الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى : نادين جورديمر ستبقى في وجداننا

رؤى : نادين جورديمر ستبقى في وجداننا

حين أبلغتني الممرضة الشابة بأن زوجتي وضعت طفلة، سألني صديقي المخرج المسرحي الدكتور مصطفى حشيش الذي كان يرافقني هو وزوجته في تلك الليلة بمستشفى خولة: ماذا ستسميها ؟ وقبل أن أجيب أجاب هو: ناردين ، اسم إغريقي لنبات عطري يستخدم في الزينة، ما رأيك ؟ فقلت بعد لحظة من التفكير: موافق، لكن مع تعديل طفيف، فقط حذف حرف الراء، نعم لتكن نادين، إن لم يكن لزوجتي رأي آخر، ولم يكن لزوجتي رأي آخر، لكنها سألتني: لماذا نادين ؟ فقلت: في العام الماضي حصلت كاتبة جنوب إفريقية على جائزة نوبل، هذه الكاتبة هي نادين جورديمر،
نظرت إلي بحيرة وقالت: لكنني لم أسمع عنها، هل قرأت لها شيئا ؟ قلت: للأسف لا، إلا أن إعجابي بها يرجع لشيء آخر، إنها مناضلة !
والحقيقة أن هذا يعنيني كثيرا، أن يكون المثقف صاحب موقف، هذا يؤطر مشاعري نحوه ،أهيم به إعجابا وعشقا إن كان صاحب رؤية يفصح بها داخل كتاباته وخارجها، تجاه المجتمع والسلطة والعالم، وأشيح عنه إن نحى بوصلته جانبا وضبط قرون استشعاره على مؤشر بوصلة أخرى، بوصلة السلطة مثلا، حتى لو اتسمت كتاباته بالعبقرية الأدبية، بداخلي هذا لا يكفي لأن أمنحه كقارئ، كإنسان، حبي
ألهذا لا أبدي كمواطن عربي حماسا كبيرا لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ ؟ نعم، هو شيخ الرواية العربية، ومنذ صباي، وهذا حال كل الستينيين مثلي ذابت روحي في رواياته وأفلامه السينمائية، لكن مواقفه السياسية بدت ضبابية عن سبق إصرار وترصد كما يخيل لي، إلا أن دراويشه، ومنهم من لا يكفون عن الطنطنة حول المثقف الدور، يتحايلون على هذا الأمر بقولهم: إن مواقف نجيب محفوظ السياسية عبر عنها في أعماله الروائية! أهذا يكفي ؟
من وجهة نظر نادين جورديمر لا يكفي، فهي أيضا عبرت عن مواقفها السياسية في رواياتها، لكن خارج الصفحات كانت أيضا شعلة من النضال ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وكثيرا ما نددت بسياسات الأبارتهيد العنصرية ضد السود، وانضمت لحزب المؤتمر الذي قاد النضال ضد النظام العنصري، ودعمت الزعيم الراحل نيلسون مانديلا في فترة سجنه، وساندت، بل التحمت مع السود في نضالهم ضد الحكومة العنصرية.
والمدهش أن أولى محاولاتها القصصية كتبتها دون أن تبرح سن التاسعة، وكان موضوعها مداهمة الشرطة لمنزل خادمتها السوداء!
أولى رواياتها التي نشرت كانت “تعالي غدا ثانية” كتبتها وهي في الخامسة عشرة، وآخر أعمالها روايتها “لا وقت كالوقت الحاضر” والتي نشرت عام 2012، وما بين العملين ثلاثون رواية ومجموعة قصصية تنضح بمعاناة الشطر الأسود من شعبها من سياسات التمييز العنصري، ومنع العديد من أعمالها الروائية من التداول في جنوب إفريقيا مثل “عالم من الغرباء” و”ابنة بيرجر” ونظر النقاد إليها باعتبارها فيلسوفة أخلاقية جسدت رواياتها وقصصها القصيرة معاناة الحياة والمشاعر الانسانية في مجتمع كانت تحكمه أقلية من البيض، أما موضوعات قصصها فتنوعت ما بين الحب والكراهية والصداقة تحت ضغوط نظام الفصل العنصري الذي انتهي في عام 1994 ليصبح نلسون مانديلا أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا.
ورغم ما تعرضت له من مضايقات لنضالها ضد الحكومة العنصرية إلا أنها رفضت ترك بلادها، وما أكثر المفارقات في حياة نادين جورديمر، لقد أخرجتها أمها من المدرسة وهي طفلة صغيرة اعتقادا بأنها تعاني من قصور في وظائف القلب، وأن الجهد المدرسي يعرض حياتها للخطر، فارتضت بالتعليم المنزلي، وواظبت على التوجه إلى المكتبات، تقرأ وتكتب، وبدا وقبل أن تبرح سنوات الطفولة أن هذا قدرها، أن تكون كاتبة، وبدا وفي ذلك السن المبكر جدا أن هذا أيضا قدرها، أن تكون مناضلة، فغالبية محاولاتها القصصية الأولى كان محورها الظلم الذي يتعرض له السود على أيدي السلطات العنصرية، ومنها قصتها التي كتبتها في التاسعة عن مداهمة الشرطة لمنزل خادمتها. والمدهش أن نادين جروديمر التي خشت عليها أمها من الموت مبكرا بسبب قصور في وظائف القلب عمرت حتى التسعين، وعمٌرت وجدان البشرية ليس فقط بكتاباتها الجميلة، بل بما لا يقل أهمية بمواقفها الصلبة العظيمة ضد من يجورون على حق الانسان في الحياة الحرة الكريمة.
ومن المفارقات الأخرى أن “نادي جورديمر” يهودية، تنتمي لأسرة برجوازية، أب يهودي وأم إنجليزية، لكنها ناصرت الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال الإسرائيلي،
وبدا هذا جليا في الكثير من المناسبات سواء داخل بلادها أو خارجها، ففي عام 1988، كانت جورديمر تشارك في مؤتمر للأدب العالمي في الصين، وأرادت الوفود العربية تضمين البيان الختامي بندا حول الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، لكن الوفود الأخرى رفضت الاستجابة للاقتراح العربي، إلا نادين جورديمر وقفت مع الوفود العربية، مطالبة بجلاء اليهود وحق الفلسطينيين في أراضيهم، وحين شاركت الكاتبة الكبيرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2005 طالبت خلال إحدى الندوات بجلاء اليهود عن فلسطين، وحق الشعب الفلسطيني في أرضه، وقالت: إنها تؤمن بذلك الحق وإنها لا تمل من مساعدة القضية الفلسطينية بكل وسعها. هل يبدو في موقف جورديمر شيء من المفارقة ؟ أنها يهودية، ومع ذلك تناصر الشعب الفلسطيني في نضاله المشروع ؟
هذا هو حال العظماء من المثقفين، لا تقيدهم ثقافة الجلد، بل تحركهم ضمائرهم، حتى لو تعارضت مواقفهم مع انتماءاتهم العرقية أو الدينية، وهذا ما فعله أيضا عالم اللسانيات المفكر العظيم نعوم تشومسكي، فيهوديته لم تمنعه من أن يناهض السياسات القمعية والعنصرية التي تواجه بها إسرائيل طموحات الشعب الفلسطيني في أن ينعم بحياة حرة كريمة في دولته الفلسطينية ذات السيادة، ولا يكف عن مهاجمة ساسة بلده ـ الولايات المتحدة ـ لدعمهم للدولة اليهودية، وهو الدعم الذي يمثل دافعا لساساتها كي يواصلوا تعنتهم وقمعهم للفلسطينيين . والآن، وقد انتهيت من سطوري تلك، تتملكني رغبة جامحة في أن أعود إلى قراءة ما كتبت لأدخل تعديلا في اسم نادين جورديمر ليصبح “ناردين”، فلقد كانت خلال حياتها الحافلة وستظل حتى بعد رحيلها في 14 يوليو الحالي نبتة تفوح في حياتنا بعبق القيم الجميلة التي ينبغي أن يكون عليها المثقف.

محمد القصبي

إلى الأعلى