الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / وحان رحيل الشهر الفضيل

وحان رحيل الشهر الفضيل

د جمال عبد العزيز :
• تعلمنا من دروسه معنى الرقابة الذاتية، وسمو العلاقة بين العبد وربه
• كانت هناك حركة علمية كبيرة ونشاط دعَوي غير عادي لا نكاد نراه في غيره
• علَّمَنا رمضان أن نواسيَ الفقير، ونمسح دمعة المسكين ، ونرحم المحتاجين
• رحماك يا ألله على فراق الشهر الفضيل،قد دميت العيون ، بعد سكب المقل الدموعَ
قال الدكتور جمال عبد العزيز أحمد الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة : إن رمضان جاءنا فأسعدنا ، وحل منا محل الإجلال والتكريم،ونزل منا منزلة المحَبِّ المكرَم،وعاش معنا شهرا كاملا ، يعلِّمنا ويبصِّرنا ويتحفنا بدروسه وقيَمه ، وعظاته وأخلاقه، غدوا ورواحا، مساء وصباحا، نَعُبُّ من خيراته، ونَعُلُّ من نميره ، وفيوضاته، وكان لنا خيرَ المعلمين ، وأخلص المدرسين،وأصدق الواعظين، تعلَّمْنا منه معنى الوحدة في بدء الصوم معا وانتهائه معا
وأوضح أننا تعلمنا من الشهر الفضيل الصبر والتحمل، والتجلد والتجمل، وتعلمنا من دروسه معنى الرقابة الذاتية، وسمو العلاقة بين العبد وربه،وحًسْنِ المراقبة، فما نظرنا إلى حرام، وما تطرقنا إلى ما لا يحل لنا،ولا مددنا أيدينا إلى ما ليس لنا، ولما كان البابُ يُغلَق علينا وحْدنا في لهيب الشمس المحرقة ، ونفتح ثلاجاتنا ، ونرى الماء المبرَّد ودخانه يصادف وجوهنا عند فتح الثلاجة لم نكن نسارع لنعُبَّ منه؛ لأن الله مطلع علينا ، رقيب لتصرفاتنا ، فمع شدة القيظ ، وجفاف الحلق لكنَّ رطوبة الإيمان تحول دون معصية الرحمن ، فرِضَا الله غايتُنا، ورُحماه مقصدُنا.
وأشار د جمال إلى أن الواحد منا يمشي إلى المسجد كل يوم خمس مرات، يسمع الأذان إما في المسجد، وإما في طريقه إليه، وكنا نسارع بإدراك الصلوات الخمس في الصف الأول خلف الإمام ، وندرك السنة ، ونزيد في النوافل لعلها تجبر الكسر، وتصلح الشرخ الذي حدث في الطاعات، وكنا ننتظر بعد الصلاة ، لا نتعجل الخروج ؛ لنتم الصلاة بإتمام ختامها بالتسبيح والتحميد والتكبير، والدعاء بالقبول ، وكنا حريصين على صلاة الضحى ، وكنا نجلس في المسجد بعد الفجر إلى طلوع الشمس ، ذاكرين مسبحين حامدين ، تالين للقرآن ، ثم نصلي ركعتين بعد ذلك حتى ننال ثواب عمرة تامة تامة، وكنا نتسابق إلى صاة القيام والتهجد، ونطيل الوقوف، ونتملى التلاوة ، والإمام يعرض علينا شرائح الأمم صالحها وطالحها ، ونرى عواقب الطائعين ، ومآلات المفسدين ، وكنا نستمتع بالتلاوة كل يوم قرابة الساعة، ثم نعود فننظم يومنا بين عمل وطاعة، بين أداء واجب نعمله، وذكر وحمد وشكر وصدقة وبر وصلة وصلوات نقوم بها لله رب العالمين ، ما كنا نسكت عن فعل الخير طوال يوم الصيام ، نتنافس في الخيرات ، ونتسابق في الصلوات والدعوات ، وهاتيك التلاوات ، آناء الليل وأطراف النهار، ويطمئن بعضنا على بعض في ذلكم التنافس وهذا التسابق، ويوقظ بعضنا بعضا للتسحر، والاستعداد للفجر ، وبدء يوم طاعة جديد، كنا نتواصل مع أقاربنا ، وجيراننا ، وأصدقائنا في كل معلومة تنفع المسلم الصائم ، أو إرسال كتابٍ في تفسير القرآن الكريم ،أو بيان مواطن الإعجاز ، ومناحي البلاغة القرآنية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال : كنا نسارع في خدمة من يحتاج منا إلى خدمة ، ونساعده بكلتا ساقَيْنَا، ونبذل جهدنا في راحته، وكنا نسمع دروس العلم في المساجد يوميا في القيام، وبعد العصر، ونتناقلها بيننا صوتًا أو كتابة، وكانت هناك حركة علمية كبيرة، ونشاط دعَوي غير عادي، لا نكاد نراه في غير رمضان، وكنا نرى جهدا صادقا يجمعنا ولا يفرقنا ، ونمضي من مسجد إلى مسجد ننوِّع أيام القيام بالتالين للقرآن، ونتجول في بيوت الله سماعًا لدروس العلم ، وحضورا لسماع القرآن في جلسات تعليم التجويد، ونقابل الناس ونسلم عليهم ، ونتعرف عليهم ، فزادت معارفنا في رمضان ، وتقاربت القلوب ، وتعانقت الأفئدة، وكنا نطالع المقالات الدينية، أو نكتبها ليستفيد منها غيرنا ، ويشاركونا فرحة الصيام وفهم القرآن ، ويذكِّر بعضنا بعضا بوجوب استغلال نهار رمضان وليله ، وألا يضيع أحد منه أي ساعة إلا في طاعة الله – جل في علاه -، ويدعو بعضنا لبعض متواجهين أو متفرقين ؛ لأننا شعرنا بأننا جسم واحد ، توزع في أجساد كثيرة، لكنها ذات قلب واحد ، وعقل واحد، وفكر واحد ؛لأننا نتبع الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم-، ونعبد الله الواحد الأحد،
وبين أن نية الاعتكاف كانت موجودة دائما في أذهاننا ، ونحن ندخل بيوت الله ، فننوي الاعتكاف ولو مدة الصلاة ، وانتظارها حتى ختام الصلاة،وكنا نشعر بمعنى الحديث الشريف :” سبع يظلهم الله في ظله…” إلى أن قال:” ورجل قلبه معلق بالمساجد أو في المساجد”، علَّمَنا رمضان أن نواسيَ الفقير، ونمسح دمعة المسكين ، ونرحم المحتاجين ، ونقدم العون للمحاويج المعاويز الأعِفَّاء:” يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف”، تعلمنا ذلك ووعيناه من من فريضة زكاة الفطر التي هي حق للفقير ، ومفروضة على الغني حتى تطهِّر صيامه من اللغو والرفث، وتكون طعمة للمساكين، تعلمنا كذلك أن الحرمان الذي كنا فيه طوال اليوم يعانيه الفقير طوال العام فعاهدنا الله أن ننظر للفقير نظرة رحمة طوال العام، وألا ننساه حتى يأتي رمضان، لكن نسارع بمواساته، وجبر خاطره ، وتلبية حاجاته
