الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عصر الجماعات

عصر الجماعات

حتى “شيطنة الجهاد” لم تكن ممكنة لولا ممارسات مقاتلي تلك الجماعات وعملياتهم التي تجاوزت مقاومة الاحتلال السوفييتي في أفغانستان إلى محاولات فرض حكم ديني متشدد في دولهم الأصلية أو “عولمة الجهاد” كما يدعون والذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، خاصة في بلاد العرب والمسلمين.

مع كل الاعتبارات الإنسانية والوطنية، وتكرار حقيقة عنصرية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وعدائيته لكل شعوب المنطقة، ليس للعاطفة والشعور الحماسي أن يوقف العقل. صحيح أن صوت العقل في ظرف سخونة المشاعر، خاصة في حالة عدوان بربري كالذي تشنه إسرائيل على الأبرياء الفلسطينيين في غزة، ومحاولة المقاومة صد ذلك العدوان بالقليل الذي تملكه من نيران، قد يأتي بنتائج عكسية. لكن لا بد من المحاولة، وكفانا ما حل بنا من عدم إعمال العقل وأوصلنا إلى ما نحن فيه. وبما أن التشخيص الصحيح هو نصف العلاج، لو لم نستخلص الدروس ـ حتى من أشد الضربات إيلاما ـ فلن نستطيع النهوض للمقاومة وربما حتى الوقاية من تكرار الأذى.
وبغض النظر عن كيف تنتهي الحرب، وحتى عن التضحيات فيها، فإن نتيجة أساسية تحرص عليها الأطراف الإقليمية والدولية (أميركا وتركيا وقطر في المقدمة) تبدو شبه مؤكدة وهي بروز أكبر لدور حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ـ ربما ليس في غزة فقط. ومرة أخرى، من المهم الإشارة إلى أن حماس تحظى بحاضنة شعبية قوية في قطاع غزة ـ سواء أعجب هذا البعض أم لا، وسواء كان في صالح آخرين أم لا ـ لأنها ما زالت تتمسك بالمقاومة للعدو الإسرائيلي في وقت تراجعت فيه كل أشكال المقاومة في المنطقة. ولا يمكن لوم الفلسطينيين في غزة، المحاصرين منذ سنين ويخنقهم أهلهم من العرب كما الإسرائيليون ويتفرج العالم عليهم، على هذا الالتفاف حول المقاومة لمجرد أن لك رؤية سياسية مختلفة. لكن، يظل من الصعب فصل ما يجري في غزة، أو في كل فلسطين، عما يجري في الإقليم كله ـ والعالم طرف فيه بشكل أو بآخر.
الخلاصة أننا نعيش عصر “الجماعات” بديلا للدول، ولم يبدأ هذا بحماس والأغلب أنه لن ينتهي بها لكنها العلامة الأبرز الآن ـ والأهم أيضا باعتبار الصراع مع العدو الإسرائيلي هو القضية الرئيسية في المنطقة مهما تعددت الصراعات في دولها. فبعد ما جعلت القوة العظمى الوحيدة في العالم ـ الولايات المتحدة الأميركية ـ من جماعة متطرفة ـ تنظيم القاعدة ـ العدو الأول محل القوة العظمى السابقة في وقت ثنائية القطبية العالمية ـ الاتحاد السوفييتي ـ والجماعات تصنع الأخبار أكثر من الدول. وتوافق العالم ـ دون الحاجة لتفكير المؤامرة ـ على أن ما سموه “الإرهاب الإسلامي” هو البديل المريح لما كان يوصف بأنه “الخطر الشيوعي” إبان الحرب الباردة. وإذا كانت المخابرات الأميركية ساهمت في تطوير “تنظيم القاعدة” في باكستان وأفغانستان، فهي لم تصنعه ـ بل كان “المجاهدون” من مصر وتونس والخليج وغيرها (وقيادات لهم من الفلسطينيين الذين رأوا أن تحرير القدس يبدأ بطرد الاحتلال السوفييتي من كابول) يتوافدون على باكستان وأفغانستان واستفاد من ذلك الغرب والأميركيون.
حتى “شيطنة الجهاد” لم تكن ممكنة لولا ممارسات مقاتلي تلك الجماعات وعملياتهم التي تجاوزت مقاومة الاحتلال السوفييتي في أفغانستان إلى محاولات فرض حكم ديني متشدد في دولهم الأصلية أو “عولمة الجهاد” كما يدعون والذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، خاصة في بلاد العرب والمسلمين. من الجماعة الإسلامية في مصر في نهاية السبعينيات إلى الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر مطلع التسعينيات، ثم تشظى تكوين الجماعات الأولى إلى جماعات منشقة وأخرى أكثر راديكالية، لمّ “الجهاد” في أفغانستان ـ وقبله في البوسنة وبعده في الشيشان ـ شمل جماعات متفرقة من بلدان مختلفة. ثم تشظى الجهاد الأفغاني إلى جماعات من بوكو حرام في نيجيريا والشباب في الصومال إلى النصرة وداعش في سوريا والعراق وغيرها. ومن جماعات أيديولوجية دينية متشددة، إلى أخرى حتى تسمى باسم زعيمها مثل: جيا خطاب في الجزائر وقاعدة الزرقاوي في العراق ….إلخ. ووصلت بعض تلك الجماعات إلى حد قوة موازية أمام قوى عسكرية رئيسية في المنطقة يتم التفاوض معها وعقد اتفاقات سلام مثل حزب الله اللبناني وإسرائيل، والآن حماس في غزة.
ربما يكون في بروز الجماعات على حساب الدول ردة فعل على زيادة المد القومي في أعقاب الاستقلال منتصف القرن الماضي. أو ربما كان تطورا طبيعيا في منطقة لم تشهد دولها تطورا ديمقراطيا في مراحل بناء دولة ما بعد الاستقلال، وبالتالي كان منطقيا أن تتفجر توترات طائفية وعرقية ومذهبية مكتومة مع ضعف الدولة بعد عقود من الترهل. وأيا كان التفسير، فالنتيجة التي نشهدها الآن أننا نعيش فترة تبرز فيها “الجماعات” على حساب الدول، وتلعب دورا أكثر تأثيرا في التطورات الإقليميةـ وربما الدولية. ومرة أخرى، ليس هناك في الأمر مؤامرات، فالعنف يقوم به عرب ومسلمون وفي أغلبه ضد عرب ومسلمين وآخرين وأقله ضد أجانب. ولا يمكن لوم أميركا وأوروبا وحتى إيران وتركيا إذا وجدوا مصلحة في استغلال تلك الجماعات لتحقيق أهداف أو حماية مصالح. إنما اللوم على تلك “الدول” التي فشلت أو كادت تاركة الساحة لتلك “الجماعات”.

د. أيمن مصطفى كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى