الإثنين 22 أكتوبر 2018 م - ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في المحن يصنع العماني ملحمته الوطنية الخالدة

في المحن يصنع العماني ملحمته الوطنية الخالدة

سعود بن علي الحارثي

” تعاملت مختلف الأجهزة الحكومية بهدوء وحكمة وبعد نظر مع (ميكونو)، فلم تستعجل في إطلاق التحذيرات والتنبيهات لإدراكها بحساسية العوامل والأسباب العديدة المحيطة بهذه الحالات المدارية التي تؤثر تأثيرا مباشرا في مكان ميلادها ومسارات تحركها وتطور تصنيفاتها وضعف الدقة في التنبؤ البعيد المدى أي لأكثر من ثلاثة ايام، وبأن كل تغيير يحدث للحالة يتطلب إعادة الحسابات وتغيير الاستعدادات وتطوير الإمكانات،”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحمل العواصف والأعاصير التي تتكون من رياح عاتية تدور بشكل حلزوني إلى الداخل والخارج، قوة تدميرية هائلة تعجز أعتى واشد الدول المتقدمة مثل أميركا وأوروبا واليابان من أن تقي بلدانها ومجتمعاتها شرورها ومخاطرها الجسيمة، فهي تجمع الحرارة والطاقة خلال مرورها فوق المسطحات المائية الدافئة ويساعد تبخر المياه في زيادة قوتها التي قد يصل اتساعها إلى 966 كلم، وبحسب ما نتابع يوميا في وسائل الإعلام والتواصل المجتمعي فإن هذه الحالات التي تضخها إلى اليابسة المحيطات والبحار والخلجان الدافئة تدمر مدنا وقرى بأكملها وتحيل بناها التحتية المتقدمة والقوية إلى خراب وتقتل آلاف البشر في أنحاء العالم، وكاترينا التي تسببت في أسوأ كارثة طبيعية شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في 2005م، وأدت إلى مقتل 1826 شخصا ودمرت كل شيء واجهته في طريقها، أبانت عن عجز القوة العظمى وضآلتها أمام قوى الطبيعة، وهي ليست الاستثناء فقد كانت واحدة ضمن سلسلة من العواصف والأعاصير المتواصلة التي تضرب العالم شرقه وغربه. بحر العرب الذي تطل العديد من محافظات السلطنة على شواطئه واحد من أهم بؤر تشكل العواصف والأعاصير المدمرة التي تغير تباعا على الدول والجزر والمناطق التي يحيط بها، والتي تئن من هذه القوى التدميرية الهائلة ولا تملك لنفسها شيئا سوى مواصلة العمل على تطوير القدرات العلمية والبشرية لكي تمكنها من التنبؤ قدر الإمكان بمساراتها والإعداد لها والاستعداد للتخفيف من وطأتها على البشر خاصة وتعزيز بنيتها التحتية والاستفادة من دروس محنه في تحسين وتجويد الخطط والمنشآت وتنظيم الأحياء والمناطق السكنية وتجنيب المواطنين السكنى في بطون ومجاري الأودية والمناطق المنخفضة… فـ(سلامة المواطنين والقاطنين على أرض السلطنة تعتبر هي الأهم، فالعنصر البشري هو ثروة هذا البلد والركيزة الأساسية لما تحقق على أرض السلطنة) كما جاء في كلمات سلطان البلاد – حفظه الله ورعاه – خلال ترؤسه لجلسة مجلس الوزراء في 11/6/2007م، فقد مرت السلطنة بأسوأ ظروف مناخية وأعتى قوة تدميرية في صيف عام 2007م عندما دمر الإعصار المداري من الدرجة الخامسة (جونو) في طريقه – غير المتوقع في بداية الأمر – من بحر العرب الى خليج عمان عشرات القرى والمدن وكانت تأثيراته بالغة ومؤلمة على العاصمة مسقط، وأظهر العمانيون من الصورة القاتمة التي خلفها (جونو) ومن رحم محنه صور وإشعاعات ونماذج مشرفة في التلاحم والتعاون والمبادرات الكبيرة لخدمة وطنهم ومجتمعهم، وأبانوا عن وعي عميق في التعامل مع الكوارث وآثارها المدمرة، وقد عبرت عن تلك الصورة الرائعة في مقال نشرته جريدة (الوطن) في السابع عشر من يونيو 2007م،
مما ضمنته فيه (وصورة “جونو” القاتمة التي كشفت عن وجهه الحقيقي بعد أن غادر أرضنا وسواحلنا غير مأسوف عليه، هذه الصور الرائعة التي خرجت من رحم المحنة وظهرت من عمق الكارثة وجسدت تلاحم المجتمع، وأبانت عن أصالة الإنسان العماني الذي هب من جميع مناطق عمان وخلجانها لنجدة الأخ والصديق والقريب والزميل، والاطمئنان على حالته، ولم يتوقف رنين هواتفنا النقالة قبل انقطاع الشبكة وبعدها؛ تستوضح وتطمئن وتعرض العون والمساندة قبل وأثناء وبعد المحنة، حيث انطلقت قوافل المساعدات وتحركت السواعد تعرض خدماتها متطوعة من أجل عمان، وأهل عمان يد تلبي نداء الاستغاثة وأخرى تزيل آثار الإعصار وثالثة توزع المؤن إلى المحتاجين ورابعة تبني .. في همة وإرادة وإقبال وتآزر قل مثيله، تحركهم مشاعرهم المرهفة وحبهم الأصيل وخوفهم ورغبتهم الصادقة على الإنسان وعلى بلادهم وعلى مكتسباتهم، ويدفعهم عشقهم إلى فعل الخير…) . و(ميكونو) ما هو إلا حلقة من سلسلة هذه الأعاصير والعواصف التي تكتسب قوتها من حرارة مسطحات بحر العرب في شهري مايو ويونيو، وامتدادا لتاريخ طويل من النكبات والمحن والكوارث التي تصيب بلادنا ضريبة اطلالتها على شواطئه الطويلة الممتدة من الجنوب حتى الشرق، وما أشبه هذه الأيام التي يعيشها أبناء محافظة ظفار مع (ميكونو) بما حدث في عام ٢٠٠٢ عندما ضربت العاصفة الاستوائية صلالة وما زلت اتذكر تفاصيلها الدقيقة، فقد كتبت من وحي شلالات دربات الهائلة والمخيفة التي عرضها التلفزيون العماني في بثه المباشر عن الحالة مقالا بعنوان (دروس من العاصفة) نشرتها جريدة (الوطن) الغراء في هذه الصفحة بتاريخ 16 مايو 2002م، قارنت فيه بين الشلالات الحقيقة التي تنقلها الشاشة عبر البث المباشر أمام مرمى بصري، والشلالات المتدفقة من قمم جبال مسقط التي صورها الخيال لحظتها فيما لو تعرضت العاصمة لحالة مشابهة أو أكثر شدة وقوة في المستقبل وتساءلت حينها (وأنا أتابع ما يجري في صلالة أتساءل في قرارة نفسي كيف ستكون أودية مسقط لو غذتها شلالات دربات الجارفة كما رأيناها، وهل ستستوعب مسارات الأودية كميات المياه في حالة تعرضها لمثل هذه العاصفة؟)، وأكدت على أن الحالة المدارية منحتنا (فرصة ثمينة يجب استغلالها بطرح مجموعة من الأسئلة حول مراعاة مواصفات وشروط تخطيط المدن، وإقامة الشوارع وتحديد مسارات الأودية، وقدرتها على مواجهة مثل هذا النوع من العواصف وإجراءات التقييم الدورية لها، والعمل على التطوير الدائم، وتعديل مقاييس واتجاهات التخطيط والتنظيم وفقا لذلك عشرات الأسئلة التي يجب أن تطرح وتقيم لاستخلاص إجابات دقيقة وموضوعية تهدف إلى تلافي القصور والعمل على معالجته قبل فوات الأوان …)، وفاجأنا (جونو) بعد خمس سنوات من عاصفة صلالة بما لم نحسب حسابه وكان ما كان، وأعقبه بعد سنتين (فيت) . لقد أكسبتنا هذه السلسلة من الأنواء المناخية الاستثنائية التي شهدتها السلطنة خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة الخبرة في التعامل معها والثقة في تجاوز آثارها ووظفت التقدم العلمي والتطور التقني في فهم أسباب نشوئها والدقة في التنبؤ بها وتحديد مساراتها وقراءة تطور تصنيفاتها والعمل على التخفيف من آثارها … وقد تعاملت مختلف الأجهزة الحكومية بهدوء وحكمة وبعد نظر مع (ميكونو)، فلم تستعجل في إطلاق التحذيرات والتنبيهات لإدراكها بحساسية العوامل والأسباب العديدة المحيطة بهذه الحالات المدارية التي تؤثر تأثيرا مباشرا في مكان ميلادها ومسارات تحركها وتطور تصنيفاتها وضعف الدقة في التنبؤ البعيد المدى أي لأكثر من ثلاثة أيام، وبأن كل تغيير يحدث للحالة يتطلب إعادة الحسابات وتغيير الاستعدادات وتطوير الامكانات، لذلك وبمجرد أن دخلت التنبؤات العددية مرحلة قصيرة المدى وأصبحت أكثر دقة ومصداقية تحركت مختلف الأجهزة الحكومية العسكرية والأمنية والإدارية والإعلامية والفنية لمباشرة مهامها والقيام بمسئولياتها في