السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / يا الله.. ما لهذه الأمة.. تغرق في دمها ومآسيها؟!

يا الله.. ما لهذه الأمة.. تغرق في دمها ومآسيها؟!

علي عقلة عرسان

غزة في الحصار، بين ماء مالح ورمل وجدار عار، وسيول نار.. والقدس تُهوَّد، وفلسطين تؤكَل قرية قرية وحيًّا حيًّا وموقفا موقفا، والعواصم العربية قواصِم، لا تعصِم ولا تتآلف ولا تحمي، بل تتواكل وتتآكل، وثروات الأمة العربية تُنهب، وأبناؤها يُقتلون ويُشرَّدون، وتسودُّ في عيونهم الدنيا، ويتوهون في الدروب، وتغلَق أمامهم الآفاق.. والقادة في أرضنا سادة في الأعالي، وسَدَنة للخلاف والشقاق لا يُشقُّ لهم غبار، ومن يريد منهم قهر أخيه ومواطنيه يحتمي بأعداء الأمة ويستعديهم عليها.. وشعوبنا تحتسحها الضائقات، وتتناهبها المَهاوي.. يا الله..

أكثر من مئة شهيد، وأكثر من عشرة آلاف جريح ومصاب في غزة، خلال مسيرة العودة الكبرى.. وغزة تدخل شهر رمضان اليوم، وهي تعيش الفَقد والحزن والخذلان العربي لها، وتغرق في الدم والغم والهم، بين البحر والرمل، ونيران جيش الذبح الإسرائيلي المتوحش الجبان، المجرد من الأخلاق والقيم.. وغزة تعاني من خذلان أمتها العربية لها.. بل وهناك من يحمِّلها، ويحمل المقاومة فيها، مسؤولية الدّم الذي أريق، والإصابات التي وقعت في صفوف أطفالها وشبابها.. ومَن يضع تحرك الشعب فيها نحو جدار العار الصهيوني، دفاعا عن القدس والأقصى، وإحياء لذكرى النكبة، وتذكيرا بحق العودة.. هناك من يضع ذلك تحت عنوان سياسي، فاسد.. في مناكفات سياسية لا تليق بنضال الشعب الفلسطيني وشهدائه، ولا بالمناسبة التي تم فيها هذا التحرك، من شعب خنقه الحصار الفتاك، المستمر منذ عشر سنوات.
عجبا لأمة تخذل شعبها، وحقها، وقضيتها، وشهداءها، وتتواطأ مع أعدائها.. وعجبا لعالم يطالب المتظاهرين الفلسطينيين المسالمين بضبط النفس، ويضعهم في سياق تلك المطالبة، في موقع واحد مع مَن يطلق عليهم الرصاص الحي، وقذائف المَروحيات القتالية، ويقنصهم كما يقنص الصياد الطيور والطرائد؟! وعجبا لمنطق دولة عُظمى، فقدت كل صلة بالمسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية والإنسانية، عن العدل والسلم والأمن، وتجردت من المنطق، والحس الإنساني السليم، وتلغ في الدم الفلسطيني البريء بالتواطؤ والتحريض وحماية الوحوش القاتلة.. دولة عُظمى هي الولايات المتحدة الأميركية، ترعى إرهاب دولة الإرهاب الصهيونية العنصرية “إسرائيل”، وتعطل قرارا يقول بالتحقيق في حدث، سقط فيه عشرات الشهداء، وأكثر من عشرة آلاف جريح ومصاب.. بنيران قَتَلة لم لم يُصب أيٌّ منهم بخدش، وقتلوا متظاهرين مسالمين، يطالبون بحقوقهم.. وتقول عن أولئك القتلة الوحوش “من حقهم أن يدافعوا عن أنفسهم؟!” إن دولة تفعل ذلك علنا، وفي مجلس الأمن الدولي، لا تستحق أن تكون في ذلك المجلس الذي يعمل وفق ميثاق الأمم المتحدة، ويحرص على الأمن والسلم الدوليين، وينصر العدل، ويقف ضد الاحتلال والعدوان، ويُعنَى بتطبيق القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني. إن الولايات المتحدة الأميركية، فقدت المصداقية، والأهلية، لتكون في هيئة دولية ذات أهداف تتطلب النزاهة، والمنطق، والتوازن.. لا سيَّما، في عهد رئيسٍ لها: قُلَّب، عدواني، شره لما بأيدي الآخرين من مال وثروات، ويستخدم القوة بعماء، ويستثمر في الإرهاب وينصره.
