الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (1)

مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين (1)

عزيزي القارئ .. الصائم: نعيش معاً في رحلة رمضانية .. لنطوف خلال 30 او 29 يوماً عبر موضوع شيق حول (مقامات السالكين الى رضوان رب العالمين) من خلال مقتطفات من بعض المصادر في هذا الجانب .. لعلنا نستقي منها شيئاً من تلك الصفات الجليلة والمقامات الرفيعة .. وننتفع بها في حياتنا العملية ..
(إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك) .. عبارة قرأتها منذ الصغر فتأملتها .. هل أقامك إنساناً مسلماً صالحاً تقياً عابداً .. أم مسلماً عاصياً مغروراً .. أم كافراً ملحداً ضالاً .. هي حكمة بالغة يؤتاها المؤمن عندما يعتقد يقيناً أن القدر الذي كتبه الله له إنما هو انعكاس لحقيقة نفسه ومقامه عند الله .. فيتأمل الأقدار تجري فيه ومن حوله وهو مطمئن البال هادئ النفس .. واثقاً من أن كل قدر يجري عليه هو من حكمة الله عز وجل .. وحكمة الله خير مطلق سواء فهمنا ذلك أم لم نفهمه.
(عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابه ما يحب حمد الله وكان له خير وإن أصابه ما يكره فصبر كان له خير وليس كل أحد أمره كله له خير إلا المؤمن).
ليت العصاة يدركون أن ما يعيشوه من ضنك وكآبة دائمة إنما هو بسبب معاصيهم وابتعادهم عن جادة الصواب .. وأنهم لو استقاموا لفُتح لهم من أبواب الخير الشئ الكثير في الدنيا قبل الآخرة.
المؤمن فقط هو من يجعل هذا الحديث عنواناً لحياته .. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم):(مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) .. (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة).
وأحياناً نسمع إخوة لنا وأخوات ولسان حالهم يقول:(نعرف أناس منكبين على المعاصي مع ذلك الله عزوجل ييسر لهم أمورهم ولا نرى لهم مصائب ولا نكبات (إن أعظم العقوبة ألا يحس المعاقَب بالعقوبة)!.
أفضل ما قرأت رداً على هذا الفهم الخاطئ ما كتبه ابن الجوزي .. واعلم أن من أعظم المحن الاغترار بالسلامة بعد الذنب؛ فإن العقوبة تتأخر، ومن أعظم العقوبة ألا يحس الإنسان بها، وأن تكون في سلب الدين وطمس القلوب، وسوء الاختيار للنفس فيكون من آثارها سلامة البدن، وبلوغ الأغراض .. سبحان الله! أن يكون من آثار هذه العقوبة سلامة البدن وبلوغ الأغراض .. ألا يجب أن يشعرنا هذا بالخوف؟.
اللهم سلّم .. اللهم إنا نسألك التوفيق في القول والعمل .. وها نحن نبدأ مع حضراتكم سلسلة من المقالات التي تدور حول مقامات السالكين إلى رضوان رب العالمين، والتي تدور حول أعمال القلوب التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون الذين يرجون النجاة، ويطلبون المغفرة، ويبحثون عن السعادة.
المقام دليل على الثبات والدوام لأنه لو كان شيئاً سريع الزوال لسمي حالاً وليس مقاماً، فينبغي لأعمال القلوب أن تكون مقامات وليست أموراً عارضة ..(مثال على ذلك: صفرة ثابتة  الذهب، صفرة المرض بينهما، صفرة الخوف والوجل  سريعة الزوال) ..
أعمال القلوب أشياء دائمة ثابتة ومقامات الخوف والحياء من الله والإخلاص دائماً موجود لأن بعض الناس مع الضعف تكون لديهم أحوالاً وليست مقامات، والمطلوب أن يكون عليها مقيماً وثابتاً دائمة وليست حالاً يزول ويحول!.
وأعمال القلوب اهتم بها العلماء فصنفوا فيها المؤلفات، وابتدؤوا أعمالهم بالتذكير والحث عليها. أعمال القلوب تحتاج إلى مجاهدة وعناية، وبما أن النجاة مدارها على أعمال القلوب بالإضافة إلى أعمال الجوارح التي لابد أن تأتي إذا صحّت أعمال القلوب.
ولأن أعمال القلوب لها أهميتها فسوف نفرد لها الصفحات التالية، ونبدأ فيها ببيان أهميتها ذلك أنها من أصول الإيمان, وقواعد الدين, مثل: محبة الله ورسوله, والتوكل على الله, وإخلاص الدين لله والشكر له, والصبر على حكمه, والخوف منه, والرجاء له , وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق باتفاق أئمة الدين.
(أعمال القلوب هي الأصل, وأعمال الجوارح تبع ومكملة, وإن النية بمنزلة الروح, والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء, الذي إذا فارق الروح فمواتٌ, فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح).
(فليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه , ويطمئن به , ويتنعم بالتوجه إليه إلا الله سبحانه وتعالى ـ ومن عبد غير الله ـ وإن أحبه وحصل به مودة في الحياة ونوع من اللذة – فهو مفسدة لصاحبه أعظم كمن يتلذذ بأكل الطعام المسموم).
(للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة, وموقف بين يديه يوم القيامة, فمن قام بحق الموقف الأول, هون عليه الموقف الآخر, ومن استهان بهذا الموقف, ولم يوفه حقه ـ شدد عليه ذلك الموقف).
(من لم يكن وقته لله وبالله, فالموت خير له من الحياة, وإذا كان العبد وهو في الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عقل منها, فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله).
(وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد, فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة التي لم يجيء بها الرسل, فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه , وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب ؟! فالرسل أطباء القلوب, فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم, وعلى أيديهم, وبمحض الانقياد والتسليم, وهذا الذي سقناه هو جملة من أقوال العلماء الذين بينوا أهمية أعمال القلوب) .. وسوف نبدأ بأول هذه الأعمال وأخصها وهو:(الإخلاص).

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذوالنورين ـ الغبرة الشمالية

إلى الأعلى