الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لوم الضحية

لوم الضحية

د.احمد مصطفى

” في ذكرى النكبة السبعين أشعل الأميركيون عود ثقاب صغير، لكنه أثره جاء كبيرا بكمية الدم الفلسطيني التي سالت لتبقي جذوة الحق باقية وإن خفت اشتعالها. صحيح أنه أمر رمزي وضع كلمة “سفارة” على مبنى القنصلية في القدس، وصحيح أن القدس منتهكة منذ عقود وصحيح وصحيح … لكن طالما هناك فلسطيني، أو عربي لديه كرامة، يعيش على وجه الأرض فلن يكون هذا الأثر بلا جدوى.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكتب هذه الكلمات ودماء الشهداء والجرحى في فلسطين لم تجف، وما زال البعض يستنجد بمجلس الأمن (لا مؤاخذة) والبعض الآخر يلوم الضحية ليبرئ الجلاد. إن أسوأ ما يمكن أن تتوقعه من بشر له أبسط صفات الإنسان أن يلوم الضحية – حتى ولو جبنا أو خوفا من بطش الجلاد، فإن لم تستطع أن تكون إنسانا اصمت أفضل. بالضبط كمن يلوم المتظاهرين في أميركا على وحشية الشرطة في الاعتداء عليهم. أفهم أن تكون عاجزا وحتى جبانا، لكن أن تتجرد من كل ما هو إنساني فليس لك أن تفتي فيما يخص البشر. ومما يثير السخرية حقا أن تحاول إقناع نفسك قبل الآخرين بأن عجزك وهوانك سببه تنظيم مقيت مثل الإخوان. فتلك المغالطة قد تريحك، وإن كنت لا أظن حقا إن كنت بشرا، بأن من تظاهروا ضد تدنيس القدس مدفوعين من حركة حماس الإخوانية لكنها تظل مغالطة فهؤلاء فلسطينيون يريد الصهاينة وخلفهم الأميركان أن يجردوهم من هويتهم ويسمونهم بالإرهاب فحسب. إنهم فلسطينيون، لا حماس ولا فتح ، فلا يستريح ضمير أحد بأنه يقف على الحياد بين إرهاب الصهاينة وإرهاب الإخوان.
استراح البعض في العقود الأخيرة مع نجاح العدو ومن يواليه من تحويل “قضية العرب الرئيسية” من صراع عربي/اسرائيلي إلى صراع فلسطيني/اسرائيلي، والآن يريدون أن نبلع أنه صراع بين الصهاينة والإخوان. تلك الفرية البشعة هي التي تسهم في تبرير لوم الضحية، وللأسف الشديد مع تكرارها وحملات الإعلام المكثفة لترسيخها في عقول الناس يخرج جيل مشوه ينسى أن إسرائيل التي أعلن قيامها قبل 70 عاما على أرض فلسطين هي أبشع أنواع الاحتلال الاستيطاني وبؤرة العنصرية الكبرى الباقية على وجه الأرض. ربما لا يذكر هذا الجيل أن دولا مثل الولايات المتحدة واستراليا وأشباههما ليست دولا (مهما كانت قوتها العسكرية والاقتصادية وهيمنتها على مقدرات العالم) وإنما مستعمرات أوروبية ألقت فيها قوى الاستعمار القديم بمجرميها ولصوصها وانتهازييها ليبيدوا سكانها الأصليين ويعلنون أنفسهم دولا. فقد كان ذلك قبل بضع قرون (ليست طويلة على أي حال) ولم يعد أحد يهتم بالتاريخ لأنه ليس على فيسبوك وتويتر ويصعب أن يحتويه سناب تشات وانستغرام، التي تمسح ما يبث عليها تلقائيا بعد فترة وجيزة.
لكن فلسطين لم تصبح بعد بلد “الهنود الحمر” ولا “الأبورجين” وما زال شعبها باقيا، ليس في الشتات والمخيمات فحسب بل على أرضها يحفظ هويته بدماء أبنائه مسلمين ومسيحيين (وربما يهود فلسطينيين أيضا). ولا أظن (وربما كان تفكيرا بالتمني، أي لا آمل) أن كل محاولات محو الهوية ستفلح حتى لو حكم الصهاينة العالم العربي كله أو سيطروا عليه بشكل أو بآخر. بالتحديد لن يفلح ما يسعى إليه البعض من تقزيم الصراع إلى ” حرب اسرائيل/غزة” وكأنه ليس هناك فلسطين وإنما “محمية” للسكان الأصليين تتعرض لعنصرية كالتي يمارسها الأميركيون ضد الهنود الحمر حتى الآن. سيظل هناك “مومياوات” مثلي مقتنعون بأن هذه البقعة من الأرض تسمى فلسطين يسكنها الفلسطينيون ويحتلهم أبشع معتدين في التاريخ هم الصهاينة. وآمل ألا نموت ـ نحن “المتخلفون” بوصف المتنورين أصدقاء اسرائيل ـ قبل أن ننقل ذلك إلى أبنائنا وجيلهم. ومن بشائر ذلك، أن هؤلاء الأبناء (وبعضهم ولد في غير بلد العرب وتربى فيها) أشد تمسكا بفلسطين من كثير من المستعربين في المنطقة، كل فلسطين وليس فقط “الضفة وغزة” أو مناطق اتفاق أوسلو. ومما يثلج الصدر أنهم ليسوا عنصريين مثل الإسرائيليين والأميركان بل هم متسامحون إلا فيما يمس الكرامة الإنسانية والحقوق التاريخية. وبعضهم يملك أدوات أسمى كثيرا من محاججيهم من النازيين الجدد والفاشيين الدينيين تجد قبولا لدى نظرائهم من جيلهم من الخواجات قبل العرب.
في ذكرى النكبة السبعين أشعل الأميركيون عود ثقاب صغير، لكنه أثره جاء كبيرا بكمية الدم الفلسطيني التي سالت لتبقي جذوة الحق باقية وإن خفت اشتعالها. صحيح أنه أمر رمزي وضع كلمة “سفارة” على مبنى القنصلية في القدس، وصحيح أن القدس منتهكة منذ عقود وصحيح وصحيح … لكن طالما هناك فلسطيني، أو عربي لديه كرامة، يعيش على وجه الأرض فلن يكون هذا الأثر بلا جدوى. وبما أنه لن يبقى “الحال على ما هو عليه” طويلا فسيأتي اليوم الذي لا يضيع فيه دم الضحايا هباء ولا يجرؤ أحد على لوم الضحية وتبرئة المجرمين. وإذا كان أمثالي، ممن لا يقدرون سوى على تغيير المنكر باللسان أو بالقلب كأضعف الإيمان، لا يستطيعون الفعل الآن فإن غدا لناظره قريب وقد يأتي من يستطيع تغيير الخرائط وتسمية الأشياء بأسمائها فعلا لا قولا. ولن يحتاج البعض ساعتها أن يذهبوا إلى مجلس الأمن أو غيره، فلن يكون فيه هؤلاء “الخمسة الكبار” الآن، فلا الكبير يظل كبيرا على الدوام والعكس صحيح مع الصغير. قد لا يمهلني العمر أن أرى ذلك حيا، لكني أرى بشائره في أبنائي ورفاقهم – رغم أنهم مهووسون بمسابقات الكرة وألعاب الفيديو كغيرهم، لكنهم يعرفون أن تلك البقعة من الأرض تسمى “فلسطين” وأهلها ضحايا بالملايين منذ عشرات السنين.

إلى الأعلى