غزة في الحصار، والجنازات، والجراح.. ويحملونها مسؤولية معاناتها وجراحها.. لماذا؟ عجبا لماذا لا يحملون القاتل مسؤولية الجريمة التي ارتكبها، ويحملون تلك المسؤولية للضحية؟! وما الذي كان على غزة أن تفعله؟! هل كان عليها أن تسلم للاحتلال العنصري الصهيوني: رقابَ مناضليها، وسلاحهم، وأفراد عائلاتهم، وأن تعلن اعترافا غير مشروط بيهودية دولة “إسرائيل”، وبحقها المطلق في فلسطين كلها، وبالقدس عاصمة لها، وبالأقصى دارا مستباحة للصهاينة الهمج العنصريين، وأن تتنازل عن حق العودة، وتلغي كل تذكر وذكرى لما حل بالشعب الفلسطيني من نكبة مستمرة منذ سبعين سنة، وأن تحارب كل من يعلن إسلامه، أو “إسلاميته”، وتلاحقه بوصفه إرهابيا..؟! هل كان عليها أن تفعل كل ذلك، لكي يقبل بها العدو الصهيوني وصنوه الأميركي “رهينة” تحت الحصار، بين البحر والصحراء وجدار العار وإطلاق والنار.. وأن تبقى في تلك القيود، إلى ما شاء اليهود من زمن وإذلال؟! هل عليها أن تفعل ذلك كله، لكي ترضي بعض العرب، وليرفع بعضهم رؤوسا، أمام “من سلموهم زمام أمورهم، من أعداء الأمة والدين/الإسلام”؟!.. لأنهم ساهموا في إجبار غزة، والشعب الفلسطيني، على الاستسلام التام.؟! لا.. لا يمكن أن يحصل هذا الذي حصل في غزة خاصة، وللشعب الفلسطيني عامة.. لا يمكن أن يحصل في أي بلد، ومع أي شعب، وفي أي زمن، ووفق أي منطق ومقياس.. وأن يُواجَه، بمثل ما ووجِه به الغزاويون خاصة والفلسطينيون عامة. ومن يتعامل مع هذه الوقائع، أينما حدثت، بمثل هذا التعامل الذي كان مع الفلسطينيين، ويتخذ منها مثل هذه المواقف.. سواء أكان من الأقربين للمستَهدَفين، أو من الأبعدين عنهم.. لا يمكن أن يُعدَّ إلَّا متواطئا أو مجردا من أهلية سليمة. على المستوى الوطني والقومي والإنساني. من يفعل هذا يدخل في الجريمة، ومن يسكت عليه يشجعها، ويعطي القوة السلطة والشرعية والحق والعدل.. ولا يمكن أن يكون هذا في عالم التمدن الإنساني، بل في عوالم التوحش والانحطاط.. الذي نلمسه كل يوم في ممارسات الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين، وضد من يعتدي عليهم، ويستفزهم، مدعوما بالقوة الأميركية العمياء.. وهذا، في نهاية المطاف، تآمر على الضحية. وتدمير للعدل، وهدم لكل مبدئ إنساني وقيمة أخلاقية، وتخريب للسياسة، ونزول بمستواها، وتضمينها إفلاسا ماحقا، لأن الدول المسؤول عن سَوْس الناس، ومراعاة شؤونهم، والارتفاع بمستوى تفكيرهم وحياتهم، تقوى وتدوم بالحكمة والعدل، وليس بتدمير العدل والعقل.
