الإثنين 22 أكتوبر 2018 م - ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فيض الكؤوس في علاج النفوس

فيض الكؤوس في علاج النفوس

رياضة النفس
الرياضة مشتقة عربيتها من الرضِّ وهو الكسر، وذلك أن النفس اعتادت على اللذة والشهوة، وعلى اتباع هواها والعمل بمقتضاه، وأن يعمل الإنسان بهواها، فهي منجرة قائمة على قلبه، فالإمرة وهي الإمرة بالشهوة، ويحتاج بعد هذا إلى أن يفطمها، قال الله تعالى:(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا) (الشمس ـ 7).
فالنفس آية كبيرة من آياته عزوجل التي حقيقة بالإقسام بها فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة والتغير والتأثر والانفعالات النفسية، من الهم والإرادة، والقصد والحب والبغض وهي التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على هذا الوجه آية من آيات الله العظيمة.
وقوله تعالى:(فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) فبين لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خير، أو شرّ أو طاعة أو معصية، من صلاح أو فساد فهي رهينة ما كسبت، فإذا روضها عن العادة راضت، ولانت ويقال في اللغة راض ورض بمعنى واحد، وقيل في الأخلاق المكسورة راض فهذه النفس إذا فطمتها انكسرت عن الإلحاح عليك ومنازعتك في الأمور التي تميل إلى تحصيلها من ملذات الدنيا ومتاعها، ذلك لأن هذه النفس اعتادت اللذة والشهوة وأن تعمل بما تهوى ،وهي بالعادة تفتر من الطاعات وتستثقلها وتميل إلى الكسل والراحة، فإن كبحت لجامها بالرياضة، هانت وضعفت وبالتالي اتبعتك، وإن استسلمت لها وسعيت في تحقيق رغباتها وما تميل إليه من أمور الدنيا فإنها ستكون متسلطة عليك اتحاداً مع الهوى والشيطان فربما مالت بك إلى ترك الفرائض من العبادات والتفريط في أدائها وتسحبك إلى ما لا يحمد عقباه في الدنيا والآخرة, فتهلك.
فالنفس إذا وجدت طيب اليقين وروح قرب الله وحلاوة اختيار الله عزوجل وجميل نظره لها لم تلتفت إلى تلك الشهوات.
واليقين يوجد بطهارة القلب لأن النفس طاهرة فيتطهر مكانه ومستقره، واليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد وعنه تفاضل العارفون وتنافس المتنافسون وإليه شمر العاملون، فإذا تزوج الصبر باليقين ولد بينهما الإجازة في الدين، قال الله تعالى:(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة ـ 24)، وطهارة القلب تكون بترك ما اضطراب القلب عليه، وترك ما فيه ريب تورعاً، ثم تطهره من الشهوات والعلائق والاشتغال بها ، فعليك أخي المسلم أن تجتهد في ترويض نفسك ما استطعت، واعلم أن الجوع من الرياضات التي تقوي القلب للعبادة وتكسر هوى النفس وتقهر غلبة شهواتها، قال الله تعالى:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة ـ 155)، فبشرهم بجميل الثواب في الصبر على مقاساة الجوع، فكان الجوع من صفات الصفوة من أهل التقوى، فإن أرباب السلوك تدرجوا إلى اعتياد الجوع والامساك عن الأكل، ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع، ولهذا كان الجوع من صفات الصالحين، وهو أحد أركان المجاهدة، وقال يحي بن معاذ: لو أن الجوع يباع في السوق لما كان لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره، وقال: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة وللعارفين مكرمة، وقال الجوع نور والشبع نار، والشهوة مثل الحطب الذي يتولد منه الاحتراق ولا تطأ ناره حتى يحرق صاحبه.
واعلم أن الرياضة للنفس تكون بالتلطف والتنقل من حال إلى حال، ولا ينبغي أن يؤخذ أولا بالعنف ولكن بالتلطف، ثم يمزج الرغبة والرهبة ويعين على الرياضة صحبة الأخيار والبعد عن الأشرار ودراسة القرآن والأخبار، وإجالة الفكر في الجنة والنار، ومطالعة سير الحكماء والزهاد.

موسى بن قسور العامري
كاتب عماني

إلى الأعلى