الإثنين 21 مايو 2018 م - ٥ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / .. وأحيانا يكون الموت على أنغام الموسيقى

.. وأحيانا يكون الموت على أنغام الموسيقى

فوزي رمضان
صحفي مصري

” لم يفرق الانتحار بين سياسي فقد مجده ، أو تاجر خسر ماله ، أو عاشق فقد هواه، أو فنان كساه الاكتئاب، أو عالم سئم الحياة ، أو شخص علاه الهم ، إنها لحظة يأس من الحياة، وفقدان الرغبة في عمل أي نشاط ،عندما تلوح فكرة عدمية الحياة ، ومحاولة التخلص منها ، تتبلور فرضية وحتمية الانتحار، قد تتغير الوسيلة لكن الرغبة واحدة في إنهاء الحياة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أود أن أنهي حياتي في بلدي ، سئمت الحياة، في انتظار موعد الموت بفارغ الصبر، لم أعد أرغب في العيش، آسف كل الأسف أني وصلت إلى هذا العمر، أنا لست سعيدًا أريد أن أموت، كانت حياتي سيئة وأنا سعيد الآن لإنهائها.
هكذا قال عالم النباتات الأسترالي الشهير ديفيد غودال، وهكذا عاش في شقته الصغيرة، التي قضى فيها أيامه الأخيرة، قبل أن يتوقف مؤشر عمره عند الرقم 104 أعوام، رغم عدم معاناته أيا من الأمراض المزمنة أو القاتلة، لكنه مل العيش وكره الحياة، طلب من الأطباء مساعدته في إنهاء حياته، لكن القانون الأسترالي يمنع ذلك، ولرغبته الملحة في الموت، طلب من أحفاده السفر إلى سويسرا، البلد الوحيد التي يسمح فيها القانون بإنهاء الحياة، عن طريق مساعدة الشخص على قتل نفسه وتزويده بوسيلة الانتحار، أو عن طريق القتل الرحيم بتدخل طرف طبي لإنهاء حياة المريض بإعطائه جرعة قاتلة.
وصل غودال إلى بازل، ومضى يوما كاملا مع أحفاده في استكشاف حدائق بازل النباتية، وفي عيادة لايف سايكل تناول وجبته المفضلة المكونة من شرائح السمك ورقائق البطاطس وبعض من تشيز كيك، وبعد أن أوصى أحفاده بعدم إقامة جنازة والتبرع بجسده لأبحاث الأدوية أو نثر رفاته، ومن ثم جلس على سرير الموت، وعلى أنغام مقطوعة قصيدة الفرح من سيمفونية بيتهوفن التاسعة، وبهدوء وصمت شديد تناول من الطبيب الحقنة المزودة بمادة نتوباربيتال القاتلة، وقام بنفسه بغرسها في وريد جسده ومع نغمات الموسيقى التى مزقت صمت المكان، ينسلخ ديفيد غودال رويدا رويدا من الحياة، ليذهب في هدوء تام إلى الموت الذي اشتاق إليه.
لم يفرق الانتحار بين سياسي فقد مجده، أو تاجر خسر ماله، أو عاشق فقد هواه، أو فنان كساه الاكتئاب، أو عالم سئم الحياة، أو شخص علاه الهم، إنها لحظة يأس من الحياة، وفقدان الرغبة في عمل أي نشاط ،عندما تلوح فكرة عدمية الحياة ، ومحاولة التخلص منها، تتبلور فرضية وحتمية الانتحار، قد تتغير الوسيلة لكن الرغبة واحدة في إنهاء الحياة.
كانت لحظة يأس ، انهت حياة ادولف هتلر الزعيم النازي وأكثر الشخصيات السياسية المؤثرة في التاريخ، فعندما نجحت جيوش الحلفاء في اجتياح ألمانيا من كافة الاتجاهات وسقطت برلين بيد الجيش السوفيتي، دفعه إلى الانتحار مع عشيقته إيفا براون، كذلك وزير دعايته السياسية الشهير جوزيف جوبلز، مؤسس علم الدعاية والحرب النفسية، الذي انتحر مع زوجته وأطفاله الستة بعد أن أعطاهم جميعًا السم ، مع مادة منومة حتى لايشعروا بالألم تاركا، رسالة كتب فيها ( فعلت ذلك حتى لا يهان أبنائي أمام الروس بعد وفاتي).
نعم إنها لحظة يأس، لو تجاوزها المحبط لتعدلت الأمور، فلم يستطع رين وليامز الملقب بصانع البهجة، والأكثر شعبية في العالم ، نظرا لأدواره الكوميدية التي أضحكت الملايين، لكنه يئس من الحياة، بعد إصابته بمرض الرعاش، والذي صاحبه الاكتئاب الشديد وعثر عليه مشنوقا بحزام البنطال الخاص به في غرفة منزله.
لحظة يأس دفعت بالممثلة الهندية جيانا خان ، إلى الانتحار بسبب مشاكل شخصية ونفس اللحظة اليائسة، دفعت بالممثلة الفرنسية الجميلة لوسى جودرون ذات الـ29 ربيعا إلى شنق نفسها، بدون الإعلان عن سبب قيامها بذلك، ونفس اللحظة دفعت المخرج الشهير توني سكوت، إلى الانتحار بأن أوقف سيارته وألقى بنفسه ،من أعلى جسر إلى الماء رأسا ليموت غرقا، كما وفي ذات السياق انتحرت المطربة المصرية داليدا، بعد تناول جرعة زائدة من الأقراص المهدئة، تاركة رسالة نصية كتب فيها (سامحوني الحياة لم تعد تحتمل).
وإذا كانت هناك لحظات يأس فهناك أيضا لحظات اكتئاب، دفعت بالعالم ارمسترونج، مخترع تردد إف إم الإذاعي المسمى بالراديو، ولكنه دخل في صراع مع جهات عدة لإثبات براءة اختراعه، وعندما فشل قرر الانتحار، كذلك العالم الان تورينج عالم علوم الكمبيوتر الحديثة، ورغم كل النبوغ اتهم بالشذوذ الجنسي، وكانت العقوبة إما السجن 18 شهرا أو الخصي الكيميائي، فاختار الثانية ولكن لم يتحمل الذل والألم، جراء العقاب فقرر الانتحار، كذلك قرر العالم والاس كاروتورز مخترع مادة النيلون إنهاء حياته، بعد أن تعرض لحالة اكتئاب شديدة، نفس الشيء فعله جورج ايستمان مؤسس فن التصوير الفوتوغرافي ، وبدون سابق إنذار انتحر ووجدت بجواره ورقة كتب فيها، ( لقد أتممت حياتي إذا لماذا الانتظار). وأيضا لفرط حساسية العالم هانز بيرجر أول إنسان استطاع رسم النشاط الكهربائي في دماغ الإنسان، والذي اكتشف موجات ألفا الدماغية، لكنه دخل في حالة من اليأس، بسبب النازية والتدمير الذي طال العالم، جراء الحرب العالمية الثانية.
عجبا لمن يفرون من الموت، لكنه أخذهم ولو كانوا في بروجهم المشيدة، وعجبا لمن يهرولون إليه، قنوطا من العيش وسئما من الحياة، وفرارا من اليأس وهروبا من الإحباط، وعلاجا من الاكتئاب، كما صورت لهم نفوسهم، وتخيلته عقولهم، لحظة قد تدفع الشخص إذا تجاوزها، إلى لقاء الله عز وجل بنفس راضية، أو تدفعه إلى القنوط والاعتراض على قضاء الله، فينزلق إلى التهلكة، ولا فرق بين الموت على أنغام موسيقى بيتهوفن، وبين الموت على إيقاع الدفوف الجنائزية، سوى الامتثال لحكم الخالق.

إلى الأعلى