وبنظرة إلى الحدث الغزاوي الفاجع، وكارثة الحصار المستمرة، وعلى صعيد آخر، في داخل البيت العربي.. نسأل عن الأمة العربية أين هي، مما حدث ويحدث في فلسطين خاصة، وفي غيرها من الأقطار العربية عامة؟! أين هي من أبنائها، ومستقبل أجيالها، ومن حقوقها، ومقدساتها، وقضاياها، ومن معاني الوجود والكرامة لديها، ومن هويتها وعقيدتها..؟! إنها غائبة فعلا أو مغيَّبة في تفاصيل التفاصيل الخلافية، وتتشرنق أقطارها، ويضيق مدى كل منها، وتضيق رؤاه.. وإنها، “للإنصاف؟!”، حاضرة في المراسم المتأخرة عن الأحداث، تلك المراسم التي أصبحت تُقام لرفع العَتب، أو لتسجيل كلام، بعد فوات الوقت، ويدخل بعضه في أبواب العَجَب. فبشأن ما حصل لغزة وأهلها، في أثناء مسيرة العودة الكبرى والانتصار للقدس عاصمة لفلسطيت وليست لإسرائيل.. اتخذ اجتماع عتيد، وزراء الخارجية العرب، قرارا في اجتماعه يوم ١٧/ أيار/مايو، أكد على المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، تحقق بما جرى على حدود القطاع.. وجاء ذلك، وهم يعلمون يقينا، بعد أن عطلت إدارة ترامب هذا المَطلب، بوقاحة متناهية، بالفيتو، يوم ١٦ أيار/ مايو ٢٠١٨؟! حيث أبطلت صدور بيان تقدمت به الكويت، تضمن “إجراء تحقيق دولي شفاف مستقل في المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، ومحاسبة مرتكبيها”.. فمن أية جهة دولية، تراهم، طلبوا طلبهم ذاك؟! أمن الهيئة العامة ومجلس حقوق الإنسان ومن غيرهما من المؤسسات الدولية التي لا تملك ظلا لقرار ما؟! وهل كان الوزراء العرب ليتخذوا مثل هذا القرار أصلا، لو لم يتقينوا أن الثنائي “ترامب ـ نتنياهو” يرفضه؟! إنني أذهب إلى أبعد من الشك بذلك.. لأنه على الصعيد العملي، المتصل بمعظم الدول العربية، وما يجري من كوارث دمرت أقطارا وعلاقات ومصالح وقيما كانت ثابتة.. لم تُتَّخذ أية خطوة ذات مفعول، وتعبر عن مسؤولية وموقف تمنع الكوارث المستمرة، ولا تلوح للعدو الصهيوني بموقف. ولا لحُاته بطبيعة الحال. بل إن دولا عربية اتهمت فلسطينيي غزة، ومسؤولين فلسطينيين اتهموهم وناكفوهم سياسيا، وحمّلوهم مسؤولية إراقة الدم الفلسطيني، الذي أراقه جيش الاحتلال، جيش الذبح الإسرائيلي، الجيش الجبان المختبئ في الخنادق وخلف التلال وفي الدبابات والعربات المصفحة، ويواجه الأطفال والشباب الْعزَّل بالرصاص الحي وقذائف المدافع.
وإذا سألت عن ” الأمة” العربية ودولها، في كل ما حصل لأقطارها، من أعدائها، أو من قواها المتقاتلة، أحداث في “ربيع شجونها” المستمر، لأتاك جواب يدخل في باب العَجب العُجاب، يعجز عن صوغه عدو الأمة الذي يقتل أبناءها، وينهب ثرواتها، ويحركها ضد ذاتها، وضد هويتها وعقيدتها ومصالحها.. وذاك الجواب يتضمن “حالة الحرب” الدائرة منذ سنوات، التي يتقدم شأنها على ما سواها، فهي حرب الأخوة على الأخوة. وعندما يتحارب العرب مع العرب، فإنهم البطش والشجاعة والصبر والانفتاح على كل من يساهم في قتل إخوتهم في الجبهات المتقابلة، بصمد وعناد؟! وفي خلفيات هذا الجواب، تقرأ بعض وجوه الحال، والمآل: “معظم قادة دول الأمة، في حرب على الأمة، على الدين والهوية والانتماء، على العمران والسكان والسيادة والرشاد”.. وترى العرب في الحرب على العرب، شجاعة منقطعة النظير، بل وحشية متوفزة، وشراسة مستشرية، ومضيا في القتال لسنوات وسنوات.. أمَّا حين تكون المواجهات مع الأعداء، فلا تصمد الجيوش الجرارة سوى ساعات، أو أيام لا تزيد على عدد أصابع اليد، وينهزمون قبل الهزيمة.. ولا يعترفون إلا بالنكبات؟! عجيب أمر أمة يشغلها التواطؤ على بعضها بعضا، عن المتواطئين عليها في رأد الضحى، مدى الأيام!
