الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: السلطنة والصين .. شراكة استراتيجية

رأي الوطن: السلطنة والصين .. شراكة استراتيجية

العلاقات العمانية الصينية علاقات ليست وليدة اللحظة أو قادت إليها مصادفات التاريخ وأحداثه، وإنما هي علاقات متجذرة في التاريخ تشكلت منذ زمن بعيد تعود إلى طريق الحرير حيث كانت عمان بمثابة همزة وصل مهمة بين الصين وباقي دول العالم العربي والغربي، علاوة على ما يمتلكه البلدان من إرث حضاري وتاريخي ودور فعال مكنهما من حجز مكانتهما على المسرح الدولي قديمًا وحديثًا، فلا يخفى على أحد بصمات الحضارتين العمانية والصينية في مختلف جنبات هذا العالم.
لذلك لا غرو أن تكتسب هذه العلاقات العمانية الصينية أهميتها، وترتقي منازل متطورة ومتقدمة ما يسمح للبلدين بتوسيع دائرة التأثير سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وغيره، وما يضفي على هذه العلاقات ألقها وتميزها هو الرؤية الحكيمة والنظرة المستنيرة لدى قيادتي البلدين اللتين تتقاسمان الرؤية المشتركة في ما تتضمنه علاقات الدول ـ القائمة على الاحترام وتبادل المنافع وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير ـ من أهمية كبرى في استتباب مظاهر الأمن والسلم الدوليين، وما تمثله من أساس متين لتحقيق مصالح الشعوب والتنمية المستدامة والاستقرار والطمأنينة، وإمكانية المساعدة في حل القضايا الدولية وحلحلة تعقيداتها.
ويأتي البيان المشترك بين السلطنة وجمهورية الصين الشعبية والذي صدر أمس تعبيرًا عن ما تتمتع به قيادتا من حكمة وحرص على تطوير هذه العلاقات والانتقال بها إلى هذا المستوى، وما تبديانه من اهتمام كبير تجاهها، في خضم عالم تكتنزه الكثير من القضايا الساخنة وتشعباتها، ويكتظ بالكثير من التعقيدات والتحديات والتناقضات والتطورات جراء تقاطع المصالح وتصادمها أحايين كثيرة وفي أماكن، واتفاقها أحيانًا وفي أماكن أخرى بين بعض القوى الكبرى وصراعها على النفوذ واغتنام الفرص، واهتبال ثروات دول وشعوب، وكذلك تدخلها في شؤون الداخلية للدول لا سيما الدول المستضعفة وعدم احترامها لسيادتها واستقلالها، والتربص والكيد لها وهكذا، ما يتطلب أن تكون هناك قوى فاعلة ووازنة، تمتلك القدرات والإمكانات، وتتمتع بصوت العقل والحكمة والمقبولية، وساعية إلى تحقيق الاستقرار وخدمة الأمن والسلم الدوليين، واحترام سيادة الدول وحل القضايا حلًّا سياسيًّا عبر الحوار، وهذا ما يتوافر لدى كل من السلطنة وجمهورية الصين الشعبية.
لقد حرص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ بزوغ فجر النهضة المباركة على إقامة علاقات متميزة مع كافة دولة العالم التي تعد جمهورية الصين الشعبية إحدى هذه الدول التي تتفهم حاجة المنطقة لنهضة كبرى، وتقدر قيمة التنمية والأمن والسلم الدوليين، وقيام علاقات تسودها روح المحبة والاحترام وتبادل المصالح والمنافع وتتكئ على شراكة استراتيجية حقيقية، تتحقق معها الآمال والطموحات، فاليوم جمهورية الصين الشعبية توصف بأنها عملاق اقتصادي عالمي وقوة كبرى تتبنى سياسة اقتصادية طموحة تقوم على التجارة والصناعة، وقد حجزت مكانتها في أوساط الدول الصناعية الكبرى التي تهيمن على أسواق العالم حاليًّا، ووفقًا للعوامل المشتركة، والتقاء المطامح والمصالح بين السلطنة والصين ترسخت العلاقات بينهما وتجذرت لتشكل شراكة استراتيجية ورافعة حقيقية لخدمة مصالح البلدين، فما تضمنه البيان المشترك من نقاط هي في غاية الأهمية والاستراتيجية، فقد لامست الأبعاد الاستراتيجية التي تخدم البلدين في جميع المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والتجارية والصناعية والسياحية وغيرها، كما سيمتد خير هذه الشراكة الاستراتيجية ودورها إلى منطقة الخليج والمنطقة والعالم، وذلك من خلال حرص البلدين على بذل جهود مشتركة لدفع عجلة إقامة منطقة التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في أسرع وقت ممكن، وتعزيز التواصل والتنسيق في إطار منتدى التعاون الصيني العربي، ورفع مستوى التعاون الجماعي بين الصين ودول مجلس التعاون والدول العربية، وتعزيز التنسيق والتعاون بين السلطنة والصين حول القضايا الإقليمية والدولية المهمة في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والمحافل المتعددة الأطراف الأخرى، ودعم إيجاد حل سلمي للقضايا الساخنة في المنطقة عن طريق الحوار والتفاوض السياسي.

إلى الأعلى