الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / غزة .. مدينتي .. لك الأمل

غزة .. مدينتي .. لك الأمل

علي عقلة عرسان

يا غزة “السعيدة” في عيدها الحزين .. لأنت وحدك الأمل .. والجرح السكين، وبيدر الكفاح والجراح والأنين .. وشعلة الإيمان واليقين .. معزولة نعم .. عن أمة مشلولة اليمين، لا عندها غوثٌ، ولا تُبين .. وترهق المغيثَ إذ يأتي بما يُعين ..

غزة صباح الخير.. مساء الخير..
وكل عام يا مدينة النضال والرجال..
وأنت بألف خير..
عيدٌ جديدٌ، وأملٌ متجددٌ لك يا الفريدة في المعاناة، والوحيدة في الحصار، والمعزولة عن العالم، والمنسية من ذويها، والمنكوبة بصمت مريب .. في عالم أعجب من عجيب.
عيدٌ “سعيد”..
يا المدينة .. بطعم الرماد ..
يا الحزينة .. بثوب الحداد ..
يا العريقة بفعل الجهاد ..
يا الأصيلة .. بكل معنى يحفظه قلب ويسجِّله المِداد ..
عيدٌ “سعيدٌ” يا مدينة.
تَحْدين في البيد .. يجيبك الصدى،
تستغيثين ..
فتمتد إليك يد “النجدة” بالسكاكين ..
تتلظين في الحر فيُزادُ لظاك بالحرائق،
وتبردين في الشتاءً فيشعلونك نارًا ..
يتدفأ على جمرها القطبُ والمدى ..
وترفع ألسنتُها الأنين ..
حزنٌ فريدٌ يا وحيدة ..
عيدٌ حزين يا “سعيدة!!” ..
أنت جرحي والوَصَب ..
أنت صموديَ العجب ..
عيدٌ “سعيدٌ!!” يا مدينة ..
حزٌن فريدٌ يا حزينة.
***
تُقبلين على اللَّحد يا أمي بين جدارين،
واحد من صنع فرعون العصر، وآخر من صنع وحوشه ..
“قوم” يزعمون أنهم من أتباع موسى ..
وموسى من الخزي براء؟! ..
لحدان في الميدان يا أمي الحزينة ..
واحد في الأرض من فولاذ، وآخر من كراهية تفترش التخوم ..
وما بينهما يا أمي موت ..
وأنتِ .. رايتك السماء ..
ورمزك البقاء.
تصمتين، وتعجبين، وتصمدين، وتُنشِدين،
وتصرخين .. يا أهلي ..
الصمت في المدى ..
وتنصتين تنظرين في المدى ..
وتنصتين تنظرين ..
ما في المدى إلا الصدى ..
ما في المدى إلا الصدى ..
أواه يا أمي ..
ها نحن رملٌ بامتداد الأرض .. ملء الأرض ..
رمل .. يوازي مدُّه الظنون، ولا يُرى في مهمه البيداء بالعيون ..
فريدة في الهم يا مدينتي ..
وحيدة في الساح،
عصية المنال ..
رجالها الجبال ..
شوكًا بعين العنصري .. شهبها المنون ..
أ يا تباريحَ العدا ..
يا غزة الوحيدة ..
يا أمي .. البعيدة ..
صابرة صامدة .. تصومين، تُصلين ..
ترسلين الشهيد بعد الشهيد رسالة إلى الأهل قومك في الصبحِ ..
فيأتيك الجواب “صمتًا” في ثياب المساء، وتردادًا بليدًا للصدى ..
ما في المدى إلا الصدى ..
ما في المدى إلا الصدى ..
يا أمي البعيدة .. يا غزة الوحيدة ..
وأنت تصمدين، تُنشِدين ..
تقاومين الحقد .. تصبرين ..
وترسلين الطير في الصباح من جديد ..
شهيدَك الوليد ..
في ثغره النِّدا:
“يا أمتي حان الفدا ..
هذا “أوان الشد فاشتدِّي” فداءً أو ندى ..
يا أمتي هبي أعاصير الصحارى في المدى ..
يا أمتي حان الفدا ..”.
