الأحد 23 سبتمبر 2018 م - ١٣ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (6)

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـحـابه أجـمعـين، وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، ويقـول تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ..) (الـبـقـرة ـ 183)، يـدلـنا عـلى أن الـمـسـلـمين لـيسـوا بــدعـاً في مـسألة فـرض الـصـيام عـلـيهـم، بـل سـبـقهـم أمـم وأقـوام مـن قـبـل في فـرض الـصـيام، وإن اخـتـلـفـت شكـلـية الـصـوم، وحـين تسـمع الله يـقـول:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) فـهـذا تقـريـر للـمـبـدأ مـبـدأ الـصـوم ويـفـصل الله سـبحانه وتعالى الـمـبـدأ مـن بـعـد ذلك قـائـلاً: قال الله تعالى:(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) (الـبـقـرة ـ 184)، وكلـمة:(أياماً) تـدل عـلى الـزمـن وتأتي مجـملة، والـعـرب يـعـرفـون ذلك مـن لـغـتهـم: أن أي مـعـدود قـلـيـل، وقـوله تعالى عـن تـلك الأيام: إنها (معـدودات)، يـعـني أنها أيام قـلـيـلة ومـعـروفـة، ومـن بعـد ذلك، يـوضـح الله تعالى مـدة الـصيام.
فـعـن أبي هـريـرة ـ رضي الله عـنـه ـ أن أعـرابـياً جـاء إلى سـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم)، فـقـال: يا رسـول الله دلـني عـلى عـمـل إذا عـملته دخـلت الـجـنة، قال (صـلى الله عـلـيه وسـلـم):(تعـبـد الله لا تـشرك به شـيئا وتقـيم الصـلاة الـمكـتـوبة، وتـؤدي الـزكاة وتصـوم رمـضان)، قال: والـذي نفـسي بـيـده، لا أزيـد عـلى هـذا شـيئا أبـداً ولا أنقـص مـنـه، ولـما ولى قال الـنبي صلى الله عـلـيه وسـلم:(مـن سـره أن يـنـظـر إلى رجـل مـن أهـل الـجـنـة فـلينـظـر إلى هـذا) ـ رواه الـبخـاري في الـفـتح.
وعـن أبي ذر ـ رضي الله عـنه:(أن ناسـاً مـن أصحـاب الـنبي ـ صلى الله عـلـيه وسـلم ـ قالـوا للـنبي ـ صلى الله عـلـيه وسـلم: يا رسـول الله ذهـب أهـل الـدثـور بالأجـور يـصلـون كـما نـصـلي، ويـصـومـون كـما نـصـوم، ويتـصـدقـون بـفـضـول أمـوالـهـم، قال الـنـبي ـ صلى الله عـلـيه وسـلـم: أو لـيـس قـد جـعـل الله لـكـم مـا تصـدقـون؟: إن بكل تسبيحة صـدقـة، وكل تكـبـيرة صـدقـة، وكل تحـمـيـدة صـدقـة، وكل تـهـلـيـلة صـدقـة، وأمـر بـمـعـروف صـدقـة، ونـهـي عـن مـنـكـر صـدقـة، وفي بـضـع أحـدكـم صـدقـة، قالـوا يـا رسـول الله: أيأتي أحـدنـا شـهـوتـه، ويـكـون لـه فـيـها أجـر؟، قـال: أرأيتـم لـو وضعـها في حـرام ، أكـان عـلـيه وزر؟ ، فـكـذلك لـو وضعـها في الحـلال كان له أجــر) (رواه الإمـام مسـلـم).
وعـن الـحـارث الأشـعـري ـ رضي الله عـنه ـ أن الـنبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) قال:(إن الله أمـر يحـيي بن زكـريا بخـمس كـلمات، أن يـعـمـل بـها ويأمـر بنـي إسـرائـيـل أن يـعـمـلـوا بـهـا، وإنـه كاد أن يـبـطـأ بهـا، فـقـال عـيسى بن مـريـم أن الله أمـرك بخـمس كـلمات لتعــمـل بـها، وتأمـر بني إسـرائـيـل ان يـعـمـلـوا بـها فإمـا أن تـأمـرهـم، وإمـا أن آمـرهـم، فـقال يـحـيي: أخـشى إن سـبـقـتني بـهـا أن يخـسـف الله بي أو أعــذب، فـجـمـع الـنـاس في بـيـت الـمـقـدس، فـامـتـلأ الـمـسـجـد، وقـعـدوا عـلى الـشـرف (جـمـع شـرفـة)، فـقال: إن الله أمـرني بخـمـس كـلمات أن أعـمـل بـهـن، وآمـركـم أن تـعـمـلـوا بـهـن:(أولـهـن أن تـعـبـدوا الله ولا تـشـركـوا بـه شـيـئاً، وإن مـن أشــرك بالله كـمثـل رجـل اشـترى عـبـداً مـن خـالـص ماله بـذهـب، أو ورق (فـضة)، فـقـال: هـذه داري وهــذا عـمـلي فأعـمـل وأدي إلي، فـكان يـعـمـل ويـؤدي إلى غـيـري سـيـده، فأ يـكـم يـرضى أن يـكـون عـبـده كـذلك؟).
قال الـشـاعـر:
وزن الـكلام إذا نـطـقـت بمـجلـس
فإذا اسـتـوى فـهناك حـلـمـك راجـع
وأقـول هـل جـاء شـهـر رمضـان لـيحـرس لـنـا الــدين، أم أن شـهـر رمـضان يـجـئ لـيـدربـنا عـلى أن نـعـيـش بخـلـق الـصـفـاء في كل الأزمـنـة وكل الأمـكـنـة؟.
ومـن وصـايا الله لنبيه يحـيي بن زكـريا: وإن الله أمـركـم بالـصـلاة، فإذا صـلـيتـم، فـلا تلـتفـتوا فإن الله ينصـب وجـهـه لـوجـه عـبـده في صـلاتـه مالـم يـلـتـفـت، وآمـركـم بالصـيام فـإن مـثـل ذلك كـمثـل رجـل في عـصابة مـعـه صـرة فـيها مسـك، فـكـلهـم يـعـجـب أو تعـجـبه ريحـها، وإن ريـح الصـائـم أطـيب عـنـد الله مـن ريـح الـمـسـك.
وآمـركـم بالـصـدقـة، فإن مـثـل ذلك كـمثـل رجــل أسـره الـعـدو، فأوثـقـوا يــده إلى عـنـقـه، وقـدمـوه لـيضـربـوا عـنـقـه، فـقال رجـل: أنا أفــديه مـنكـم بالـقـلـيـل والـكـثـير، فـفـدى نـفـسه منـهـم ، وآمـركـم أن تـذكـروا الله، فإن مـثـل ذلك كـمـثـل رجـل خـرج الـعـدو في إثــره ســراعـاً، حـتى إذا أتى عـلى حصـن حصين فأحـرز نـفـسه منـهـم ، كـذلك الـعـبـد لا يحـرز نـفـسه مـن الـشـيـطان إلا بـذكـر الله.
قال النـبي وأنا آمـركـم بخـمـس، ألله أمـرني بـهـن:(الـسـمع والـطاعـة، والجـهـاد والـهـجـرة والـجـماعـة، فإنـه مـن فـارق الـجـماعـة قـيـد شـبر فـقـد خـلـع ربـقـة الإسـلام مـن عـنـقـه، إلا أن يـرجـع، ومـن ادعـى دعـوى الـجـاهـلـية فإنـه مـن جـثـا جـهـنم، فـقال رجـل: يا رسـول الله وإن صـلى وصـام؟، قال وأن صلى وصـام، فادعـوا بـدعـوى الله الـذي سـمـاكـم الـمـسـلـمـين الـمـؤمـنـين عـبـاد الله) (رواه الـترمـذي)، وعـن أبي هـريـرة ـ رضي الله عـنه ـ في الحـديـث الـقـدسي، قال: قال رسـول الله (صلى الله عليه وسـلـم)، قال الله عـز وجـل:(كل عـمـل ابن آدم لـه، إلا الـصيام فإنـه لي وأنا أجــزي بـه، والـصـيام جـنـة، وإذا كان يـوم صـوم أحـدكـم ، فـلا يـرفـث ولا يصخـب، فإن سـابه أحـد أو قـاتـلـه، فـلـيـقـل إني امـرؤ صـائـم، والـذيـن نـفـس محمـد بـيـده، لـخـلـوف فـم الـصائـم أطـيـب عـنـد الله مـن ريـح الـمـسك، للـصـائـم فـرحـتان يـفـرحـهـما، إذا أفـطـر فـرح بـفـطـره، وإذا لـقي ربـه فـرح بـصـومـه) ـ (رواه الـبخـاري في الـفـتـح).
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى