الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كيري الذي يَسْتَرْضي إسرائيل بإغضاب الفلسطينيين!

كيري الذي يَسْتَرْضي إسرائيل بإغضاب الفلسطينيين!

جواد البشيتي

عودة السلطة الفلسطينية برئاسة عباس إلى عملية التفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، مع عدم خروجها (لأيِّ سبب كان) من هذه العملية، التي ترعاها الولايات المتحدة، هي أَمْرٌ لا مصلحة للفلسطينيين فيه، يضرُّهم، ولا ينفعهم، وفيه من معنى الاضطرار (والإكراه) ما يجعله منقطع الصلة بـ”الخيار الفلسطيني (الحر)”؛ وإنَّه لأَمْرٌ يستكرهه كل ذكيِّ أنْ يَجِد نفسه مضطرًّا إلى أنْ يسلك (وفي أَمْرٍ مصيري) سلوك الغبي؛ و”الغبي” عَرَّفه آينشتاين على أنَّه المَرْء الذي يخوض التجربة نفسها، غير مرَّة، متوقعًا، كل مرَّة، الحصول على نتيجة مختلفة.
وفي آخر مرَّة، توصَّلت السلطة الفلسطينية، إلى الاستنتاج نفسه، أيْ إلى الاستنتاج الذي توصَّلت إليه من قبل، وغير مرَّة، ومؤدَّاه أنَّ إسرائيل غير معنية حتى بالسلام الأكثر إجحافًا بالحقوق القومية الفلسطينية، وأنَّ انحياز الولايات المتحدة إلى إسرائيل يَعْظُم، ولا يتضاءل؛ ولقد تأكَّد ذلك أكثر في “أفكار كيري”، والتي يريد لها صاحبها أنْ تُقْبَل، الآن، فلسطينيًّا وإسرائيليًّا، وأنْ تُتَّخَذ، من ثمَّ، أساسًا للتفاوض بين الطرفين، والذي ينبغي له أنْ يستمر حتى يتوصَّلا إلى اتفاقية.
لم يأتِ كيري، حاملًا تلك “الأفكار” التي فيها من “العداء”، أو ممَّا يشبه “العداء”، للحقوق القومية الفلسطينية ما يجعل قبولها فلسطينيًّا من الاستعصاء بمكان، إلاَّ ليُرْضي حكومة نتنياهو الغاضبة كثيرًا على إدارة الرئيس أوباما، بعد، وبسبب، إبدائها مزيدًا من المَيْل إلى “التقارُب” مع إيران، وكأنَّ كيري جاء ليقول لنتنياهو: أَعْلَم أنَّكم غاضبون علينا بسبب سعينا (الذي يَصْعُب علينا التخلي عنه الآن) إلى التقارب مع إيران، وأنَّكم ترون في هذا التقارب خسارة تَلْحق بإسرائيل؛ لكننا مستعدون لإرضائكم من طريق إكراه الفلسطينيين على قبول أشياء، لكم مصلحة في أنْ يقبلوها؛ لكنّهم ما زالوا متشبثين برفض قبولها؛ وأتمنى عليكم، إذا ما نجحنا في سعينا هذا، ألاَّ تكونوا سببًا في تشديد المعارضة، في داخل الولايات المتحدة، للعبتنا الإيرانية.
أمَّا نتنياهو فأبلغ إلى كيري أنَّ إسرائيل تريد أوَّلًا رؤية ثمار ونتائج سعيه هذا؛ فما كان من وزير خارجية الولايات المتحدة إلاَّ أنْ أشهر السيف نفسه في وجه السلطة الفلسطينية، ألا وهو سيف الحصار لها، ماليًّا وسياسيًّا.
