الثلاثاء 19 يونيو 2018 م - ٥ شوال ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / جورج برنارد شو.. في الميجور بربارة

جورج برنارد شو.. في الميجور بربارة

علي عقلة عرسان

يتابع أندرو شافت عرض آرائه في موقع آخر من النص فيقول: “إنني أفضِّل أن أكون لصا على أن أكون جائعا معدما، وأفضّل أن أكون قاتلا على أن أكون عبدا. لا أريد أن أكون أيهما، ولكن إذا ما أجبرتني على الاختيار، فبحق السماء، سأختار الأشجع والأفضل. إني أكره الفقر والعبودية أكثر من أية جريمة أخرى.

جورج برنارد شو George Bernard Shaw، ١٨٥٦ – ١٩٥٠. دبْلِني المولد، لندنيّ النضج والإقامة، غزير الإنتاج ومتنوعه، حاز على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٢٥ ولم يقبلْها، وقال فيما قال في ذلك الشأن، وبطريقته الساخرة اللافتة: “إنني أغفر لنوبل إنه اخترع الديناميت، لكنني لا أغفر له أنه اخترع جائزة نوبل”.. وربما يدغدغ هذا القول مشاعر بعض الأدباء، لا سيما بعد أن أعلنت الأكاديمية الملكية في السويد، أنها ستحجب الجائزة هذا العام ٢٠١٨، بسبب فضائح؟! كتب شو في النقد، والفكر، وعمل في السياسة، وهو أحد مؤسسي الجمعية الفابيّة “الاشتراكية”، ومن أبرز مفكريها. وقد حارب الفقر وعَدّه السبب لمعظم المَفاسد، وكان يراه “مصدرا لكل الآثام والشرور”، ومن مظاهر الفقر ونتائجه ومعانيه عنده “الضّعف والجهل والمرض والقمع والنفاق”.. ويذكِّرنا موقفه من الفقر، ونظرته إليه بوصفه مؤسسا للبؤس والقهر والشر، بموقف عربي ـ إسلامي، سبقه بمئات السنين، تضمنه قول علي بن أبي طالب: “لو كان الفقر رجلا لقتَلْته”، وذلك لما في الفقر من ظلم وإشقاء ومخاطر على الإنسان والأخلاق والمجتمع.
لم يكن شو مع حرية المرأة، بمعنى تحررها بالمفهوم المتداول اليوم، لكنه كان مع إنصافها، وقد يُلمَح من ذلك الموقف خروج منه على أستاذه النرويجي الكاتب المسرحي هنريك ابسن، الذي نادى بتحرر المرأة في أوربا، في مسرحيته “بيت الدمية”، وبطلتها نورا التي صفقت خلفها الباب، متحركة نحو التحرر. لكن ما دعا إليه إبسن من تحرر، ليس ما ينزاح اليوم إلى شيء من الانحلال.. فإبسن لم يقل بفوضى اجتماعية وأخلاقية، تحت عنوان التحرر، إنما أطلق صرخة بطلته “نورا” بوجه عبودية الجسد والروح وما في حكمهما، وليس من أجل التحلل من كل ما يلزم المرأة بقيم أسرَة ومجتمع وبيئة، فيهما كرامة ومساواة وسلامة. وظل شو معجبا بهنريك ابسن وإنتاجه.
لم ينجح شو في مجال كتابة الرواية، حيث كتب خمس روايات لم يوفق في واحدة منها، لكنه ترك إنتاجا غزيرا ومتنوعا في مجال المسرح والفكر والرأي، فقد كتب “٦٠ مسرحية”، بين طويلة ومتوسطة وقصيرة، تم تحويل بعضها إلى أفلام سينمائية، وكتب هو السيناريو لبعض ما أُنتِج من مسرحيات للسينما، مثل: بيجماليون، الأسلحة والإنسان، الإنسان والسوبر مان، سيدتي الجميلة، المليونيرة.
ونذكر من مسرحيات شو الساخر، غزير المعرفة، متنوع الإنتاج، الذي لم يكمل تعليمه، وترك المدرسة وهو في الخامسة عشرة من عمره، ليساهم في إعالة أسرته، نذكر مسرحيات: بيوت الأرامل، تابع الشيطان، المسيح ليس مسيحيا، الميجور بربارة، جان دارك، عربة التفاح، قيصر وكليوباترا.. إلخ). وليس الغرض من هذه الوقفة القصيرة، مع بعض مسرحياته، أن نتناول إنتاج الرجل، ومذهبَه، وفكره، ومنزلته في المسرح، بل هو الوقوف مع بعض نماذج من إنتاجه المسرحي تقدِّم بعض الملامح، وذلك من خلال مسرحية “الميجور بربارة”، التي كرسها لموضوع الفقر ومعالجته، بوصف الفقر رأس الشرور.. وقد عرض ذلك من خلال منهجين: التشغيل والقتل، “صنع السلاح، وترويجه، والتجارة به.. وفرص العمل التي يخلقها التصنيع”، والوعظ والعطف والتبرعات والمساعدات والروحانيات.. إلخ” المرافقة لذلك أو المرتبطة به، على نحو ما، وما يجره ذلك الوضع من “رعب وموت، وفقر وبؤس”. وقد عانى شو نفسه من الفقر لسنوات طويلة، وعانت منه أسرته، بسبب والده السِّكير.. والفقر هو ما تعاني منه شعوب كثيرة، منها قطاعات كبيرة من شعبنا العربي، كما نعاني نحن مما هو أفظع، ويتلازم معه الفقر والرعب والتشرد، أعني “الحرب، والقتل، والعنصرية، وغطرسة القوة، والفوضى، والظلم، والجهل، والتطرف، والإرهاب، والجوع.. إلخ”، من دون أن تكون هناك معالجات مقبولة، أو مشاريع وأفكار يمكن أن تقدم معالجات ناجعة وإنسانية، يمكن للعقل قبول منطقهاوالإقبال عليها.. وذلك لأن أصحاب المال، ومصانع السلاح، وتجار الحروب، لا يقدمون حلولا، بل يدفعون دولا كبرى لاعتماد سياسات “اقتصادية ومالية وإنتاجية وتشغيلية، تصعِّب الحلول.. إذ تعتمد على تحقيق دخل ضخم من خلال رواج سوق السلاح، وسباق التسلح.. وتنشيط هذا السوق يستدعي نشر الحروب، وتغذية الصراعات، وخلق بؤر التوتر.. الأمر الذي يروِّج لهذه الصناعة، ومن ثم يشغل تلك الألة التي وقودها في النهاية دم الشعوب وبؤسها. ويساهم ذلك التوجه بإشاعة الفقر الروحي والأخلاقي، ومن ثم يفاقم الجهل ويفقر العقل والرؤية والمعرفة والحكمة، ومن تحصيل الحاصل أنه ينشر الفقر والبؤس والشقاء.. ويؤسس لضعف القدرة على التصدي لمن يتسببون في المآسي البشرية، ويسيطرون على تجارة السلاح والدم، ويثيرون الحروب ليكدسوا المال، وينهبوا العالم، ويتحكموا بمصير الدول والشعوب. وعدم القدرة على التصدي لأولئك بأي أسلوب، يساهم في إهدار حقوق الإنسان وحياته، وفي تدمير القيم الخيِّرة، وإشقاء الناس.
لا أرمي هنا إلى تناول إنتاج شو، ومذهبه الفني، وفكره، وشخصيته الناقدة بسخرية لاذعة نافذة.. وأسلوبه الذي يمكن أن يكون له ما له وعليه ما عليه، فذاك أمر يحتاج إلى مجال آخر، ودراسة أوسع.. بل الغاية هي الوقوف عند نص مسرحي له، يراودني أن أسميَه “السلاح والفقر”، إذ يكاد يكون هذا هو عماد موضوع مسرحية “الميجور بربارة” التي أقاربها هنا. نحن في هذه المسرحية أمام الاشتراكيين الإنجليز، الفابيّين، الذين يتميزون بنظرة خاصة وموقف خاص في هذا الشأن، ومنهم جورج برنارد شو، الذي كره أن يُشاع عنه أنه مثالي، كما كره أن يصبح، مجرد ورود عبارة “السوبرمان” في كتاباته، عنوانا عاما لأعماله.. لأنه يطمس واقعيته العميقة، والتصاقه بالناس والحياة في عصره. في هذه المسرحية، يضعنا شو بمواجهة اختيارات تحتاج إلى الذكاء، وبعدِ النظر، وتمحيص الأمور، وإعمال الفكر، قبل الإقدام على اتخاذ موقف ما، أو إصدار حُكم ما من أحكام القيمة.
