الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / رمضان شهر النفحات والعطاءات

رمضان شهر النفحات والعطاءات

شهر رمضان سيد شهور السنة، هذا الشهر الفضيل الذي يأتي حاملاً معه النفحات الربانية، والعطاءات الإلهية، فتنبه الغافل وتذكر الناسي وتجدد همة الذاكر وتجمع شتات الناس وتجمع من تفرق من أهل الحي الواحد خلف إمام (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر ـ 53)، يقرأ لهم آيات ربهم يخاطبهم بها، فتذرف دموع الحسرة على التفريط ودموع الألم على مامضى من العمرفي معصية الله ثم يقرا إمامهم (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا) (مريم ـ 96)، إن أعمارنا تمضي بنا سراعًا إلى قبورنا ونحن لا نشعر، ومواسم الخير تمر بنا كل عام ونحن كما نحن لم نزدد إيمانًا ولا عملاً صالحًا، وهذا من إطباق الغفلة، وتسويف النفس، وتزيين الشيطان؛ فلنحذر ذلك ولننتبه من غفلتنا، ولنستيقظ من رقدتنا، ولندحر شياطيننا، ونجعل من رمضان موسمًا من مواسم الآخرة، وشهرًا من أشهر الله المباركة، فعسى أن نحظى بنفحة من نفحاته المباركة نسعد بها فلا نشقى أبداً.
إنّ فرحةَ الصائم بصومه لا تقتصر على مَعرفتِه بما أعدَّ الله للصائمين من كريمِ الجزاء وحُسنِ الثواب، بل لأنَّ الصيام أيضًا من أعظم أسباب التقوى كما أخبر سبحانه عن ذلك بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183)، فالصائم يتقرَّب إلى الله بترك المشتَهَيات تقديمًا لمحبّة ربِّه على محبّة نفسه ولهذا اختصَّه الله من بين الأعمال فأضافه إلى نفسه كما جاء في الحديثِ الذي أخرجه الشيخان واللفظُ للبخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ رسول الله قال: (قال الله عزّوجلّ كلّ عمل ابنِ آدم له إلا الصوم فإنه لي أجزي به)، ورمضان فيه من زيادةِ الإيمان والتمرّن على الصبر والمشقّات، وأنه سبب لكثرة الطاعات من صلاةٍ وقراءةٍ وذكرٍ وصدقةٍ وغيرها ما يحقّق التقوى، وفيه من ردع النفس عن الأمور المحرمة من أقوال وأفعال ما هو من أصول التقوى، ومنها أن فيه من مراقبة الله تعالى بترك ما تهوى النفس مع القدرة عليه لعلمه باطلاع الله تعالى ما ليس في غيره، وهذا بلا ريب من أعظم العون على التقوى ومنها أنّ الصيام يضيِّق مجاري الشيطان؛ فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام يضعف نفوذه وتقلّ سطوته، فتقلّ معاصي العبد، فلا عجبَ إذن أن يشعر المسلم بالفرحة الغامرة كلّما قدم عليه شهر الصيام وأن يستقبله خير استقبال، من وقف لبلوغ هذا الشهر الفضيل وأدرك خيراته والتمس من أنواره وبركاته، فلا بد من عمارته بالأعمال الصالحات، وإحياؤه بالفضائل، ولأجل أن نكون ممن هم في قافلة المسارعين في الخيرات، قال تعالى:(فاستبقوا الخيرات) (البقرة ـ 148).
إنّ من المسارعة في الخيرات أيها الصائمون أن تجدوا عباد الله في النهار صائمين وبالليل قائمين، وتراهم لله ذاكرين وبصلواتهم خاشعين، لأنهم سمعوا قوله ـ عليه الصلاة والسلام:(إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة) فأقبلت أرواحهم للطاعة والخير، وهم كذلك لم يتجاهلوا قوله:(رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ فلم يغفر له)، فهم أيقنوا بأن رمضان من أعمارهم فاستبقوا الخيرات، وعلى العكس منهم أهل الغفلة والجهالة الذين يقضون أوقاتهم فيما لا خير فيه، فبالليل هم نائمون وعن أوقات الأسحار غافلون، وإن بصرتهم فهم مرضى القلوب سود الوجوه، صفر الأجور والعياذة بالله من ذلك، فرمضان خيرة الله وشعيرة من شعائر الله، وهذا ما يجعل العبد المؤمن الصادق يعظم هذا الشهر ويحتفي به ويستقبله استقبال عباد الله الربانيين كُنْ عبد الله الرباني، المؤمن بلقاء الله، الذي يستقبل شهر الله العظيم استقبال الفرحين، ألم تسمع إلى قول ربنا:(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس ـ 58)، ورمضان هو من فضل الله ورحمته التي يفرح بها العبد المؤمن، وهو خير من متاع الدنيا الزائل، ومما يجمعه الزائلون من هذه الدنيا الزائلة، فكن عبدالله الرباني، المؤمن بلقاء الله، الراجي لشفاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) باتباع سنته وهديه، الذي يستقبل شهر رمضان بصيام نهاره احتسابًا لله:(من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي وهديه)، الذي يستقبل شهر رمضان بصيام نهاره احتسابًا لله، ولأجل الله، نعم، من أجل الله علاه ـ خالقنا وراحمنا وإليه مصيرنا، سنصوم شهر رمضان، من أجل الله سنتحمل عناء صيام رمضان، من أجل الله سنصبر على العطش في نهار رمضان، رجاء أن يسقينا من حوض نبيه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، من أجل الله سنصبر على الجوع في نهار رمضان، سنصبر على التعب والحرّ في نهار رمضان، رجاء أن يجعلنا ربنا من الذين يظلهم في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه.
أيها الصائم: اجعل همّك همًّا ربانيًّا في رمضان، همّ من يستقبل رمضان استقبالاً ربانيًا، يستقبله وهمّه: ماذا سأصنع في رمضان؟! ماذا سأقدم في رمضان؟! كيف سأستغل نهاره وليله؟! كيف سأضاعف أعمالي الصالحات وسجلات الحسنات؟! كيف سأتميز في رمضان هذا عن رمضان السابق؟! كيف أجدد حياتي وإيماني؟! كيف أقوِّي علاقتي بالله؟! كيف أرضي الله؟ (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار).

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري

إلى الأعلى