غزة في الحصار منذ أحد عشر عاما، و”هذا سبق تاريخي يجب أن يفصفص ليتبين الباحثون خلايا نُقا العظام فيه.. والعدو الصهيوني الذي يحاصر مليونين من البشر فيها، ينسق حصاره مع فلسطينيين، ينشغلون عن قضيتهم وعن شعبهم المحاصر، بلغو “القيادة والسلطة والنفوذ والسيادة”، وباتهام المقاوَمَة، وتحميل مسؤولية ضحايا الإرهاب الصهيوني، لمن يطلق ما يسميه العدو العنصري “إرهاب الطائرات الورقيَّة”، التي يطلقها أطفال فلسطين في المظاهرات؟! إنهم يتهمون مَن يختار أن يصمد، ومن يريد أن يعود إلى بيته، ويذكر بحق العودة، وبتقرير المصير، ومن يثور دمه ويفيض ليحمي مقدساته من التدنيس والاستباحة والتهويد..؟! عجبا.. عرب يشاركون في الحصار، ولا يسمحون حتى لمن يريد أن يقدم لهم عونا وحتى لجرحاهم إسعافا وعلاجا، بأن يفعل ذلك!! والذرائع لا تصب عمليا إلا في الحرب على الشعب المحاصر، والمقاومة الصامدة، وعلى الأمة، وعلى من يرفع راية مقاوَمة الاحتلال في أرضها، ويقوم بالعدوان عليها.. وعلى القائلين بالتحرير ووحدة الشعب والمصير، وعلى الدين ذاته/الإسلام، ومن يرفع رايته، أو من يمشي مضحيا بروحه تحت تلك الراية.
يتقاتلون باسم المذاهب، ويضعفون الدين الإسلام.. والإسلام واحد، والمذاهب اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب. كل منهم يدعي أنه ولي الله على الأرض، والممثل الحق للدين، والحامي له.. أمَّا على أرض الواقع، فكل منهم يضعف الدين، ويتحالف ويتعاون مع أعداء الدين التاريخيين، مع الصهاينة العنصريين، والصليبين المتطرفين.. لكي ينتصر على منافسه “أخيه في الله وشريكه في الوطن، وفي القرار والمصير”، ذاك الذي يزعم هو الآخر، أنه هو الأحرص على الوطن والدين..؟!
ذروة النفاق، وذُرى الانشقاق، ومهاوي الضعف، ومهالك الوجود.. تُصنَع لنا، ونصنعها، فيا لها من أمة، أمتنا العربية، تذبح نفسها، ويذبحها أعداؤها من الوريد إلى الوريد، وهي جاحظة العيني، لا تدري أتشكر أم تكفر؟!
غزة في الحصار، بين ماء مالح ورمل وجدار عار، وسيول نار.. والقدس تُهوَّد، وفلسطين تؤكَل قرية قرية وحيًّا حيًّا وموقفا موقفا، والعواصم العربية قواصِم، لا تعصِم ولا تتآلف ولا تحمي، بل تتواكل وتتآكل، وثروات الأمة العربية تُنهب، وأبناؤها يُقتلون ويُشرَّدون، وتسودُّ في عيونهم الدنيا، ويتوهون في الدروب، وتغلَق أمامهم الآفاق.. والقادة في أرضنا سادة في الأعالي، وسَدَنة للخلاف والشقاق لا يُشقُّ لهم غبار، ومن يريد منهم قهر أخيه ومواطنيه يحتمي بأعداء الأمة ويستعديهم عليها.. وشعوبنا تحتسحها الضائقات، وتتناهبها المَهاوي.. يا الله.. ما لهذه الأمة تَغرَق في بؤسها ودمها ومآسيها، وتسقط في كمائن أعاديها، ولا تفيق من خُمار أو سُبات؟!
كسيحٌ وأطرشُ وضريرٌ، بائسٌ وعاجزٌ وفقيرٌ، ضارٌ ومُدَّعٍ وشرِّيرٌ .. مَن يضع نفْسَه فوق القانون والعدل والحق والناس، مَن يُعلي شأن عدو الإنسانية على أخيه في الدين والإنسانية، مَن يقتل منافسه في الاجتهاد والمذهبة، ذَبحا أو قهرا أو صَبرا، فيضعف الأمة والقيَم والدين، مَن يلغي شريكه في الوطن وصنوه في المصير، ليكون ولا يكون سواه.. مَن يضطهد من يخالفه الرأي والموقف والاجتهاد، ومَن يسلب الآخر حقه في الحياة وحريته وملكه، ومَن يضع نفسه فوق الأمة والوطن والشعب، ويُنَصِّب نفسه قيِّما باسم الله، ووليا له على الأرواح والأجساد في أرض البشر.. ومَن يفري أكباد الخَلق، بما يجود به، وبما يُجاد عليه من سياسة، وفكر، ونهج، وممارسة، تضر بالعمران والعباد، مهما كان ادعاؤه، وقصده، وأيا كانت الذَّرائع، وأيا كان الاجتهاد.

إلى الأعلى