الجمعة 19 أكتوبر 2018 م - ١٠ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : “مكونو” وملحمة الوفاء للإنسان

في العمق : “مكونو” وملحمة الوفاء للإنسان

د. رجب بن علي العويسي

لم يكن غريبا ونحن نشهد ملامح التناغم الوطني الكبير في التعامل مع إعصار”مكونو”، أن نستذكر بدايات تأسيس هذه المفردة في قاموس الإنسان العماني والغاية العظمى الذي جاءت بها نهضة عمان المباركة بقيادة مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في أولوية بناء الإنسان ونهضته وحصوله على حقوقه المشروعة، ليعيش بأمن وسعادة واطمئنان، فكان الإنسان هدفها وغايتها، انطلقت به وسعت لأجله، وسخرت مواردها وإمكانياتها في سبيل تطويره وتنميته ورقيه وازدهاره، لذلك كانت كل الجهود موجهة لرعايته وتمكينه بمايحفظ مساحات العطاء لديه، ويعزز روح المسؤولية فيه، ويبني مسارات القوة في أخلاقه وقيمه ومبادئه، فأصَلت إنسانية النهضة العمانية فيه معالم الشموخ والعزة، وسخّرت له كل الفرص الداعمة لنجاحه بما يحفظ كيانه ويؤسس لإنسانيته، لقناعتها بأن بناء الإنسان والمحافظة على عوامل نجاحه وصناعة التميز فيه وتكوين مساحات القوة في عطائه وإنتاجه؛ الطريق الآمن لبناء الوطن وتحقيق دولة عصرية قادرة على الأخذ بأساليب التقدم.
وعكست تجليات نهضة الإنسان في عمان مستوى التناغم من أجله واندماجها في تصوراته حول واقعه وعالمه الآخر، وفق نهج مستدام وسياسات وضعته في كل خطوات التنفيذ، في التعليم وبناء الفكر والمسؤولية وترقية الذات، فاتجهت إليه آخذة بيده نحو أفق أرحب وحضور أوسع، فقام بالمسؤولية خير قيام، وأدى الأمانة كما ينبغي، ونهض بوطنه وسار به في سلم المجد والعطاء، ولاء للقائد ووفاء للوطن وتقديرا للمواطن، لذلك كان حرص المواطن على ترك بصمة له في واقع وطن أحبه؛منطلق لشعوره بما تقدمه له هذه الأرض الطيبة من عطاء، وما بنته فيه من نهضه الأمن وسطرته له من شواهد التقدير، استحقاقا لما قدمه من أجل عمان ونهضتها وتقدمها، وإنّ المشهد العماني اليوم في ظل التعامل مع إعصار ” مكونو” ليسرد لنا حكاية الوفاء لأجل الإنسان في مشهد يتكرر كلما شعر الوطن بأن إنسانه يصاب في نفسه أو يتعرض لخطر يهدد سلامته وأمنه واطمئنانه، والتي أفصحت كل الأحداث وأزمات الأنواء المناخية التي تعرضت لها عمان منذ إعصار “جونو” وما تلاها من حالات مدارية أخرى ” فيت وشبالا”، عن حقيقة هذه الإنسانية التي أسّستهاعمان، إنها شواهد اختصرت الزمن لتجيب بدون تردد عن الموقع الذي يشغله الإنسان العماني في قلب هذا الوطن النابض، وفكر قيادته الحكيمة، لتبقى هذه الأحداث شواهد على عمق هذا الترابط والحميمية بين النهضة والإنسان.
لقد أثبتت كل الأحداث التي مرت على عمان، أن الإنسان هو الأساس، وأن كل السياسات التنموية موجهة له، فهو خط أحمر لا يصح المساس به أو النيل منه، يلقى كل الرعاية والعناية والاهتمام من مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلقة، فالمحافظة على أمنه وأمانه وسلامته أولوية وطنية ومعيار نجاح جهود الدولة في تقديمها كل عون له وخدمتها لشؤونه ورعايتها لمصالحه وعنايتها به في كل المواقف ووقايته من كل المخاطر، وتوفير المكان الآمن له في حالة تعرضه لمثل هذه الأنواء المناخية أو غيرها، ليشكل إنسان هذا الوطن مشترك العمل وهدف الجهود وغاية القصد، فإن ما يرصد واقع التعامل مع” مكونو” من جهود عظيمة تقوم بها مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والشرطية والإعلامية والمدنية وقطاعات التنمية المختلفة، واللجان الوطنية المشكلة في التعاطي مع الحالة المدارية ومتطلباتها وتعزيز الجاهزية الوطنية سواء كانت من اللجنة العسكرية أو اللجنة الوطنية للدفاع المدني أو غيرها، تعطي مؤشرات للبعد النوعي الذي تعيشه إنسانية النهضة في عمان، من أجل الحفاظ على أرواح المواطنين والمقيمين وتعزيز أمنهم وسلامتهم وإبعادهم من المخاطر الناتجة عن تأثير الأنواء المناخية أو كل ما يعرض سلامتهم للخطر، والتي تتخذ سيناريوهات عمل محددة تقوم على: تكثيف عمليات التوعية والتثقيف، وإعطاء البيانات الصحيحة حول الحالة المدارية، وعمليات الاجلاء للأماكن الآمنة، وتوفير أماكن الإيواء بكل متطلباتها الإنسانية، أو عبر التغطيات الاعلامية المباشرة، وجهود الهيئة العامة للأرصاد الجوية ، والمركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة، يؤكد شرف الاستحقاق الذي يعيشه الإنسان في هذه الارض الطيبة ، والموقع الذي يشغله في السياسات الوطنية.
لقد التزمت نهضة الإنسان في عمان بناء مسارات الوقاية في خطط التنمية وبرامجها وتعاملها مع الأحداث عبر تبصير الإنسان بمسؤولياته ووضعه في صورة العمل المؤسسي بكل شفافية ووضوح، وبالتالي كان عليه أن يضع هذا الموجهات نصب اهتمامه حفاظا على كيانه وحرصا على سلامته وتقديرا لإنسانيته واعلاء لمواطنته، ويبقى وعيه بمنهج الوقاية والتزامه مسارات العمل المتخذة من المؤسسات المختصة؛ الرهان الذي يمكن أن يصنع منه أنموذجا للإنسان الواعي بمسؤولياته، بما يبقي هذا النسيج من التلاحم في قوته، والتكامل الوطني في أشده عبر وعي مرتفع من المواطن في التعامل مع التعليمات والتوجيهات الصادرة من جهات الاختصاص، والوقوف على الحالة من مصادرها الرسمية، والبقاء في المنازل البعيدة عن مجاري الأودية أو الأماكن المنخفضة، وتعزيز مساحات الإيجابية والتفاؤل وتقليل حالات الجزع والتهويل والتخويف، وضبط سلوك الانفعالات، إذ من شأن وعيه باستراتيجيات إدارة المشاعر في الازمات أن تقلل من حجم الضرر النفسي، وتعطي مساحة أوسع لانتقاء أفضل البدائل، واختيار ما يتناسب منها وطبيعة الحالة، وهي محددات لها أثرها في معالجة وإدارة نطاق تأثيرها النفسي على حباته، لما فيه من رد الجميل لهذا الوطن الغالي، وتقديرا واعترافا بالجهوزية النوعية التي يقدمها جنود عمان البواسل وأبطالها المغاوير المخلصين في مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية والشرطية والدفاع المدني وغيرها في سبيل وقايته من مخاطر الحالة المدارية ” مكونو”.
إنّ مشاهد التلاحم الوطني والتكامل والتنسيق المؤسسي المشترك في التعامل مع هذه الحالة المدارية وغيرها، يسطر أروع نماذج الوحدة ويجسد معالمها ويؤطر أخلاقيات الأزمات في حياة الوطن والمواطن، ويختصر مشاهد العطاء وحميمية الوفاء ويعبر عن جزء بسيط بما يُبذل من أجل الإنسان، ليؤكد في الوقت نفسه مسار الرقي الحضاري الذي وصلت اليه عمان في رعاية حقوق الإنسان ووضعه في مسار التنمية ومنظومة العمل الوطني، فحُقّ لها من مفخرة عمانية يعيشها إنسان هذا الوطن، في أرض السلام والأمان، ماضية في تحقيق رسالتها نحو الإنسانبعزيمة مشهودة وخطط محمودة ، حفظ الله مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم وأبعد عماننا الغالية عن كل مكروه.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى