الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق / المتسّولون في ساحات المساجد : مشهد التوسّل وضريبة الاستجداء

في العمق / المتسّولون في ساحات المساجد : مشهد التوسّل وضريبة الاستجداء

د. رجب بن علي العويسي

لعل توقيت حديثنا عن هذا الموضوع يرجع إلى ما يبرزه واقع التسّول من زيادة انتشاره في المناسبات الدينية واستغلاله فرص استنطاق قيم الناس في ترددها على المساجد في شهر رمضان المبارك،، لنبدأ مقالنا بمشهدين، الأول: بعد أن انتهى إمام الصلاة من التسليم، إذا برجل يقف في أحد صفوف المسجد فيحيّي المصلين بلغته، محدثا لهم عن نعمة الأمن والأمان التي يعيشونها في هذا البلد، مكثرا من الدعاء والشكر لله، يجهش فيها بالبكاء بما ألمت به من ظروف وعوز الحاجة مستجديا منهم الصدقة والعون وفك الكربة، والناس منصتون لحديثه الذي يظهر فيه الاحترافية في الأسلوب والاختصار في الطرح ورصانة الكلمات المدعومة بالشواهد القرآنية والأحاديث النبوية؛ أما المشهد الثاني فيبدأ بخروج المصلين من المسجد، لتقف طفلة صغيرة بثياب بسيطة، على الباب تمد يدها وهي تردد كلمات توسّل بالبركة والدعاء وتتحدث عن ضيق الحال وصعوبة العيش، لتقف خارج صرح المسجد أمها أو أختها تراقب الوضع من بعيد وهي الأخرى تردد الكلمات نفسها تفترش الأرض لنفس الغرض.
مشاهد توسُّل وضرائب استجداء قلّما تغيب عن أعيننا إلا قليلا، تعكس ظاهرة التسوُّل التي وجدت لها فرصة سانحة للظهور في واقعنا الاجتماعي، ولنقف على واقعها من خلال ما ترصده إحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية، حيث أشارت إلى أنه ولمدة ثلاثة أشهر فقط ، خلال الفترة ( الاول من إبريل إلى 30 من يونيو 2017) بلغ اجمالي عدد المضبوطين بالتسول(437 ) حالة، شكلت الحالات الواقعة تحت الفئة العمرية من (18- 40) أعلى هذه الفئات بواقع (212) وما نسبته ( 48.51% )، كما تشير الاحصائيات الى أن الاجراءات التي اتخذت بشأن الحالات المضبوطة خلال الفترة نفسها، بلغت لدى العمانيين (68) حالة تركزت ضمن الإجراءات: الإخلاء بتعهد بواقع (51) حالة، وإحالة إلى الشرطة بواقع (17) حالة، في حين حازت فئة غير العمانيين على النصيب الأكبر من هذه الحالات حيث شكلت ما نسبته (84.44%) إذ تركزت تحت الاجراءات: احالته إلى الشرطة بواقع (294) حالة، والاخلاء بتعهد الكفيل (75) حالة؛ ومن حيث توزيع هذه الحالات على محافظات السلطنة فقد أشارت الاحصائيات إلى ان محافظة مسقط قد حازت على اكبر عدد في الحالات، بلغ (205) حالات ، بما نسبته ( 46.9% )، تليها محافظة ظفار بواقع (129) حالة بما نسبته(29.521%). إذا ما نظرنا في الوقت نفسه إلى حملات مكافحة التسول خلال الفترة المشار اليها، والتي بلغ عددها الاجمالي ( 700) حملة، شكلت محافظة مسقط أعلى نصيب من حملات مكافحة التسول بواقع (393) حملة، وبنسبة (56.14% ) تليها محافظة البريمي بواقع (172) حملة، بما نسبته ( 24.57%) وهما بمجموعهما تشكلان ما نسبته ( 80.71% ) من بين المحافظات الأخرى.
وعليه يشكل هذا العدد رقما مهما ومؤشرا ينبغي الوقوف عليه في قراءة هذا الملف، فمسألة تركزها على فئة الشباب تحت الفئة العمرية من (18- 40)، يخرج كبار السن من الاعتقاد السائد بأنها تشكل النسبة الأغلب للفئة المتسولة، كما أن حصول الوافدين على نسبة (84.44%) يستدعي التفكير في إجراءات أخرى غير الترحيل أو تعهد الكفيل، إذ ذلك لن يمنع انتشار هذه الثقافة المترسخة لديهم في بلدانهم واتجاه الكثير منهم إلى الكسب السريع ودخول بعضهم للسلطنة بطرق غير مشروعه، وتحديات زيادة الوافدين التي تشكل ما نسبته (44.90%) من مجموع السكان، كما أن زيادة عدد حالات التسول في محافظة مسقط لتشكل ما نسبته ( 46.9% ) في ظل حصولها على أعلى نصيب من حملات مكافحة ظاهرة التسول بواقع (393) حملة، ولفرضية أنه كلما زادت برامج التوعية وحملات الضبط كما زاد الوعي وانحسر السلوك السلبي، ينقل المسألة من مجرد إجراءات جزائية وضبطية إلى البحث عن استراتيجيات وقائية مستدامة تجتث المشكلة من جذورها.
