الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مقاوَمة غزة تَلِدُ انتفاضة الضفة!

مقاوَمة غزة تَلِدُ انتفاضة الضفة!

جواد البشيتي

الهُدَن الإنسانية (أكانت ساعات أم أيامًا) هي مطلب فلسطيني في المقام الأوَّل، ويجب أنْ يحظى بتأييد عالمي؛ أمَّا “التهدئة” التي يريدها نتنياهو فيجب ألاَّ تَلْقى قبولًا فلسطينيًّا؛ لأنَّ غايتها الإسرائيلية هي إخراج إسرائيل من مأزقها العسكري والسياسي والاقتصادي والأخلاقي والاستراتيجي، مع بقاء الحصار مضروبًا على قطاع غزة، وجَعْل الشعب الفلسطيني يَعْتَقِد أنَّ جَبَل التضحيات الفلسطينية قد تمخَّض، فولد فأرًا.

قُضِيَ الأمر؛ فإنَّها “الانتفاضة (الشعبية الفلسطينية) الثالثة”، والتي يمكن، ويجب، أنْ تكون الأخيرة، أيْ المُنْهِيَة للاحتلال الإسرائيلي؛ ويبدو أنَّ الرَّقم 3 هو الرَّقم الفلسطيني الآن؛ فالحرب على قطاع غزة هي الحرب الإسرائيلية الثالثة على هذا الشريط الفلسطيني الصغير المُثْخَن بجراح الحصار، والتي لولا فشل شكلها الأوَّل، شكل “الحرب عن بُعْد”، لَمَا انتقلت إلى شكلها الثاني، شكل “الحرب البرية”؛ وإنَّها لحربٌ كان لها من العواقب والنتائج ما ينبغي له أنْ يجعلها آخر حرب برية تشنها إسرائيل على قطاع غزة. والرَّقم 3 نراه الآن في “مُثَلَّث فلسطيني تاريخي”؛ ففي “المقاوَمة”، وبها، اتَّصَلَت والتَقَت واتَّحَدَت “الأضلاع الثلاث”: “قطاع غزة”، والضفة الغربية (مع القدس الشرقية)”، والفلسطينيون من سكَّان الجليل والمُثَلَّث والنَّقَب، والذين يسمون “عرب إسرائيل”.
نتنياهو (وصَحْبِه من قادة الحرب على قطاع غزة، من عسكريين ومدنيين) لديه من ضيق الأفق السياسي والاستراتيجي ما جَعَلَه يَعْتَقِد أنَّ حربًا يشنها على قطاع غزة يمكن أنْ تدرأ عن إسرائيل خطر اندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بعد وبسبب (وهذا سبب مباشِر ليس إلاَّ) اختطاف المستوطنين الفتى الفلسطيني المقدسي محمد أبو خضير، وحرقه حيًّا حتى الموت؛ فإذا بهذه الحرب تُشْعِل (بما أبداه المقاوِمون من بطولة، وكفاءة قتالية، استراتيجية وتكتيكية، وبما ارتكبه الجيش الإسرائيلي من مجازر في حقِّ المدنيين الأبرياء العُزَّل) فتيل الانتفاضة الثالثة، التي هي فرصة تاريخية ينبغي للفلسطينيين أن يغتنموها، وأنْ يُحْسِنوا اغتنامها؛ فهذه الانتفاضة، وإنْ بدأت بَعْد الحرب الإسرائيلية الثالثة على قطاع غزة، يجب ألاَّ تتوقَّف، ولو وَضَعَت تلك الحرب أوزارها، ويجب أنْ يَجْعَلها الفلسطينيون نمط عيش يومي لهم ما بقي واستمر الاحتلال الإسرائيلي، وأنْ ينأوا بها عن أي اتفاقية جديدة للتهدئة يمكن التوصُّل إليها مع إسرائيل.
وعلى ضيق أُفْقِه السياسي والاستراتيجي (والذي أقامت عليه الدليل القوي حرب “الجرف الصامد”) أقول إنَّ نتنياهو عَرَفَ الآن ما لا يجرؤ على الاعتراف به، ألا وهو أنَّ قرار وَقْفَ الحرب ما عاد بيده كقرار بدئها؛ وهذا في حدِّ ذاته نقطة تحوُّل نوعي واستراتيجي.
