السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / صلاة التراويح و تلاوة القرآن في “رمضان”

صلاة التراويح و تلاوة القرآن في “رمضان”

محمد عبد الصادق

” .. بمناسبة الحديث عن الأصوات الجميلة في تلاوة القرآن فأنا أعتبر نفسي من جيل تفتحت أذنه على أصوات قارئي العصر الذهبي للتلاوة في مصر والعالم العربي والإسلامي , هؤلاء المقرئون الذين غردوا بآي الذكر الحكيم في مشارق الأرض ومغاربها , ولم يكن من بينهم صوت يشبه الآخر, وكنت وأنا في السادسة أو السابعة من عمري لا أخطئ في تمييز أصوات هؤلاء المقرئين العظام ,”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسعدني الحظ في شهر رمضان هذا العام بإمام صوته عذب يؤمنا في صلاة التراويح بالمسجد القريب من بيتي جمال الصوت وحالة الخشوع والسكينة التي يحملها انتقلت للمصلين وجعلتهم في شوق لاستمرار صلاة التراويح إلى ما لانهاية, وهونت على المرضى وكبار السن مشقة الركوع والسجود, وجعلتهم لا يشعرون بأي مجهود بدني رافق التراويح.
عندما تكون مخارج ألفاظ قارئ القرآن فصيحة وسليمة تجعلك في حالة اندماج وتوحد مع التلاوة, وتسهل عليك تدبر معاني الآيات وتدخلك في حالة عالية من التركيز مع ما يتلى من آي الذكر الحكيم و تمنع عنك وساوس الشيطان وتقيك شر الوقوع في السرحان أوالشرود.
الإمام صاحب الصوت الحسن يجعل المصلين ينتهون من تأدية صلاة التراويح وهم يشعرون بالسعادة والراحة النفسية مع الإحساس بقدر عال من التطهر والسمو الروحي, هذه الحالة الوجدانية تشعرني بخصوصية شهر رمضان وتبرهن أنه شهر العبادة والإحسان وقراءة القرآن.
وبمناسبة الحديث عن الأصوات الجميلة في تلاوة القرآن فأنا أعتبر نفسي من جيل تفتحت أذنه على أصوات قارئي العصر الذهبي للتلاوة في مصر والعالم العربي والإسلامي , هؤلاء المقرئون الذين غردوا بآي الذكر الحكيم في مشارق الأرض ومغاربها , ولم يكن من بينهم صوت يشبه الآخر, وكنت وأنا في السادسة أو السابعة من عمري لا أخطئ في تمييز أصوات هؤلاء المقرئين العظام , حين كان صوت القرآن ينبعث من “الراديو” في الصباح الباكر وقبل صلاة العشاء , وكان والدي ـ رحمه الله ـ يختبرني في اسم القارئ , وكنت أحدد الاسم بسهولة ؛ حيث كانت الفروق واضحة جلية في مسامعي , ونادرا ما خلطت بين صوت الشيخ محمد رفعت والقارئ أبو العينين شعيشع رغم وجود بعض الصفات المشتركة بينهما .
استمعت في ذلك العمر الصغير لأصوات المقرئين العظام ؛ مصطفى اسماعيل وعبدالباسط عبدالصمد ومحمد صديق المنشاوي ومحمود خليل الحصري , الذين كانت خصائص أصواتهم تطبع تلاوتهم بطابع مميز لا تخطئه الأذن, وتحب أن تستمع لنفس الآيات القرآنية بصوت كل واحد منهم ليضعك كل صوت في حالة شعورية مختلفة.
أما الآن فلا تكاد تفلح محاولاتي للتعرف على صوت القارئ لأن صوته لا يتميز بشيء عن أصوات الآخرين, فبعضهم يقلد القراء الراحلين, والبعض الآخر يعتمد على نواقل الصوت الحديثة والمحسنات والمؤثرات الصوتية.
ورغم مرور سنين على رحيلهم, ظل نجوم دولة التلاوة المصرية يتصدرون المشهد في مصر والبلاد العربية والإسلامية حتى يومنا هذا, ومازال لهم “سميعة” ومريدون يحرصون على الاستماع للقرآن بأصواتهم المتفردة من خلال الإذاعة والتلفاز والوسائط الإعلامية الجديدة.