وقال : مما تعلمْناه من الشهر الفضيل الذي حان منه الرحيل ، أن نتواصل وأن نتعاون ، وأن نتكاتف سواء في القيام ، أو في التهجد ، حيث سكون الليل والصفاء، وترك زينة الدنيا ، وصخب الحياة إلى التشرف بالذهاب إلى بيوت الله ، نقف بين يدي الله، ونستمتع بسماع القرآن الكريم كاملا بأصوات طيبة لا تُمَلُّ ، وكنا نتواصل بكل ألوان التواصل ، ونتراءى كذلك عبر وسائل التواصل، ولم نتكاسل عن إعانة بعضنا بعضا، وتقديم الخير للناس ، والمعرفة الحقيقية بحقائق هذا الدين، نسعى للتلاقي ، ونجتهد في تمتين أواصر التآخي، وكلنا يحدوه الأملُ في تقديم معلومة هنا ، وفكرة تخدم في طاعتنا لله هناك ، ونتنافس في التسبيح وختم القرآن والتلاوة ، وعدد الختمات مع التدبر،ونتراسل من أول يوم في رمضان ، ونتحدث حول أحكام الصيام ، وآدابه، وفضائله، وجوائز الرحمن في ليالي رمضان ، ونتحدث عن غزوة بدر الكبرى ، ثم فتح مكة ، ونحلل الآيات ، ثم دخلنا في الاعتكاف ، وأحكامه ، وأحكام الخروج منه والدخول فيه، وجاءت ليلة القدر، فتوقفنا كثيرا حول تفسير السورة ، وما بها من قيم ودروس ، وما بآياتها من بلاغة وجمال وكمال وجلال، وما الذي علينا فيها إنْ أدركناها ، وكنا نعد الأيام عدًّا ، فتنتهي عشر الرحمة ، فنحزن ، وندخل في عشر المغفرة فنسعد ، ثم تنتهي عشر المغفرة ، فنحزن القلب ، ثم ندخل في عشر العتق فنتذلل إلى الله حتى يعتقنا .
وقال د جمال : هاهو ذا رمضان الكريم قد آذن بلاسفر، وحان منه الرحيل ، ولملم حقائبه ليصعد بأعمالنا إلى الله العلي الكبير، فأواه يا رمضان ، ورحماك يا ألله على فراق الشهر الفضيل،قد دميت العيون ، بعد سكب المقل الدموعَ ، وارتجف القلب ، ووجب الفؤاد وجلا من هول الفراق، كيف يفارق حبيبٌ حبيبَه ، وقد أخلص له الود ، وأَكَنَّ له كل الحب ، وعاش معه ، وفيه ، وبه ، وله يسعد بلقاه ، ويتغنى برؤية محياه ، فيا ألله يا ألله ، ارحم قلوبا أحبَّتْ، وأفئدة ذابتْ، وأجسادا شَفَّها الودُّ، لهذا الشهر ، فأبقها لرمضان آخر، ولا تحرمها العيش في ظلال أزمنة الطاعة، وأوقات القبول، أوَّاه يا رمضان على الرحيل الطويل.
وختم د جمال لقاءه بالدعاء والابتهال إلى الله تعالى قائلا : اللهم تسلَّمْ منا رمضان ، وسلمنا لرمضان ، وأبقنا حتى ندرك رمضان من قابل العام، وارزقنا القبول يا خير مأمول ، وأكرم مسؤول، وأبقنا إلى رمضانات عديدة ، في سنوات مديدة ، وتقبل منا يا ربنا يا كريم يا عظيم واشملنا بالعفو والرعاية، والرحمة والعناية ، والتوفيق والهداية، اللهم لا تحرمنا عطاءك ، وأنزل علينا نعماءك، وتغشَّنا برحماتك ونفحاتك وفيوضاتك ، واكتب لنا رضاك ورحماك يا رب رمضان ، ورب كل الشهور تُبْ علينا يا غفور، وتقبل طاعتا يا شكور، واجعلنا من المقبولين ، واكتبنا في المخلصين ، اللهم لا تجعلْ لنا رجاءً إلا حققته، ولا دعاءً إلا أجبته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا فيها نفع وصلاح إلا يسَّرْتَها بجودك وكرمك ، وعطائك ومَنِّكَ يا أكرم الأكرمين، وأفضل المسؤولين ، والحمد لله على نعمة رمضان، ونعمة التوفيق في رمضان ، وعلى نعمة الإسلام ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

إلى الأعلى