الإثنين 28 مايو 2018 م - ١٢ رمضان ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (1)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين، وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـيقـول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الـبـقـرة 183 ـ 184).
لـما ذكـر الله مـا كـتـب عـلى الـمـكلـفـين مـن الـقصاص والـوصـية، عـقـب ذلك بـذكـر ما كـتب عـلـيهـم مـن الصـيام، وألـزمـهـم إياه وأوجـبه عـلـيهـم، ولا خـلاف فـيه، قال (صـلى الله عـلـيه وسـلـم):(بني الإسـلام عـلى خـمس: شـهـادة إن لا إلـه إلا الله وأن محمـداً رسـول الله، وإقـام الـصلاة وإيتـاء الـزكاة، وصـوم رمـضان، والـحـج) ـ رواه ابن عـمـر وأخـرجه الـبخاري في الإيـمان.
ومـعـناه في اللـغـة: الإمسـاك وتـرك الـتـنـقـل مـن حـال إلى حـال، ويقـال للــصمـت صـوم، لأنـه إمساك عـن الـكلام ، قال تعالى مخـبرا عـن مـريـم بنـت عـمـران:(.. إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا ..) (مـريـم ـ 26)، أي: سـكـوتاً عـن الـكـلام، والـصـوم: ركـود الـريـح، وهـو إمـساكـها عـن الـهـبـوب، وصـامـت الـدابة عـلى آريـها (الآري: الأخـية، وهـو الحـبـل الـذي تـشـد به الـدابة في محـبسها) (لـسان الـعـرب)، وقامت الـدابة وثـبتت فـلـم تعـتـلـف، وصام النهـار: اعـتـدل ، وصامـت الـشمس حـيث تسـتـوي في منـتصف النهـار، ومـنه قـول النابـغـة:
خـيل صـيام وخـيل غـير صائـمة
تحـت العـجـاج وخـيـل تعـلـك اللـجـما
أي: خـيل ثابتـة ممسـكـة عـن الـجـري والحـركـة، كـما قال امـرؤ الـقـيس بن حـجـر الـكـنـدي:
كأن الـثـريا عـلـقـت في مصامها
بأمـراس كـتان عـلى صـم جـنـدل
أي: هـي ثـابتة في مـواضـعـها فـلا تنـتقـل، وقـول الـشاعـر:
(والـبكـرات شـرهـن الـصائـمة)
يـعـني: التي لا تـدور، وقال امـرؤ الـقـيس:
فـدعـها وسـل الهـم عـنـك بـجـسرة
ذ مـول إذا صام الـنهار وهـجـرا
أي: أبـطـأت الـشمس عـن الانـقـال والـسير فـصارت بالإبـطاء كالـممسكة، وقال آخـر:
حـتى إذا صـام الـنهـا واعـتـدل
وسـال للـشـمس لـعـاب فـنـزل
والصـوم في الـشـرع: الإمـساك عـن الـمـفـطرات مـع اقــران النـية به مـن طـلـوع الـفـجـر إلى غـروب الـشمس، وتمامه وكـماله باجـتـناب المحـظـورات وعـدم الـوقـوع في الـمحـرمات لـقـوله (صلى الله عـلـيه وسـلم):(مـن لـم يـدع قـول الـزور والـعـمـل به فـليس لله حـاجـة في أن يــدع طـعـامه وشـرابه) (أخرجه الـبخاري في الـصـوم).
وفـضل الـصـوم عـظـيـم، وثـوابه جسـيم، جـاءت بـذلك أخـبار كـثيرة في الصحاح، وحسان ذكـرها الأئـمة الأعـلام في مـسانـيـدهـم، ويـكـفـيـك الآن مـنها في فـضل الـصـوم أن خـصه الله بالإضـافة إلـيه، كـما ثـبت في الحـديث عـن النـبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) أنه قال مخـبر عـن ربـه عـزوجـل:(يـقـول الله تـبارك وتعالى: كل عـمـل ابن آدم لـه إلا الـصـوم فإنه لي وأنا أجـزي به) (أخـرجه الـبخـاري في الـصـوم)، وإنـما خـصَّ الـصـوم لأنه لـه، وإن كانـت الـعـبادات كلـها لله وحـده، لأمـريـن بان الـصـوم اخـتص بهـما عـن سـائـر الـعـبادات.
الأولى: إن الـصـوم يمـنـع مـن مـلاذ الـنـفـس وشـهـواتها، مـا لا يـمـنـع مـنه سـائر الـعـبادات، والـثانية: إن الصـوم سـر بـين الـعـبـد وربه لا يـظـهـر إلا له، فـلـذلك صار مخـتصاً به، وما ســواه مـن الـعـبادات ظـاهـر، وربـما عـمـله تـصـنـّعاً ورياء، فـلهـذا صار أخـص بالـصـوم مـن غـيره، وقـيـل: غـير هـذا والله أعـلـم.
قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الـبقـرة ـ 183)، إن الله سـبحانه وتعالى يـبـدأ الآية الكـريمة، بتـرقـيـق الحـكـم الـصـادر مـنه سـبحانه وتعـالى بالـتـكـيـف وتسـهـيـل الأمـر وهـو الـصـيام، فـكأنه سـبحانه وتعالى يـخص الـمـؤمـنـين بالخـطـاب الـتـوددي قـائـلاً:(يا مـن آمنـتم بي خـالـقـاً، مشـرعـّاً رازقـاً معـينـاً لـكـم ومـوفـقـاً لـكـم، لـما فـيه خـيركـم في الـدنيا والآخـرة، وقـد أجـبـتـموني عـلى كل مـا شـرعـته لـكـم، لـقـد كـتبت عـلـيـكـم الـصيام، لـتـتسامى أرواحـكـم وتعـلـو نفـوسـكـم عـن الـركـون إلى غـيره).
وعـنـد ما يأتي الحـكـم مـن الله الـرحـيـم الـودود، لا يـكـون حـكـمـه إلا مـن واقـع الـرحـمة والـمـحـبة الـربانـية، فإذا كـنـت آمنـت به خـالـقـاً رءوفـاً رحـيـمـاً أيـخـامـرني شـك فـيـما شـرع لي أنـه لـمصـلحـتي أنا، فأنـا أثـق بـه فـإذا خـصـني بتـكـلـيـف ظـاهـره فـيه مشـقـة عـليّ، ولـكـن لـو تـدبـرت في عـاقـبـته لـوجـدته يـعـود بـالـفـائـدة لي في الـدنـيا والآخـرة، والله لا يـستـفـيـد مـمـا شــرع لـعـبـاده الـمـؤمنـين.
أخي الـقـارئ الـكـريـم: تـدبـر قـولـه وخـطابه سـبحانه وتعالى:(يا أيـها الـذين آمـنـوا) ألا تـدل عـلى الخـصـوصـية في الخـطاب للـمـؤمـنين، لأن الله تعالى يـعـلـم أن الـتـكـيـف يحـتاج إلى صـدق الإيـمان، مـقـروناً بالـعـزيـمة والـصـبر عـلى تـوطـين الـنفـس للإخـلاص في الـعـمـل والـعـزيـمة وبالـصـبر عـلى الـطاعـة، فـإن خــير الـتـكـلـيف يـعـود عـلى الإنسـان.
قال الـشاعـر:
كم قـد ظـفـرت بـمـن أهـوى فـيـمـنـعـني
مـنه الحـياء وخـوف الله والحـذر
وكـم خـلـوت بمـن أهـوى فـيـقـنـعـني
مـنه الـفـكاهـة والتحـديث والـنـظـر
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر بن محمد الزيدي
كاتب عماني

إلى الأعلى