الميدان، فأصدرت الهيئة العامة للطيران المدني البيانات والتحذيرات المتتالية، وأقرت الجهات المختصة عددا من اللجان لمتابعة الحالة، والتواصل مع المواطنين في المناطق التي يشملها التأثير، والرد على استفساراتهم، وبث برامج التوعية والتوجيه، والقيام بتخصيص الملاجئ وأماكن الإيواء وعمليات الاخلاء والانقاذ، والمتابعة المتواصلة لمسار الإعصار وآثاره على كل تجمع سكاني ومنطقة وقرية وولاية … وقدم المواطنون بمختلف فئاتهم وشرائحهم وانتماءاتهم ملحمة وطنية في الوفاء والحب لعمان وقائدها وأبنائها الأعزاء الذين يحتاجون إلى العون والمساعدة والإنقاذ، في جملة من الصور والمشاهد الرائعة تمثلت في فتح البنايات والشقق والمنازل المملوكة لمن يحتاجها والتبرع بالمال والمؤن والمشاركة في فرق الإنقاذ والبناء والمساعدة وخدمة المتضررين … لقد بلغ (ميكونو)، نهايته وتلاشى على الأراضي العمانية، بعد أن عبر محافظتي ظفار والوسطى برياحه العاتية وأمطاره الفيضانية وأضراره التي ستكون بالغة ومدمرة لولا البرامج والخطط المعدة من قبل المؤسسات الحكومية والخاصة وجهود كوادرها المخلصة، والمبادرات الكبيرة والروح الوطنية العالية التي قدمها المجتمع العماني، فشكرا لكل من ساهم في التخفيف من آثار (ميكونو)، وقدم ماله ووقته وفكره وحياته من أجل الوطن الغالي، ولكل من شارك العمانيون مشاعرهم وأمنياتهم ودعواتهم من كافة الدول الخليجية والعربية والعالم … ورحم الله الشهداء الثلاثة الذين قضوا نحبهم … لقد أكد العماني في ملحمته الوطنية على عدد من الحقائق منها:
* إيمانه وتمسكه بأعراف ومبادئ الآباء الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن عمان وساهموا في رفعة شأنها وصياغة تاريخها المشرف وتعزيز دورها الحضاري والعلمي والحفاظ على مكتسباتها … فبنوا القرى والمدن وشيدوا القلاع والحصون
وأقاموا الأفلاج وأداروا مجتمعاتهم المحلية بكل نجاح واقتدار وخرجت المدارس العمانية مئات العلماء والمفكرين والشعراء والأدباء والقادة الأفذاذ الذين قدموا بدورهم نتاجا ثريا من المؤلفات والموسوعات والكتب التي لا تزال تنير طريق الإنسانية بالعلم والبحث والمعرفة …
* أكد العماني في ملحمته الوطنية على عمق انتمائه لعقيدته الإسلامية السامية وعمانيته الأصيلة وإنسانيته العالمية في جملة من القيم العظيمة ممثلة في التسامح والتراحم والتعايش والروح الوطنية العالية والوفاء والأمانة والإخلاص وعمق التواصل والحب … غير آبه ولا معترف ولا مكترث بثقافة التعصب والشحن وخطاب الكراهية وبث روح التفرقة على أسس عرقية ومذهبية وقبلية وعقدية والتي تختص بها وسائل إعلام ومنابر خطابة وفتاوى تكفير وشعارات ساسة ومنتفعين من حولنا .
* تميزت أعمال ومبادرات وجهود المواطنين بالروح الوطنية العالية والوعي العميق واللحمة الأخوية المتماسكة والوفاء والنبل والرقي برزت في عشرات المواقف والصور والمشاهد والنماذج المشرفة التي تدمع لها العين تأثرا .
من المواقف والتصرفات والممارسات التي عكرت نوعا ما صفو الصورة وينبغي أن تختفي من المشهد مستقبلا، نشر الإشاعات والتهويل، وربط الحالات المناخية بعمق إيمان المجتمع وعلاقاته بربه أو ضعف الإيمان والممارسات الدينية، نشر صور ومقاطع قديمة أو من مناطق أخرى من العالم وربطها بالإعصار، مع أنها في حقيقة الأمر لا تمت بصلة إليه، ونشر الذعر والخوف بين الناس، بث حالة من السلبية والإحباط وتهميش الدور الكبير الذي تقوم بها المؤسسات الحكومية والخاصة والتشكيك في قوة البنية التحتية … وهي صور تتراجع ويضعف أثرها مع الحس الوطني العالي وعمق الوعي الذي ميز المجتمع العماني .

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى