السبت 18 أغسطس 2018 م - ٧ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر رؤى ومكاشفات (1 ـ 2)

الحدود بين حرية التعبير والإساءة إلى الآخر رؤى ومكاشفات (1 ـ 2)

بدر العبري: شرائع السّماء جاءت إلى تحقيق الحريّة الحقيقيّة بالتّرفع عن عبادة الذّات والشّيطان والشّهوات إلى عبادة الخالق

أجرى اللقاء ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان حرّا في تصرفاته وفي وجوده، فالحريّة جزء من كينونته، سَلْبُهَا جريمة بشعة، وهذه من أعظم القيم المتعلقة بقيمة الإنسان الكبرى، وهي من كرامة الإنسان الذّاتيّة:)وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(، فلكلّ إنسان حرّيته في عبادته وتوجهه، واختيار المدرسة التي وُلِدَ فيها، أو اقتنع بها، أو الرّأي الذي يراه أقربَ صوابا، وأهدى سبيلا، ولا يجوز لأحد قمعه أو التّضييق عليه، نعم يمكن فتح باب الحوار، والجدال بالّتي هي أحسن.
وحول هذا الموضوع حملنا حزمة من الأسئلة فكان ذلك مع بدر بن سالم العبريّ ..
في البداية ما هو مفهوم الحريّة بين المنظور الدّينيّ والمنظور الأخلاقيّ؟
مصطلح الحريّة مصطلح قديم، فهو ليس وليد عصر النّهضة في أوروبا، ولكنه أقدم من ذلك بكثير جداً لأنّ الحريّة تولد مع الإنسان، وبالتّالي هي ولدت مع بداية الإنسان، وتطورت بتطوره في الحياة، في هذا يقول عمر بن الخطاب متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
ومن مقولة عمر استخدمت الحريّة في الفقه الإسلاميّ نقيض العبد، وفي هذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ)، إلا أنّها تطورت كمصطلح فقهيّ فتطورت إلى ما وهبه الله تعالى للإنسان من مكنة التصرّف لاستيفاء حقّه وأداء واجبه دون تعسف أو اعتداء، وهكذا في اللّغة تطورت من الخلوص من الشّوائب أو الرّق أو اللُؤْم إلى حالة يكون عليها الكائن الحيّ الّذي لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة، ويتصرّف طبقا لإرادته وطبيعته خلاف عبوديّته، بيد أنّ الحريّة في القانون الرّومانيّ أقدم تقعيدا منها في الفقه الإسلامي.
والقرآن الكريم قرر مبدأ العدل كما في قوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، والجمع بين الاثنين وارد ولازم؛ لأنّ الحريّة تدور وفق العدل إيجاباً وسلباً، فإذا ارتفع العدل حلّ محلّه الظّلم، ولا يجتمع الظّلم مع الحريّة بحال من الأحوال، إلا أنّ المفهوم الحريّة في عصر النّهضة، وبعد الثّورة الفرنسيّة ساد أروبا والغرب ثمّ العالم أجمع، حتى أصبح حالة مقدسة مرتبطة بالقانون والإنسان، وظهرت اتجاهات فلسفيّة وفكريّة وأدبيّة واقتصاديّة وسياسيّة تتبناها كقيمة كبرى بين البشر، مع اختلاف التّعامل مع بعض جزئياتها لاختلاف النّاس وأديانهم وتوجهاتهم، إلا أنّها في الجملة اتّفق الجميع حولها، وضرورة لصقها بذات الإنسان وكرامته.
