الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : اكتب يا زمان .. “العمالة عنوان”

شراع : اكتب يا زمان .. “العمالة عنوان”

خميس التوبي

يبحث كيان الاحتلال الصهيوني عن انتصار ما ولو معنويًّا يرمم به حوائط المعنويات المنهارة في الجيش وقطعان المستوطنين، جراء الصمود الأسطوري الذي يبديه ليس المقاومون وحدهم، وإنما تلك النساء الثكالى التي تنثر الورود حين يزف إليها أو تزف ذاتها خبر استشهاد طفلها أو طفلتها أو أحد من شبانها، في أعظم مفارقة بين الحق والباطل، وأعظم برهان على قوة الحق أمام الباطل.
إن المشاهد البطولية ومواقف الرجولة وصفات العزة والكرامة والكبرياء في غزة الصامدة لينحني أمامها كل مواطن عربي شريف، وكل مواطن قومي يعتز بعروبته وقوميته، ويرفض الخنوع والانبطاح والذل والتبعية والعمالة والندالة، كيف لا وهو يرى ذلك الأب وهو يطبع قبلة الوداع على جبين طفله أو طفلته أو تلك الأم وهي تحضن ضناها حضن الوداع، مباهيين منتشيين بأنهما يقدمان أغلى ما لديهما من أجل فلسطين من أجل الوطن، من أجل الحرية من أجل الكرامة من أجل الشرف.
وتتضح عظمة تلك المشاهد، وقوة الحق أمام الباطل وتأثيرهما المعنوي والنفسي بمقارنتهما بالمشاهد في أرض فلسطين المحتلة، حيث تهرب الجرذان إلى ملاجئها فور سماع صوت صفارات الإنذار، وحيث العويل والنحيب والخوف والهلع والفوضى والارتباك، والحرص على الحياة، وحيث القلق والاضطراب وفقدان التركيز والحيرة، قد تملكت وأسَرَتْ مجرمي الحرب الصهاينة السياسيين والعسكريين، في تعبير لا يؤكد إلا المقولة المعروفة “دولة/كيان لجيش”، وهي مقولة وحدها كافية لتصوير انهيار الباطل الصهيوني أمام قوة الحق الفلسطيني التاريخي، وما سقوط صاروخ فلسطيني متواضع على المغتصبة الفلسطينية المسماة تل أبيب فيصيبها بالشلل التام سوى تأكيد على ضعف الباطل.
وأمام صور تلك المشاهد المتباينة، نجد أن هناك مفارقة صارخة في المواقف تجاهها، فبينما يكثر أنصار الحق الفلسطيني في خارج الوطن العربي في أوروبا والأميركتين الشمالية والجنوبية حيث المسيرات الكبيرة الرافضة لجرائم الحرب الصهيونية بحق الأطفال والنساء والمسنين وتدمير المنازل على رؤوس ساكنيها، وإدانة استخدام كيان الاحتلال الصهيوني الأسلحة المحرمة دوليًّا بحق المدنيين الأبرياء الفلسطينيين العزل، وتحميل حكومات دولهم المسؤولية لتزويدها كيان الاحتلال الصهيوني بالأسلحة، يتكاثر أنصار الباطل الصهيوني في داخل الوطن العربي، وللأسف ممن يحملون الهوية العربية، مساهمين بطريقة أو أخرى في إبادة الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته، ملحقين بهذه الأمة عارًا لن يُمحى، عار سيلاحق أصحابه ـ بلا شك ـ حتى تقوم الساعة، وسيجعلهم من أهل مزابل التاريخ.
إن ما يندى له الجبين هو أن يخرج من بين ظهراني هذه الأمة من يتعاون مع مجرمي الحرب الصهاينة وحلفائهم الاستراتيجيين وداعميهم بالمال والسلاح الذي يُقتل به الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني والشعب السوري، ليبحث معهم عن مخارج تجنب كيان الاحتلال الصهيوني عدو الأمة، ويلات أي خسارة اقتصادية كانت أو عسكرية، لأنهم يدركون تمامًا أن هذا الكيان الإرهابي المقام بأركان الباطل والوحشية والإرهاب والاحتلال لا يملك القدرة على الاستمرار في مواجهات استنزاف؛ لأنه يرتب عليه وعلى حلفائه خسائر اقتصادية فادحة.
فالتقارير العسكرية الصادرة عن ما يسمى القبة الحديدية وحدها تشير إلى خسائر مالية كبيرة يتكبدها اقتصاد كيان الاحتلال الصهيوني وحلفائه، حيث جرى نشر تسع وحدات للدفاع الصاروخي ضمن منظومة القبة الحديدية منذ بداية العدوان الإرهابي على قطاع غزة، والبالغة خمسين مليون دولار لكل منظومة، حيث تتكون كل منظومة من عشرين قاعدة لصواريخ دفاعية، تنطلق لصد الصواريخ القادمة من غزة أثناء تحليقها في الجو. وتبلغ تكلفة كل صاروخ بين 60 ـ 80 ألف دولار، فيما تبلغ تكلفة الصاروخ، شاملة تكاليف إطلاقه قرابة 100 ألف دولار، بحسب التقارير العسكرية الصهيونية؛ أي أن كل صاروخ معترض يكلف خزينة كيان الاحتلال 100 ألف دولار.
وعلى فرض صحة هذه التقارير، وتكلفة كل صاروخ معترض تصل إلى مئة ألف دولار، فيا ترى كم تصل تكلفة الصواريخ المطلقة والفاشلة في اعتراض الصواريخ الفلسطينية؟ فضلًا عن الخسائر الاقتصادية المترتبة على توقف مطار اللد والمسمى “بن جوريون” وتوقف ميناء أسدود التجاري عن العمل، ومعظم المصانع، والشلل شبه التام جراء الخوف والهلع من سقوط صواريخ فلسطينية؛ ما يعني أن كيان الاحتلال الصهيوني ليس في وسعه الاستمرار في العدوان ـ ولو كان هناك دعم من حلفائه الأميركيين ـ، وهذا بدوره يقود إلى ما يتم تداوله في بعض وسائل الإعلام من وجود تمويل وتأييد عربيين للإرهاب الصهيوني على قطاع غزة، وهذا أيضًا ما يجعل الحديث منصبًّا فقط حتى الآن عن الهدنة ولا غيرها.
والمؤسف أن بعض العرب يحاولون تبرير تخليهم عن القضية الفلسطينية وموافقتهم على تصفيتها باختزال القضية في حركة حماس، لاختلافات سياسية بينهم وبينها، وبالتالي جعلوا الشعب الفلسطيني كله ضحية لهذه الاختلافات، فلم يعد هناك ذكر في مسار الأحداث لا للقضية الفلسطينية ولا حتى للصراع العربي ـ الصهيوني، ولا لبقاء شعب اغتصبت حقوقه وسلبت أرضه، ويتطلع إلى استعادة حقوقه وحريته.
إن الحقيقة التي لا نزال نرددها ونؤكدها، هي أن هناك مخططًا يتجاوز حركة حماس وأكبر من قطاع غزة، إنه مخطط لتصفية القضية الفلسطينية، فهناك من العرب من يريد أن يهنأ بكرسيه، وفي سبيل ذلك مستعد لأن يتحالف مع الشيطان وليس مع أعداء الأمة، فلا يهمه أن يُقتل مئات الأطفال والنساء ويصاب عشرات الآلاف ويهجر مئات الآلاف.
لا نملك إلا أن نقول للزمان: أكتب يا زمان .. العمالة والخيانة عنوان، وعملاء وخونة، أكتب يا زمان .. إنه تواطؤ الأعراب .. فزمان ثورات الكرامة والحرية والانتصار ولَّى، فلم تعد “الثورة عنوان .. الثورة إيمان .. الثورة رجال”، وليعذرني علي الكيلاني صاحب الكلمات الرائعة “وين الملايين ..؟ الشعب العربي وين ..؟ الغضب العربي وين ..؟ الدم العربي وين ..؟ الشرف العربي وين ..؟ والتي صدحت بها النجمات الثلاث “جوليا بطرس وسوسن الحمامي وأمل عرفة” .. إنه زمان ليس في “الصدر مخزن رشاشة” وإنما مخزن عمالة وخيانة وغدر ونفاق، وليس “الثورة رجال” بل “للعمالة عملاء”.

إلى الأعلى