الإثنين 22 أكتوبر 2018 م - ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مثالب الديمقراطية المستوردة

مثالب الديمقراطية المستوردة

أ.د. محمد الدعمي

”إن الإقدام على هذا النوع من التلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية في العراق وبهذا الحجم المهول، إنما يعكس بوضوح مخاطر ومؤديات الانتخابات المبتناة على “المحاكاة”، خاصة تلك التي تقدمها قوى أجنبية محتلة بدائل لما تدعى هي بأنه حكم فردي أو دكتاتوري، وما إلى ذلك من وصفات جاهزة مهيأة لتشويه حكومات وقيادات العالم الثالث، خاصة عالم الشرق الأوسط.”

لطالما أكد الحكماء والعقلاء عبر العالم العربي والإسلامي عامة على ضرورة توليد “ديمقراطية” محلية، ديمقراطية تنبع من طبيعة المجتمع وتوازنات قواه السياسية الفاعلة في الساحة بحق. وقد جاء هذا التأكيد المتوازن من وحي الاندفاع القوي الذي أبدته بعض الشخصيات والقوى نحو “محاكاة” الديمقراطية المعتمدة في مختلف أنحاء العالم الغربي بتعام.
وعلى الرغم مما ينطوي عليه الرأي الثاني من شعور محبط بالدونية والتحجيم حيال العالم الغربي وآفاقه المستقبلية، إلا أن الواقع (على أرض العراق بخاصة) قد جاء مصداقا للرأي الأول الذي طالما رفض الديمقراطية الجاهزة والمسلفنة التي “تتكرم” بها الدول الغربية على البعض والتي يجري إليها العديدون وكأنهم منومون مغناطيسيا، بل وكأنها ديمقراطية “منزلة” من السماء كالكتب المقدسة. والحقيقة أقول ما هو عكس هذا الإعجاب المتعامي: فحتى في أميركا التي عدها البعض أنموذجا للديمقراطية المثالية، غير المشوبة بالخلل، تجد اليوم التحقيقات جارية على قدم وساق حول الشكوك التي راحت تشوب عملية فوز الرئيس الحالي، دونالد ترامب، بالانتخابات الرئاسية، زيادة على الشكوك في إمكانية تدخل روسي “سري” لمساعدته على تحقيق هذا الفوز من خلال العمل ضد منافسته آنذاك، السيدة هيلاري كلينتون! إذا كان الأمر كذلك في أميركا، فما بالك بما يجري في العراق من انتخابات لم تكن قط وليدة طبيعة المجتمع العراقي وخريطته السياسة، وإنما كانت هي هدية مجانية لــ”عيد ميلاد” إسقاط الدولة العراقية من قبل واشنطن (2003).
لذا تراودني الشكوك الجادة حيال هذه الانتخابات التي جرت قبل بضعة أيام، خاصة بعدما تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي من عمليات تزوير مؤسفة في مناطق عديدة من داخل العراق نفسه، زيادة على ما أميط اللثام عنه من عمليات تزوير منظم وبالجملة عبر المراكز الانتخابية في بقية أنحاء العالم، وهي عمليات تزوير رفعت حظوظ الخاسرين في العراق على حين غرة، فقلبتها رأسا على عقب. وقد جرى ذات النوع من التشبث بالأسماء التقليدية المستهلكة من الذين عرف عنهم الفساد حتى صار رديفهم.
بل إن عمليات التزوير المؤسفة (بعد إعلان النتائج الفاضحة) راحت تتمادى حد الدعوة إلى اصطناع “دور ثاني” للانتخابات، باعتبار أننا نتعامل مع امتحانات لمدرسة ثانوية! وهي حال تستدعي التندر والسخرية في آن واحد.
إن الإقدام على هذا النوع من التلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية في العراق وبهذا الحجم المهول، إنما يعكس بوضوح مخاطر ومؤديات الانتخابات المبتناة على “المحاكاة”، خاصة تلك التي تقدمها قوى أجنبية محتلة بدائل لما تدعى هي بأنه حكم فردي أو دكتاتوري، وما إلى ذلك من وصفات جاهزة مهيأة لتشويه حكومات وقيادات العالم الثالث، خاصة عالم الشرق الأوسط. إن الذي يجري اليوم في العراق (ذيل أو ذيول للانتخابات المنتهية والمحسومة قبل أيام) إنما يثير الشكوك الجادة في قبول العراقيين بالنتائج التي ستحاول لجان الانتخابات تمريرها وفرضها عليهم رغم أنوفهم، الأمر الذي قد يقود إلى انتفاضة، ثم تداعيات تمس الأمن العام والسلام المجتمعي على نحو قد يكون دمويا.

إلى الأعلى