لكنه ..
ما في المدى إلا الصدى ..
ما في المدى إلا الصدى.
* * *
يا قلب غزة .. يا دمَ الأطفال مطلولًا على مد الشواطئ والرمال ..
فوق الركام، على الطلول، على التلال ..
يا أبحرًا من الدماء والفدا ..
يا ساحةً فيها صناديد الرجال ..
يا صوت حقٍّ ساطعٍ،
إيمانَ قلبٍ .. وابتهال ..
ما عاد في عين المدينة غير ترنيق السؤال:
“.. يا ربنا أنت الوحيد المرتجى ..
في عالم كان الرجا..”.!!
يا أمي المجيدة ..
زحف اليهود على الحدود، وزحف أهلك ضد أهلك،
والعدا كلٌ يوحِّده الضَلال، وأنت مصباح الهدى ..
أما ترين عزيزتي .. بُعْدَ السراب عن الشفاه ..!؟
“لا تندهي” .. ما في “حدا ..”..
“لا .. “تندهي” .. ما في حدا ..”..
ما في المدى إلا الصدى.
***
يا أمي الحزينة ..
يا غزة .. الطعينة ..
في أي زمان من أزمنة الناس تعيشين يا المدينة ..
ما طعم الوقت لديك ..؟
كيف الطفل والدواء ..
أرضك والسماء ..
طعامك والماء ..
بحرك والهواء ..
وسفينة من طين ..
عليها تُحملين ..
مع نُوحِ الأولين ..
ونُوح الآخِرين ..
في عيدك الجديد، أيْ عيدك الحزين!؟
قولي لنا.. يا أمنا “السعيدة” .. في عيدها الوليد ..
يا غزة الوحيدة .. يا غزة الفريدة ..
في عيدها الجديد؟!
لا صوت .. لا صدى ..
قد أُغلِق المدى ..
مدينتي ما بين لَحَّادَيْن ..
فرعون واليهود ..
وترتمي الحدود ..
وترتمي الحدود ..
وتثقُل القيود ..
وتبرز القدود ..
تصعَّر الخدود ..
وتُنثَر الوعود .
وأنت يا مدينتي الأمل ..
قامات صامدين ..
صبر المجاهدين ..
وشعلة اليقين ..
نصرُ المقاومين.
***
مدينتي ..
يا غزة “السعيدة” في عيدها الحزين ..
لأنت وحدك الأمل ..
والجرح السكين،
وبيدر الكفاح والجراح والأنين ..
وشعلة الإيمان واليقين ..
معزولة نعم ..
عن أمة مشلولة اليمين،
لا عندها غوثٌ، ولا تُبين ..
وترهق المغيثَ إذ يأتي بما يُعين ..
.. من عالم قوقعة حالكة من طين،
منكوبة بصمته وعقمه المبين.
أطفالك الصغار يصرخون،
بملء صوت الحق يصرخون:
“نريد سقفًا فوقنا، لبيتنا .. من قصبٍ وطين ..
نريد أن نلعبَ .. أن نكون .. أن نعيش ..
ككل أطفال الدنا من حولنا ..
نريد أن يرتادنا الأمان والفرح ..
نريد حقًا من حقوق العالمين ..
نريد .. وي .. نريد ..”!!
والعالم اللعين ..
لا يسمع الصراخَ والأنين ..
لا ينصف المظلومَ والمحروم والمسكين ..
أذناه ضخمتان .. ضخمتان ..
لكنَّما ..
واحدة من طين، وأخرى من عجين ..
لا يسمع الصراخَ والأنين ..
يلغوا ويثغوا ..
إنَّما ..
لا ينصف المظلوم والمقهور والمسكين ..
لا يصنع الفرَح ..
مدينتي ..
يا غزة الحزينة ..
في عيدها “السعيد؟”،
نضالها المجيد،
وعمرها المديد ..
لك الأمل ..
مدينتي لك الأمل ..
ونصرك المبين ..
على جناح الحق واليقين،
ترقبه العيون، تبصره القلوب، تصنعه المقاوَمة ..
يصنعه الرجال ..
ولا مُحال مع رجال كالجبال ..
مدينتي .. لك الأمل .
لك الأمل.

إلى الأعلى