ولو كان لنتنياهو أنْ ينطق بالحقيقة لقال إنَّ العاقبة الأولى لحربه (جوًّا، وبحرًا، وبَرًّا) على قطاع غزة هي إصابته بالعجز عن تمييز “هدف الحرب” من “نتيجتها”؛ فلو سُئِل نتنياهو، بعد قبوله، على مضض، الزَّج بجيشه في حرب برية، “متى تنتهي الحرب؟”، لأجاب على البديهة قائلًا “عندما تَبْلُغ هدفها”؛ ولو سُئِل، من ثمَّ، “وما هدفها؟”، لأجاب، بما يقيم الدليل على أنَّه ما عاد يميِّز “الهدف” من “النتيجة”، قائلًا “إنَّه تدمير شبكة الأنفاق (الممتدة من قطاع غزة إلى أراضٍ إسرائيلية)”؛ لكنَّ نتنياهو، الذي هُزِمَ في “المنطق” أيضًا، لم يَعْلَم بوجود تلك الشبكة من الأنفاق إلاَّ بَعْد بدء الحرب البرية؛ إنَّ نتنياهو لَمْ يبدأ الحرب لتدمير شبكة الأنفاق حتى ينهيها بعد تدمير هذه الشبكة؛ وهو الذي لم يَعْلَم بوجودها إلاَّ بَعْد، وفي أثناء، الحرب البرية!
الهُدَن الإنسانية (أكانت ساعات أم أيامًا) هي مطلب فلسطيني في المقام الأوَّل، ويجب أنْ يحظى بتأييد عالمي؛ أمَّا “التهدئة” التي يريدها نتنياهو فيجب ألاَّ تَلْقى قبولًا فلسطينيًّا؛ لأنَّ غايتها الإسرائيلية هي إخراج إسرائيل من مأزقها العسكري والسياسي والاقتصادي والأخلاقي والاستراتيجي، مع بقاء الحصار مضروبًا على قطاع غزة، وجَعْل الشعب الفلسطيني يَعْتَقِد أنَّ جَبَل التضحيات الفلسطينية قد تمخَّض، فولد فأرًا، هو كناية عن قبول الفلسطينيين حل “التهدئة المتبادلة”.
ولو أراد ممثِّلو ما يسمَّى “الضمير الإنساني”، على المستوى العالمي، الانتصار للقيم والمبادئ الإنسانية في الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وتقليل الحاجة، من ثمَّ، إلى الهُدَن الإنسانية، لَجَعَلوا مجلس الأمن الدولي يقرِّر إقامة “وجود دولي إنساني” في المستشفيات، وسائر المواقع والأماكن الإنسانية، في قطاع غزة؛ لعلَّ ذلك يردع إسرائيل عن ارتكاب مجازر في حق المدنيين، ويُرْغِمها على خوض “حرب نظيفة”. ومن الوجهة القانونية، كان ينبغي لـ”المجتمع الدولي” أنْ يُعْلِن ويُوضِّح أنَّ الحق المشروع دوليًّا في الدفاع عن النفس يغدو جريمة إذا ما مارسَه الاحتلال الإسرائيلي؛ فكل مُحْتَلٍّ أجنبي لا يملك، ولا يحق له أنْ يملك، هذا الحق.
لِتَكُنْ هدنة طويلة نسبيًّا بين إسرائيل والفلسطينيين؛ لكن ليس قَبْل التَّوصُّل إلى “اتفاقية جديدة”، أساسها الإنهاء الدائم للحصار المضروب على قطاع غزة، مع استثناء “الانتفاضة الثالثة” من هذه الاتفاقية؛ وإنَّ فتح المعابر جميعًا لا يكفي لرفع الحصار عن القطاع، ولبقائه مرفوعًا؛ فإسرائيل، وعملًا بحقها السيادي، تستطيع إغلاق بوَّاباتها في أيِّ وقت تشاء، ولأيِّ سبب كان؛ وعليه، لا بدَّ من “الميناء” و”المطار”؛ ولا بدَّ، في الوقت نفسه، من إلزام إسرائيل عدم التعرُّض لحرية الملاحة البحرية والجوية في قطاع غزة.
لنتنياهو الحق في أنْ يُقرِّر وَقْفَ إطلاق النار من جانب واحد، مُبْقِيًا على الحصار (من حيث الأساس) في الوقت نفسه؛ لكنَّ المقاوَمة في قطاع غزة، والمعزَّزة بانتفاضة شعبية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، لها الحق أيضًا في أنْ تستمر في ضَرْب إسرائيل بما يجعل هذه الدولة (واقتصادها) في حصار مشابه، وبما يؤسِّس لحلٍّ يقوم على “الإنهاء المتبادل للحصار”؛ فالمقاومة تنتصر بـ”ميزان القوى النسبي”، لا بـ”ميزان القوى المُطْلَق”؛ وإلاَّ ما معنى أنْ يستقل “الضعيف (عسكريًّا)” عن “الأقوى منه (عسكريًّا)”؟!

إلى الأعلى