لقد حدد قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/ 2018) في المادة (297) عقوبة من وجد متسولاً في الطريق العام أو الأماكن أو المحلات العامة أو الخاصة، والحكم بمصادرة ما يكون معه من الأموال عند ضبطه. وإذا كان المتسول غير عماني فللمحكمة بالاضافة إلى العقوبة أن تأمر بطرده من البلاد؛ وحددت المادة (298)، عقوبة كل من استخدم حدثا أو سلمه للغير بقصد التسول. وتضاعف العقوبة المنصوص عليها إذا كان الفاعل وليا أو وصيا على الحدث أو مكلفا بملاحظته أو رعايته، كما اشار القرار الوزاري رقم (21/ 2011) بإصدار قواعد واجراءات مكافحة ظاهرة التسول، إلى جملة من الإجراءات الضبطية في مكافحة التسول، والذي ترتكز في الأساس على التنسيق بين وزارة التنمية الاجتماعية وشرطة عمان السلطانية والادعاء العام والمؤسسات الأخرى من خلال فرق العمل والحملات التفتيشية ودراسة الحالة للعمانيين والجزاءات أو العقوبات النافذة.
غير أن هذه الإجراءات غير كافيه بالشكل الذي يمنع المشكلة من الظهور، لذلك كان من الأهمية أن يتجه العمل إلى زيادة وعي المواطن بهذه الحالات وتصحيح الصورة الذهنية الغامضة لديه حول الشخص المتسول، فهو يعيش في مجتمع مسلم يؤمن بمبدأ التكافل الاجتماعي ومساعدة المحتاج والوقوق معه، وهو يشاهد كما أشرنا حالات من التسول يظهر لديه أنها واقعية فالدلائل والشواهد التي يحملها المتسول، وحالة التأثير والاستلطاف، كفيلة بوضع المواطن أمام مظنة الصدق في حديث المتسول فيقدم له ما تيسر من مال، لذلك يأتي دور الإعلام وعبر عمليات التثقيف الاجتماعي والديني والأمني في توضيح هذه الحالات والصور والنماذج والأمثلة للناس.
على أن حالات التسول المضبوطة من المواطنين التي بلغت (68) حالة، تعطي مؤشرات أخرى في تبني إجراءات لدراسة هذه الحالات في إطارها النفسي والاجتماعي وتشخيصها وإيجاد آليات تتناغم مع القيم والثقافة العمانية في التعامل معها، في ظل غلاء المعيشة وظروف العيش التي تعيشها بعض الأسر محدودة الدخل في ظل زيادة معدلات الطلاق أو عدم وجود مسكن دائم للمتسول، وفئات المدمنين والأحداث الصغار، كل ذلك يطرح الحاجة إلى بناء مسارات أخرى في تنوع إجراءات العمل المتخذة من قبل الجهات المعنية وإنشاء وحدات نموذجية متكاملة لدراسة حالات التسول بصورة أكثر عمقا واتساعا، والانتقال من حالة المكافحة الوقتية إلى فهم الأسباب والمسببات، ومن أولوية وضعهم في دار الرعاية الاجتماعية إلى تكوينهم كمواطنين فاعلين منتجين في المجتمع، مع إعطاء موضوع المسنين اهتماما أكبر في عمليات التوعية والتشريع.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في التشريعات المعمول بها، فالجزاءات الضبطية بحاجة إلى منظومة متكاملة من الدعامات الفكرية والوقائية والتوعوية والرقابية، وتوفير قواعد وإجراءات تنظيمية أكثر تقنينا وعمقا وتنوعا، ومنح الفرق المسؤولة عن مكافحة التسول الصلاحيات القانونية الواسعة في التعامل مع الحالات الحاصلة ، وتوفير إجراءات استباقية في رصد سلوك التسول لدى الوافدين عبر دور أكبر لزارة الخارجية والسفارات والقنصليات والجهات الأمنية في هذا الشأن، في ظل قانون يؤسس لمرحلة جديدة في قراءة ملف التسول بأبعاده ومتغيراته ومسبباته.

إلى الأعلى