هؤلاء القراء المتميزون قال عنهم الكاتب الراحل محمود السعدني في كتابه الشهير ” ألحان السماء” : إن الغالبية العظمى من قراء العصر الذهبي من فئة الصادح أو “التينور” ـ في التصنيف الموسيقي الغربي ـ وأن العنصر الموسيقي يتبدى واضحا جليا في مكونات أصوات قراء هذا العصر ” وفي موضع آخر يصفهم السعدني بقوله ..” كانوا مثل الأشجار المثمرة في جنة مليئة بالفاكهة , بينما يصف من جاء بعدهم ..”إنهم جميعا لهم رائحة النبق والدوم والجميز والتين الشوكي .. لا رائحة لها”.
وبدأت بشائر العصر الذهبي لتلاوة القرآن في مصر في العصر الحديث في نهاية القرن التاسع عشر , عندما ظهرت مجموعة من القراء الموهوبين , المؤهلين المجددين أمثال محمود القيسوني وحنفي برعي وحسين الصواف , استطاعوا أن يزيلوا ما لحق بعلوم تلاوة القرآن الكريم من الجمود الذي لحق بكل شيء في مصر في أعقاب الاحتلال العثماني, فبعثوا من جديد طريقة الترتيل وأدخلوا فن تنغيم آي القرآن الكريم مع امتلاكهم العناصر الأساسية للتلاوة وإلمامهم بأحكام التجويد وإجادتهم القراءات العشر للقرآن.
شهدت تلك الفترة اهتمام الحكومة المصرية بتحفيظ الأطفال القرآن بإنشاء “الكتاتيب” في معظم القرى والأحياء على امتداد القطر المصري والاعتناء بتدريس علوم القرآن في الجامع الأزهر وبعض المعاهد الأزهرية كالجامع الأحمدي بمدينة طنطا , بجانب تصدر تلاوة القرآن لجميع المناسبات الدينية والسياسية والاجتماعية التي يحضرها الملك أو رئيس الوزراء والوزراء وكبار المسؤولين في الدولة.
وتنافس المقرئون فيما بينهم لنيل الشهرة والحظوة لدى الطبقة الحاكمة ولدى جموع المصريين الذين تحسنت أحوالهم الاقتصادية في تلك الحقبة التاريخية وأصبح هناك طبقة من كبار الملاك ينفقون ببذخ على إقامة الحفلات والمناسبات التي يحيها مشاهير المقرئين ويتوافد عليها المئات لسماع القرآن من هذه الحناجر العذبة.
وكان ظهور الإذاعة المصرية في أوئل ثلاثينيات القرن الماضي فرصة عظيمة لظهور نجوم التلاوة ووصول أصواتهم إلى المسامع المتعطشة للقراءة الجميلة لآيات القرآن في مصر والبلاد العربية , وكان أول صوت انطلق من الإذاعة المصرية عام 1934م للقارئ محمد رفعت الذي كان من المشاهير وكان الوحيد في ذلك الوقت من قارئي القرآن المصريين الذي سجلت له اسطوانات تباع في الأسواق, ومع انطلاق البث الإذاعي تعرف المستمعون على أصوات المقرئين عبدالفتاح الشعشاعي وأبو العينين شعيشع ومصطفى إسماعيل ومحمود خليل الحصري وعبدالباسط عبد الصمد وغيرهم كثيرون ظهروا مع انطلاق إذاعة القرآن الكريم في العام 1964م التي أفسحت المجال لأصوات جديدة حملت لواء التلاوة وملأت بأصواتها الجميلة ساعات البث, التي بدأت بست ساعات وأصبحت الآن على مدار الساعة .
كما ساهمت إذاعة القرآن الكريم المصرية في إنشاء محطات إذاعية للقرآن الكريم في معظم البلاد العربية ومازالت هذه الإذاعات تعتمد بنسبة كبيرة على المقرئين المصريين الراحلين والمعاصرين أصحاب الأصوات المتميزة في تلاوة القرآن.
وبفضل هذه الإذاعات انتشر القراء المصريون في مشارق الأرض ومغاربها , وتهافت على استضافتهم الدول العربية والإسلامية والجاليات المسلمة في الدول الأجنبية لإحياء ليالي الشهر الكريم بتلاوة القرآن وتحقق بفضلهم لمدرسة التلاوة المصرية الذيوع والانتشار.

إلى الأعلى