الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م - ١٠ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سعة رحمة الله

سعة رحمة الله

الرحمة من الكلمات الجميلة التي يرتاح لها القلب وتحبها النفس وتصفو إليها المشاعر النقية .. وكلمة الرحمة التي تطلق في اللغة على الرأفة والرقة والعطف والإحسان ولين الجانب، يقول الله تعالى في سورة آل عمران:(فبما رحمةٍ من الله لِنتَ لهم ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله، إن الله يحب المتوكلين).
فبسبب رحمة عظيمة فياضة سكبها الله تعالى في قلبك أيها الرسول الكريم كنت ليناً مع أصحابه رؤوفاً بهم عطوفاً عليهم فأحبوك حباً يفوق حبهم وأنفسهم ولو كنت جافياً خشن الجانب قاسياً في أقوالك وأفعالك لا تتأثر بأحوال من أرسلت إليهم لتفرقوا عنك ولنفروا منك ولكرهوا اللقاء بك نضراً لتبلد الحس وغلظ القلب وتحجز المشاعر وهي صفات قبيحة تدل على تغلغل الانانية في نفس صاحبها لأنه يحتكر الخير لنفسه ويهمل التفكير فيما سواه.
وقد ذمَّ الله تعالى من قست قلوبهم ذمَّاً شديداً، قال تعالى:(ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق) أي: لقد آن الآوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من قرآن كريم على رسولهم (صلى الله عليه وسلم) وآن الأوان أيضاً ألا يكونوا كالذين أوتوا كتاب من قبلهم حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون في الشهوات والملذات فقست قلوبهم وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترتيب ولا تفرق بين الحلال والحرام وأصبح كثير منهم فاسقين عن أمر الله تعالى خارجين عن كل فضلية، فالآية الكريمة تشير إلى عن قسوة القلب الرذيلة عليها وسببها الفسوق عن طاعة الله تعالى، وفي الحديث الشريف أبعد الناس من الله تعالى القاسي القلب والرحمة هي فضيلة سامية وصفة إنسانية عالية تشهد لصاحبها بالنبل والمروءة والنقاء لأنه يشعر بالآلآم غيره ويشعر مساعره ويسهم في معاونته ويسعى في إزالة الضرر عنه، وفي الحديث الشريف: (الراحمون يرحمهم الله تعالى إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وفضلية الرحمة في أفقها الأعلى وفي شمولها المطلق صفة من صفات الله رب العالمين، ولفظ الرحمن الذي وسعت رحمته كل شئ، ولفظ الرحيم الذي لا تنقطع رحمة لحظة عن خلقه من أسماء الخالق عزوجل، وهذان اللفظان قد تكررا في القرآن الكريم عشرات مرات وتفتتح قراءتنا بقوله تعالى:(بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم) أي: الواسع الرحمة مع دوامها واستمرارها.
وقد وصف سبحانه وتعالى ذاته بأنه أرحم الراحمين في آيات متعددة، منها قوله سبحانه: (فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين)، وقوله تعالى:(وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)، وقوله عزوجل على لسان موسى ـ عليه السلام:(قال رب اغفر لي ولأمتي وأدخلنا في رحمتك فأنت أرحم الراحمين)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزاء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه).
ولقد وصف الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم) بأنه رحمة للعالمين، فقال:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وما أرسلناك أيها الرسول الكريم بهذا الدين الحنيف وهو دين الاسلام إلا من أجل أن تكون رحمة للعالمين من الإنس والجن وذلك لأننا قد أرسلناك بما يسعدهم في دينهم وفي دنياهم وفي آخرتهم ممن اتبعوك واستجابوا لما جئتهم به وأطاعوك فيما تأمرهم وتنهاهم عنه، وفي الحديث الشريف:(إنما أنا رحمة مهداة)، فرسالته (صلى الله عليه وسلم) رحمة في ذاتها ولكن لكونه الرحمة انتفع بها من استجاب لدعوتها، أما من أعرض عنها فهو الذي ضيّع على نفسه فرصة الانتفاع، فلقد سكب الله تعالى في قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من العلم والحلم ومن الإيناس والبر ومن الرأفة والرفق ما جعله أزكى عباد الله رحمة وأوسعهم عاطفة وأرحبهم صدراً، ولقد لازمته هذه الرحمة حتى في أشد المرابطين وفي أحرج المواقف وفي أعنف عدوان من المشركين عليه .. لقد آذاه السفهاء أذى شديداً حتى قذفوه بالحجارة التي أذت جسده الشريف وحاولوا إغتياله في غزوة أحد، وقيل له: يا رسول الله ادع عليهم، ولكنه (صلى الله عليه وسلم) تغلبت عليه رحمة فكان دعاؤه:(اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون) فقال له: جبريل صدق من سماك الرؤوف الرحيم، ولقد دعا (صلى الله عليه وسلم) أتباعه إلى الرحم العام فيما بينهم وجعله بين علامات صدق الإيمان وسلامة الوجدان وطهارة المشاعر، ففي الصحيحين عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وفضيلة الرحمة لا تعارض مع التأديب الواجب أو مع العقاب العادل الرادع لان الخالق عزوجل وهو أرحم الراحمين هو الذي شرع العقوبات العادلة لصيانة نفوس الناس ولصيانة أموالهم وأعراضهم ولو ترك الناس دون حساب على جرائمهم وأخطائهم لعمت الفوضى ولساد الفساد في الارض، وفي سنن أبي داود والترمذي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء شيخ كبير يريد النبي (صلى الله عليه وسلم) فأبطأ القوم عنه أن يوسعوا له، فقال (صلى الله عليه وسلم):(ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) .. هذا والله أعلم.

حامد مرسي
إمام مسجد بني تميم بعبري

إلى الأعلى