وأمّا مفهوم الحريّة في المنظور الدّينيّ فالأديان في الجملة لا تعارض الحريّة، وإن لم يرد هذا المصطلح الفلسفيّ فيها لتطور الحراك البشريّ ومصطلحاته، فالإنسان خلق حرّا ويموت حرّا، ويحاسب كفرد حرّ بذاته، إلا أنّ الأديان لم تتقبل فكرة الحريّة أو اللّبراليّة المطلقة، فهناك دوائر ثلاثة يدور حولها الفرد في منظور الأديان، الدّائرة الأولى: دائرة التّشريع الغيبيّ، فهناك أوامر ونواهي يلزم بها، فيلزم بطقوس مثلا على اختلاف الأديان وبر الوالدين والإحسان إلى الجوار، وينهى عن جوانب سلبيّة كالسّرقة والزّنا والكذب والغيبة، فهنا تتوقف الحريّة عند طاعة الله تعالى، وترى الأديان أنّ طاعة الله حريّة تنقل الإنسان من عبوديّة الذّات والشّهوات إلى عبوديّة الخالق وحده سبحانه، وهذه من الأحديّة الصّمديّة لله وحده لا شريك له، إلا أنّ الدّائرة هذه ستزيد لأسباب عديدة ليس محلّ الإسهاب فيها هنا، كالاتساع في زيادة نصوص عدا ما ورد في الكتب المقدسة، أو تحول دائرة التّأويل السّلفيّ إلى دائرة مقدسة عند الخلف، فتتسع دائرة الأوامر والنّواهي لتضيق دائرة الحريّة، والدّائرة الثّانيّة: الدّائرة الفرديّة، فهو حر في ذاته إلا أنه ليس حرّا في جسده من حيث المصاديق الغيبيّة والمجتمعيّة القانونيّة، فليس حرّا أن يقتل ذاته، أو يقطع أطرافه، أو يشوه جسده، ونحو ذلك، والدّائرة الثّالثة: الدّائرة المجتمعيّة والقانونيّة، فلأي مجتمع قانون وأعراف خلص إليها العقل البشريّ، فهو مرهون بها، وحرية الفرد تدور حولها، فالحريّة في المنظور الدّينيّ ليست مطلقة، فهي قيمة ذاتيّة، إلا أنّها نسبيّة في مصاديقها الخارجيّة، ولهذا أصبحت حاليا لصيقة بالمنظور الأخلاقيّ؛ فالأديان وإن حسمت هذه القضيّة مبكرا جدا، إلا أنّ الفلسفة الغربيّة راجعت الفلسفة الأخلاقيّة وعلاقتها بالحريّة، وارتباطها بالمثل العليا، وتلازمها مع الأنا البشريّة، ومدى التّداخل والتّناظر مع النّظرة الدّينيّة، وهذا مبحث كبير ارتبط كثيرا بالصّيرورة البشّريّة والتّطور الفلسفيّ، وإن كان – في الحقيقة – الجميع متفقا على ضرورة المصاديق والضّوابط الخارجيّة، إلا أنّ الخلاف في مصادرها الغيبيّة، واتساعها التّفسيريّ، وهنا محلّ الخلاف، وليس في ذات الحريّة، أو في ضرورة الضّوابط والمصاديق الخارجيّة.
هل لوسائل الأعلام المتعددة حدود في حرية التّعبير؟ وكذلك وسائل التّواصل الحديثة؟
يقول العبري: الحدّ عند المناطقة هو السّور الواضح والجامع للشّيء ابتداء وانتهاء، وعليه شخصيّا أفضل هنا استخدام مصطلح الضّابط لأنّه أوسع، وقابل للتّطور.
فمثلا في السّابق كانت حرّية الرّأي تكمن في حيز محدود كالكتاب والمجالس والمنابر والشّعر والمقامات والقصة، ثمّ لما تطور الغناء والمسرح تعلّقت بفنون أكبر، ورسائل توصيليّة أبعد، وهكذا حتى ظهرت الصّحافة، ومن ثم الإذاعة والتّلفاز والفضائيات، وإذا كان تشارلي تشابلن (ت 1977م) ذكر في فيلمه الدّكتاتور العظيم أنّ الرّاديو قرّب بين النّاس؛ فإنّ الشّبكة العالميّة من خلال المواقع والمنتديات والمدونات جعلت النّاس تعيش في قرية واحدة، ومع هذا ضبطها كان أقرب إلا أنّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ جعلت الإنسان حرّاً يملك صحافته وقناته بذاته، ينشر متى شاء، ويتحدث وينشر في أيّ وقت أراد، فلهذا الضّوابط لابدّ أن تساير الواقع والوسيلة، وأن يفتح للنّاس الحريّة بصورة أكبر، وفق القيم الكبرى.
وبطبيعة الحال لا يمكن لمتحدث وكاتب مثلي أن يتحدّث عن الضّوابط، فهذه يسنها مؤسسات تقرأ الواقع بعمق، لتضع القانون والتّنظيم ملائما وتطور الصّيرورة البشريّة.
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى