الإثنين 22 أكتوبر 2018 م - ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التنمية ودروها في الصحوة العربية

التنمية ودروها في الصحوة العربية

ابراهيم بدوي

” إن ما شهدته منطقتنا العربية المنكوبة من اعادة احتلال ممنهج لمقدرتنا، عبر وكلاء تم زراعتهم بشكل مخيف، هو ما أوصلنا لما نحن فيه الآن، حيث تاهت البوصلة وغاب الوعي عن شعوب جهلت بليل، وصارت الاجراءات الصهيونية تجاه فلسطين وأقصانا حدثا عاديا لم يستنهض حتى الشعارات الجوفاء والتظاهرات العدمية بداخلنا، ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتعاظم التحديات التي يواجهها عالمنا العربي في العقد الأخير، فطموحات مرحلة ما بعد التحرر الوطني، وتلك الأحلام القومية التي تغنى بها آباؤنا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وتلك الشعارات التي رفعوها حول العروبة كلها تلاشت بفعل فاعل، وبمؤامرة دبرت بليل، فبعد أن كانت المنطقة تسعى نحو التنمية الشاملة، وكان النموذج المصري وقتها يمثل ذروة الحلم، تلاشت تلك الاحلام وانهارت المنظومة العربية، أو تجلت انهياراتها، بعد هزيمة يونيو 1967، تلك الهزيمة التي اراد مهندسوها في أميركا والغرب، وعملاؤهم في المنطقة أن تكون مذلة للحلم العربي، زلزالا يقتل الطموح الذي امتلأت به نفوس الاباء والاجداد، فيما هندست توابعه لتقضي على البقية الباقية من الحلم التحرري، لدرجة أنه تمت زراعة عملاء داخل كل دولة كبرى بين الدول العربية الفاعلة، أو حتى أي دولة ترفع العنق مجددا لتحقيق حلم إقامة وحدة فتية في هذه المنطقة المرصودة من العالم، وكان الكيان الصهيوني هو اليد دوما لتلك المؤامرات، هذا ما صنع من أجله، تدمير الحلم التقدمي في هذه المنطقة المنكوبة من العالم.
الغريب أن حركات التحرر الوطني في بدايتها استطاعت أن تقلم أظافر العملاء في الداخل، وأقامت منظومة شملت عملية تطهير واسعة لعملاء مرحلة الاحتلال، ويبدو أن ما تم لم يكن يكفي، فظهر مجموعة من المتسلقين والنفعيين، الذي اضحوا عملاء جددا، واستغلوا قيام حركات التحرر الوطني للاسف على يد أنظمة دكتاتورية قمعت معارضيها حتى وإن كانوا من المخلصين للفكرة، فمهدوا الطريق لهؤلاء العملاء، واستغلوا أنظمة الحكم، واخذوا بعض الدول العربية في منحى شعوبي، يعارض طموحات القومية الحلم، بل اتجهوا إلى إلغاء أي افكار تسعى إلى بناء منظومة علمية تسليحية أو حتى تنموية، واستبدلوها بوضوح بمنظومة أعادت المحتل لمكانته السابقة عبر الاعتماد الكلي عليه، وغاب الانتاج والتنمية، وظهرت مجموعة من الدول الريعية التي استخسرت في المواطن ما اكتسبه من حقوق.
واضحى المواطن العربي، كائنا مشوها ذات نمط استهلاكي، وغادرت الشعارات العروبية القومية فمه، واستبدلت بشعارات شعبوية جوفاء أقرب لشعارات مشجعي كرة القدم، وتراجعت المنظومة واثرت على ملفات الصحة والتعليم، مما اسهم في الوصول لما نشهده من تردي حالي شهد العديد من الاصعدة، وتحول المواطن العربي من المحيط إلى الخليج إلى عالة على البشرية، فغاب الانتاج، وذات الاستهلاك، لدرجة دفعت الكثير من الكيانات العالمية، إلى تقديم أوجه الدعم لنا، ليس بهدف التنمية، لكن لكي نظل أكبر سوق استهلاكي عالمي، ونكون رقما كبيرا في المساعي التنموية لهذه الدولة أو تلك، فنحن للاسف أصبحنا من وجهة نظر العالم مجرد أسواق مفتوحة لسلعهم، وإن تكرموا علينا اشتروا منا ما يفتقدوه من منتجات اولية يعيدون تصنيعها بمراحل عدة، وتأتي لنا في صورة منتج، ليموت حلم ناصر بصناعة عربية تستهدف كافة القطاعات، أو كما أطلق عليها (من الابرة إلى الصاروخ).
إن ما شهدته منطقتنا العربية المنكوبة من اعادة احتلال ممنهج لمقدرتنا، عبر وكلاء تم زراعتهم بشكل مخيف، هو ما أوصلنا لما نحن فيه الان، حيث تاهت البوصلة وغاب الوعي عن شعوب جهلت بليل، وصارت الاجراءات الصهيونية تجاه فلسطين واقصانا حدثا عاديا لم يستنهض حتى الشعارات الجوفاء والتظاهرات العدمية بداخلنا، بل جاهر الكثير من عملاء الصهيونية بحقيقة مشاعرهم، وأضحى المناوئ للاحلام الصهيونية، في أفضل وجهات النظر حالم لا يتسم بالواقعية، ولا يتعاطى مع المجريات والمتغيرات التي يشهدها العالم، ناهيك عن حديث مطول، هو أقرب للهذي من مدعي الثقافة عن ضرورة الانكفاء الوطني والتعاطي مع الواقع الصهيوني بإيجابية.
ولا أدري ما هي الايجابية في التعاطي مع كيان ارهابي غاصب، يملك حماية دولية، غير مجابهته والتأكيد على استمرار المعركة من ناحية، وبناء أوطان عربية حقيقية تتسع الجميع، يكون العلم والصحة عنوان لمواطنيها، وأن تصان الحقوق الحريات، دون اعطاء فرصة لتسلل العملاء والخونة مجددا، إن حظ جيلنا التعيس المفتقد للطموح أو الرغبة في التغيير، أنه جاء وسط معادلة أكبر من إمكانياته، لكن هذا لا يعني إلقاء القفاز والهروب من المعركة، التي تمثل التنمية جوهرها والتعليم والصحة عمادها، فتأهيل جيل قادر على النصر بشعارات مرحلته التي لابد أن تستولد من رحم التحرر الوطني والاستقلالية والقومية، تلك الشعارات التي تم دفنها في العقود الاربع الماضية، لابد من إحيائها بمقدرات عصرية، دوافعها التنمية المستدامة، التي ستخلق وحدها استقلالية حقيقية، فمن لا يملك قوت يومه لا يملك قراره أو كرامته.

إلى الأعلى