حوادث مسرحيته “الميجور بربارة” تجري في لندن عام 1906، وقد كتبت في الفترة ذاتها. شخصياتها، هم بالدرجة الأولى، أفراد أسرة واحدة، هي أسرة أندرو شافت، صاحب مصانع المدافع خاصة، والأسلحة الثقيلة عامة، في بريطانيا العظمى. وشافت لا يعيش مع أسرته، ولا يأتي إلى البيت إلا بما يشبه الدعوة الرسمية من سيدة المنزل زوجه، وحين يأتي إلى البيت يُعامَل معاملة رسميّة جدا، تشعره بأنه ليس أحد أفراد الأسرة.
عند بداية المسرحية، نتعرف على بريتومارت التي تدير المنزل بحزم، وتفرض سطوتها على أولادها، وتتحمل المسؤوليات المالية كاملة، ولا تعتمد على ما يقدمه زوجها من مال.. ونعرف أنها تأخذ من والدها ما قد تحتاج إليه، وليس هذا لفقر أندرو شافت، فهو من أعظم الأثرياء، ومن أكبر المتحكمين في مصير السياسة في بلده، وإنما هو نتيجة رفضها لماله الذي يأتي من تجارة الحرب.
أفراد الأسرة: بربارة وسارة، كل منهما تعرَّفت على شاب خطبها، ويعيش معها في بيت الأسرة، أمَّا الابن ستيفن، فهو أصغر أفراد الأسرة، لكنه تجاوز العشرين من عمره. وتحرص الأم كل الحرص على أن يكون الوريث الشرعي لممتلكات أندرو شافت، الذي يأبى أن يتم ذلك على الإطلاق. وربما كان هذا أحد الأسباب الرئيسة في نشوب خلافات داخل الأسرة، لم تحسم.
عند افتتاح المسرحية، نرى السيدة بريتومارت تصدر أوامرها لكل فرد، بأن يكون على قدر من اللياقة والجدية في التعامل، عند قدوم السيد أندرو شافت. وهي من خلال إصدار هذه التعليمات، تقوم بإخبار الجميع، وخاصة ابنها ستيفن، بأنها دعت زوجها ـ والدهم ـ أندرو شافت لزيارة المنزل.. هناك أمور تريد أن تطرحها عليه، وتريدهم أن يعرفوها.
يحضر أندرو شافت، الذي يتعامل بلباقة، وقوة شخصية، ووضوح منطق، تجعل منه إنسانا أخّاذا لمَّاح الذكاء. ويتعرف على أفراد الأسرة، وأقول يتعرف عليهم، لأنه ربما لا يعرف أولاده معرفة الأب لأبنائه فعلا.. كما يتعرَّف على الخطيبين: خطيب بربارة، وخطيب سارة ابنتيه. وفي هذا التعارف وما أعقبه من حديث، نصل إلى تحديد بعض المواقف التي تشكل محور الصراع القادم، في المراحل الآتية من النص:
١ – رفض أندرو شافت، رفضا قاطعا، أن يصبح ابنه ستيفن وريثا لمصانع السلاح، وذلك لأن تقليد وراثة العمل في تلك المصانع، جرى على أن يقوم المالك بتبني أحد اللّقطاء، وتسليمه العمل، بعد أن يكون قد تأكد من: قدرته على إدارته، ومن قوة شخصيته، واستطاعته التامة التي تمكنه من إدارة العمل بنجاح. ونتبيّن أن أندرو شافت نفسه، هو لقيط، أصبح صاحب المصانع، بعد أن تبناه اللقيط الذي كان مالكا لها قبلَه. وأن هذا الأمر أثبت أن العمل يبقى محافظا على وتيرة مرتفعة من النجاح، تحققها قدرة الأشخاص الذين يُختارون بعناية، وليس أشخاصا يحتلون الموقع لمجرد انتمائهم الوراثي لصاحب المُلك. ولهذه الإشارة من برناردشو مدلولها، فاللقطاء ينجحون أكثر من غيرهم في ترويج الحروب، وفي نشر القتل والاقتتال، وفي إراقة الدماء، من خلال تجارة السلاح والترويج لها.. وهي تجارة بالدم وحياة الناس؟!
٢ – نشوء تحدٍّ بين أندرو شافت، الذي يرى أن منطق القوة وامتلاك السلاح هو القادر على معالجة أمور العالم، وبين ابنته بربارة التي التحقت بجيش الخلاص، وأصبحت برتبة ميجور. وهي ترى أن إصلاح النفوس الشريرة، والحصول على توبتها، وقيامها بالعمل في جيش الخلاص، هو السبيل إلى الخروج بالإنسانية من الظلام إلى النور.
وعلى هامش هذا، نذكر أن “جيش الخلاص” هو الاسم الذي أطلقه “أحد أجداد آل بوش الحاليين ـ وهو على الأغلب جيمس سميث بوش ١٨٢٥ – ١٨٨٩”، على الإرسالية المسيحية التي أسسها هو في ايتشابل عام 1865 وأصبحت وسيلة وأداة لإحياء الدين، بمفهومه للدين، ومن خلالها يهتم بالفقراء والمحتاجين، حيث يقيم لهم مراكز للتخفيف عنهم.
والميجور بربارة، التي تعمل في هذا الجيش كأبرز عناصره، تعتمد على تحصيل القِرش الحلال، لتنقذ به الأرواح من الجوع، كما تركز تركيزا خاصا على الجانب الروحي، وتحاول أن تغزو النفوس العمياء الغارقة في الخطيئة، لتجرها إلى الاعتراف فالتوبة. إنها مرتاحة روحيا ونفسيا للعمل الذي تقوم به، وضميرها مرتاح ومطمئن تماما، لأنها اختارت عملها ذاك. وقد تمكنت من تخليص أرواح مذنبين كثيرين، بعضهم من المجرمين، عن طريق التوبة وإعلان الانضمام إلى جيش الخلاص.
التحدي الذي أشرت إلى أنه نشأ بين بربارة وأبيها، يضعهما في موقعين أو موقفين متضادين، حيث يعتبرها هو ضالَّة، تسير في طريق غير ملائمة، وتعتبره هي ضالا يحتاج إلى الخلاص مما هو فيه.. وكل منهما يعتقد أن طريقه هي الطريق الصحيحة، الحقيقية، المُثلى لخلاص العالم.
تطلب بربارة من والدها أن يزور معها دار الجيش، جيش الخلاص، في أحد الأحياء، وأن يرى التائبين هناك، وكيف يتوصلون معهم إلى الاعتراف، وكيف يعاملونهم.. فيوافق، على أن تقوم هي بعد ذلك، بزيارة معامل السلاح حيث يعمل هو.
في دار “جيش الخلاص”، يشاهد أندرو شافت مجموعة من حالات البؤس، كما يشاهد تصرفات أحد الخارجين على القانون، ممن دفعتهم الحاجة والفقر إلى ممارسة ألوان من القسوة على الناس، ويقف أيضا على أخبار جيش الخلاص، وكيف يعاني أتباعُه الأمرَّين في تحصيل القروش البسيطة اللازمة لإطعام البائسين، وكيف يحصل هذا الجيش على التبرعات، نتيجة عرض مجموعة المعترفين أمام الناس، ليدلوا باعترافاتهم، وليعلنوا التوبة.. الأمر الذي يثير الحماسة، ويجعل المتفرجين يتبرعون لجيش الخلاص، الذي يقوم بهذه المهام العظيمة.
