة منذ باكورة عطائها وحتى لحظتنا، ورغم محدودبة المخزون الاحتياطي والتكلفة العالية التي يتطلبها استخراج النفط في السلطنة وتذبذب الأسعار العالمية وبحث الدول الصناعية والمعتمدة على النفط عن بدائل أخرى جديدة وما يظهر لديها كذلك من اكتشافات متواصلة, فإنها كذلك ثروة ناضبة “أي غير متجددة” وهي إحدى أهم التحديات التي تتطلب منا جهدا وعملا مخلصا يتمثل في خلق ودعم وتنمية القطاعات والموارد الأخرى التي تستطيع أن تحل محل النفط خلال فترة زمنية محدودة.
ختاماً أسأل الله أن يديم لعمان سلطانها ويحفظ لها نهضتها
ويبارك في ثرواتها وأن يوفقنا جميعاً إلى طريق الخير
والبذل والعطاء اللهم آمين .

إلى الأعلى