الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإسلام المشروع الإلهي لبناء الإنسان (6)

الإسلام المشروع الإلهي لبناء الإنسان (6)

عندما نتعامل مع الموجودات، ولها كيان وجودي فإننا لا نتعامل معها بالكيفية التي نحن نريد، بل نتعامل معها بالكيفية التي يفرضها علينا تصميمها الوجودي، وتركيبتها الوجودية تتضمن احكاماً خاصة، وبناء على تلكم الأحكام نضطر أن تعامل معها بالنحو الذي عليه تلك التركيبة، وهذه المسألة مهمة جداً لأنها سوف توقفنا على قواعد أساسية للتعامل مع المحيط.
ولا توجد استثناءات لمثل هذه القواعد الوجودية، فمثلاً: لو أن شخصاً وضعناه في الصحراء، وقلنا لنا إن أمامك رمل، ولا تملك طعاماً ولا شراباً، وسنتركك هنا لمدة شهر، وسوف نأتيك بعد شهر نرجعك إلى البيت، فإذا جعت عليك بالرمل، واعتبره طعاماً فكله، وإذا عطشت فعليك بهذا الرمل واعتره ماء فاشربه!!، سؤال: هل يصح مثل هذا القول أم لا؟!.
الجواب: كلنا سنتفق بأن هذا غير صحيح، لأن البدن لا يأكل الرمل، فلو سألنا أنفسنا: لماذا لا يأكل الرمل؟، الجواب سيكون: لأن طبيعة البدن لا تساعد على تناول الرمل، فإن تناول الرمل خطر على البدن، إن هذا سيقتله، فلو سألنا سؤالاً آخر: ماذا تعني بطبيعة البدن؟!، كان الجواب هو: إن البدن مصمم على تركيبة خاصة، وهذه التركيبة تمنعه من تناول أي شئ، فإن البدن يبحث عن طعام يناسب تصميمه الخَلقي، فلو أعطينا البدن شيئاً وهو على خلاف تلك التركيبة التي صممت عليه طبيعته الخاصة فإنه سيتعرض لخطر من تلف أو هلاك.
وهنا قد يرد أمر مهم جداً وهو: إن إيحاء النفس بأن هذا الرمل ماء أو طعام سوف لن يغير من حقيقة البدن ولا من حقيقة الرمل أبداً، إذن .. إن الإيحاء أو التخيل لا ينفع في هذه المواضع أبداً، أليس كذلك!.
إلى هنا ننتهي إلى مجموعة من المسائل المهمة، ويمكننا وضعها في نقاط مهمة وهي:
أولاً: إننا لا نستطيع أن نتعامل مع البدن بالكيفية التي نحن نريدها.
ثانياً: إن للبدن أحكاماً هي التي تفرض علينا كيفية التعامل معه.
ثالثاً: لا ينفع الإيجاء ولا التخيلات في تغيير هذا الواقع وهذه الحقيقة.
رابعاً: إن المعيار الذي يفرض علينا أحكام البدن ناشئ من أولى مراحل خلق هذا البدن، لذا البدن مصمم على تركيبة خاصة، وهذه التركيبة هي التي حدد )إحتياجات البدن الذاتية(.
ومن هنا سوف يطرح هذا التساؤل المهم: إذا كان البدن هكذا تركيبته الوجودية ولا يمكن التعامل معه إلا حسبما تتطلبه الاحتياجات الذاتية للبدن، والتي وجدت من أولى مراحلة خِلقته، فهل الكائنات جميعاً على مثل هذه التركيبة الخلقية، بحيث لا يمكن التعامل معها إلا وفق متطلباتها الذاتية، واحتياجاتها الوجودية؟!.
الجواب: بلى .. هكذا هي جميع الكائنات في الوجود، فالأسماك قد صمم وجودها على تركيبة خاصة، فلا يمكن لها أن تعيش على خلاص تصميمها الخَلقي، وكذلك الحال بالنسبة إلى النباتات، والحيوانات، والحشرات .. إلخ، فكل الكائنات تعيش بكيفية خاصة، ولا يمكن تغيير هذا التركيبة وهذا التصميم الخَلقي، ولذا يتطلب على الإنسان أن يتعامل مع هذه الكائنات والمخلوقات وفق طبيعتها الخلقية، ووفق تصميمها الذي خُلقت عليه، الأمر الذي يفرض علينا سؤالاً حقيقة وهي: أننا كمعاشر البشر لا يمكن أن ننشئ أحكاماً نتجاوز الاحتياج الذاتي لتلكم الكائنات، فنتعامل معها وفق ما “نحن” نريد لا وفق ما تريده “ذات” تلكم الكائنات، وهنا يطرح هذا التساؤل الجوهري المهم جداً: فهل البشرية على إطلاع تام على احتياجات هذه الكائنات أم لا؟، هل الإنسان واقف على حقيقة هذه الكائنات، فيدرك وبدقة متناهية لما تحتاجه وتتطلبه؟ .. فهذا ما سوف نتعرف عليه في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

إلى الأعلى