في موقف خاص في تلك الدار، يعرف أندرو شافت رئيسة الجيش، أو المسؤولة التي تأتي ابنته بربارة بعدها في المسؤولية، ويعرف منها أن الأوضاع المادية سيئة جدا في الجيش، وأنها قد حصلت على تبرع مقداره خمسة آلاف جنيه أسترليني من صاحب أكبر تجارة للخمور في لندن، ولكنه تبرع مشروط بوجود متبرع آخر، أو عدد من المتبرعين، يدفعون مبلغا مساويا. وأمام دهشة بربارة، التي تستغرب أن يقبل جيش الخلاص نقودا ملوَّثة، هي نقود أكبر تاجر خمور في لندن، تقبل رئيسة الجيش تبرع أندرو شافت بالآلاف الخمسة المطلوبة، ويرفض هو أن يعلَن عن اسمه، ويسير مع رئيسة الجيش في الشوارع إلى الكنيسة، كأكبر صانع خير، ومالك قلب رحيم، ومنقذ للفقراء والمساكين.؟!
إنها المفارقات التي تجعل بربارة تصاب في الصميم، فتنسحب من جيش الخلاص، لأنها لا تعرف كيف يمكن أن تستخدم القِرش الملوث لإنقاذ الروح الملوثة، ولا ترى أنه من الممكن شراء النقاء والأخلاق، والوصول إلى التطهر، بالنقود الملوثة.. كما يفعل تاجر الخمور اللندني، وتاجر السلاح أبوها.
في أثناء زيارة أفراد الأسرة إلى معامل أندرو شافت، يرون مدينة منظمة، نظيفة، تسيطر عليها قبضة حديدية، لا يظهر من وحشيتها شيء على الإطلاق. إنها تصل إلى تأمين سير العمل، وتحقيق غاياتها، عن طريق خلق التمايز والمحافظة عليه، وعن طريق تسليم الأمر إلى الأشخاص حسب تسلسل المراتب والكفاءات بدقة متناهية، وإسناد أمر المحاسبة إلى الأشخاص المسؤولين أنفسهم، الذين ينفذون ذلك على أكمل وجه.. وكيف تعود الأرباح الضخمة إلى جيوب المالكين، من دون أن يضطروا إلى مقاومة أحد. إن معامل أندرو شافت تؤمن للعمال أفضل حياة، بسعر معتدل جدا، وتبقى مالكة لأرواحهم، ولقدراتهم، وإنتاجهم، ومصائرهم.
وخلال الزيارة، يعرض أندرو شافت فلسفته التي تتلخص بقوله: “الفقر أبشع الجرائم، فكل الجرائم الأخرى تعتبر فضائل بجانب هذه الجريمة. إن الأعمال المخلّة بالشرف تعتبر شهامة بجانب الفقر، فالفقر يقضي على مدن بأكملها، وينشر الأوبئة المروعة، ويميت أرواح كل من يكون على مرأى ومسمع منه. إن ما تسميه جريمة ليس شيئا.. قتل هنا وسرقة هناك، طعنة هنا ولعنة هناك: ما قيمة هذه الأشياء؟‍! إنها ليست إلا حوادث الحياة وشرورها. وليس في لندن بأسرها خمسون مجرما محترفا حقا. ولكن هناك ملايين من الفقراء البائسين القذرين الجائعين العارين.. إنهم يسمموننا خُلقيا وجسمانيا.. إنهم يقتلون سعادة المجتمع، إنهم يجبروننا على الاستغناء عن حرياتنا، ويدفعوننا إلى إيجاد نوع من الغلظة الشاذة، خشية أن يثوروا علينا ويجروننا إلى الهاوية التي تردوا فيها. إنه لا يخشى من الجريمة إلا المغفلون، ولكنا جميعا نخشى الفقراء.. تتحدثين بربارة عن الشرير الذي كدت أن تنقذي روحه، وتتهمينني بجر روحه ثانية إلى الضياع والخسران.. حسنا.. أحضريه هنا، وسأصحب روحه ثانية إلى الخلاص، من أجلك، لا بالكلام والأحلام ولكن بمنحه 38، شلنا في الأسبوع وتوفير مسكن صحي له في شوارع لطيفة، وإيجاد عمل دائم له”.