وحتى يؤتي سعيه هذا الثمار والنتائج التي وعد بها نتنياهو، توجَّه كيري إلى السعودية، التي ارتفع لديها منسوب الاستياء من إدارة الرئيس أوباما، فحاول إقناعها بأهمية وضرورة أنْ تقف مع الولايات المتحدة في سعيها إلى “إقناع” الفلسطينيين بقبول “الأفكار الجديدة” التي تقدَّم بها إليهم، وإلى الإسرائيليين، وباتِّخاذها أساسًا لمفاوضاتهم مع الإسرائيليين، وبالاستمرار في هذه المفاوضات حتى التوصُّل إلى اتفاقية.
السلطة الفلسطينية هي الآن قلقة متخوِّفة؛ وإنَّ “أفضل” خيار تملك هو أنْ تفاضِل بين أَمْرَيْن أحلاهما مُرُّ، أيْ بين شرور وتبعات الاستخذاء لمشيئة كيري، وقبول أفكاره، وبين شرور وتبعات التمرُّد والرَّفض.
“مفاوضات السلام” مستمرة (بين الإسرائيليين والفلسطينيين). ويُزْعَم أنَّ مدارها “قضايا الحل النهائي جميعًا”؛ فلا قضية مستثناة، أو تُؤجَّل، أو تُرحَّل؛ ولا بدَّ للطرفين من أنْ يتوصَّلا، هذه المرَّة، إلى اتِّفاق على كل شيء؛ فـ”الآن”؛ وهذا ما تعيه جيِّدًا، وفي المقام الأوَّل، الولايات المتحدة وإسرائيل، هي “ظرف زمان” يشبه، دوليًّا وإقليميًّا وعربيًّا وفلسطينيًّا، ظرف الزمان الذي فيه قامت دولة إسرائيل؛ ولا بدَّ، من ثمَّ، من أنْ يُسْتَثْمَر، تفاوضيًّا وسياسيًّا، بما يؤدِّي إلى قيام “دولة فلسطين”، التي في بُنْيتها من “الحجارة الإسرائيلية” ما يجعلها أقرب إلى “المطلب الإسرائيلي” منها إلى “الحق (القومي) الفلسطيني”؛ ولسوف تنتهز الولايات المتحدة هذه “الفرصة (التاريخية الثمينة)”.
ولقد أَتَت تجربة التفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهي الأطول والأكثر عبثية في تاريخ التفاوض السياسي، بما يقيم الدليل أنَّ التفاوض يأتي بمزيدٍ من الاستيطان، الذي، بتزايده، يأتي بمزيدٍ من التفاوض، الذي يُشْحَن، ويُعاد شحنه، بمزيدٍ من الاستخذاء الفلسطيني للتَعَنُّت الإسرائيلي.
“المعادلة القديمة” لـ”الحل النهائي”، وهي معادلة “أنْ تَحْصَل إسرائيل على السلام في مقابل حصول الفلسطينيين على الأرض، وعلى الحد الأدنى من حقوقهم القومية المعترف بها دوليًّا”، ما عادت تَحْكُم المفاوضات، أو تتحكَّم فيها؛ فإسرائيل تريد الآن الحصول على “سلامٍ” لا يشبه أبدًا “السلام”، ويشبه “الراية البيضاء (يرفعها الفلسطينيون)” أكثر مِمَّا يشبه “الحمامة البيضاء”. وفي هذا “السلام” يتضاءل كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، وزن “الأرض”، ووزن “الحقوق (القومية للشعب الفلسطيني)”. وأخشى ما أخشاه هو أنْ تتضح وتتبلور أكثر ملامح “المعادلة الجديدة”، والتي فيها تحصل إسرائيل على هذا السلام في مقابل حصول الفلسطينيين (في المقام الأوَّل) على أشياء من قبيل “الإفراج عن المعتقلين”، و”الإفراج عن أموال فلسطينية (وتلقِّي مساعدات مالية واقتصادية) توصُّلًا إلى انتظام السلطة الفلسطينية في دَفْع رواتب الموظفين”.

إلى الأعلى