ويتابع أندرو شافت عرض آرائه في موقع آخر من النص فيقول: “إنني أفضِّل أن أكون لصا على أن أكون جائعا معدما، وأفضّل أن أكون قاتلا على أن أكون عبدا. لا أريد أن أكون أيهما، ولكن إذا ما أجبرتني على الاختيار، فبحق السماء، سأختار الأشجع والأفضل. إني أكره الفقر والعبودية أكثر من أية جريمة أخرى. واسمحي أن أقول لك: إن الفقر والعبودية قد صمدا لقرون عديدة لخطبك الدينية، ومقالاتك الافتتاحية، ولكنهما لن يتحملا مدافعي الرشاشة. لا تغطي لهما. ولا تجادلي معهما، اقتليهما فقط”.
إن أندرو شافت يختار معالجة للفقر والبؤس، أو منطقا للتعامل معهما.. فما هو ذلك العلاج أو المنطق؟ إنه إتاحة فرص، بصرف النظر عن البضاعة. إنه يضع بين أيدي الجميع أسلحة يبيعها لمن يملك ثمنها، ويتيح أمام الجميع حرية استخدام القوة، للوصول إلى “الحق”، أو ما يرى أنه الحق، ويرى أن القضاء على الفقر أحق من القضاء على الإجرام، ولا يكون ذلك إلا بإتاحة فرص العمل، وتقديم ما يكفي من ضمانات للقضاء على الفقر، الذي يهدد العاطل عن العمل.
بهذه الآراء يفلح أندرو شافت في إقناع خطيب ابنته بربارة بالانضمام إلى جانبه، ومن ثم بالاعتراف بأنه لقيط هو الآخر، ويوافق على أن يصبح هو الوريث. لكن ليست هذه هي المفاجأة،
المفاجأة هي تحوُّل بربارة إلى صف امتلاك القوة، والوقوف إلى جانب خطيبها ومنطق والدها، بعد أن كانت ترفض ذلك رفضا تاما. إنها تقبل الزواج من خطيبها اللقيط، بعد أن اختار، وتنسجم مع رغبة والدها، وتحقق طموح أمها التي كانت تريد امتلاك ثروة الأب ومعامله، والسيطرة عليها بأي ثمن، فهذا الخيار الذي اختارته، يحقق الهدف.
ولكن كيف يمكن أن تتصرف بربارة، زوجة اللقيط، صاحب مصانع أندرو شافت الجديد في المستقبل؟ لا أحد يتنبأ بذلك مسبقا، ولكن المؤشرات تؤكد أنها آمنت بنهج والدها. فأين يقف جورج برنادشو من هذا؟ هل تراه يختار ما جعل بطله أندرو شافت يختاره وينجح بإقناع بربارة وخطيبها به؟! هل ترويج إنتاج السلاح وتسويقه هو مفتاح القضآد على الفقر، وفي ذلك فقر ورعب وموت.. وهل طريق ” جيش الخلاص” مغلق، أو أنه لن يقدم شيئا مجديا، ويحتاج إلى صدقات وتبزعات منتجي صناعة الموت؟!
في المسرحية عرض دقيق لوجهات نظر جريئة، متضاربة بل متصادمة. وينجح برنارد شو في عرض أفكاره من خلال حوار، يثير في قارئه صدمة المفاجأة، ويجبره على النظر من زاوية المؤلف، وعلى مناقشة أفكاره بجدية، إن لم يكن قبولها. إن شو يعرض باستمرار وجهة النظر غير المتوقعة، ولكنها وجهة نظر، وتكون على الأغلب مقبولة أيضا.
بنية المسرحية جيدة، وحوارها دقيق وعميق، ويمكن أن تشدَّ جمهورا إلى مشاهدتها، وإلى تتبُّع ما فيها من أفكار، بل وإغراء أشخاص من ذلك الجمهور بالأخذ بها. رسم الشخصيات جيد، فهي تحمل خصوصيتها وتتصادم في مواقف، الأمر الذي يحرك النص دراميا، وبعضها يتطور، بل وينتقل إلى ما يمكن أن يكون نقيض ما كان عليه، مثل بربارة. وهناك شخصيات متميزة في تأثيرها مثل أندر وشافت ـ وبربارة ـ وبل ووكر.. ويبقى وراء ذلك كله جورج برنارد شو.

إلى الأعلى