السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : ملحمة جديدة في تاريخ الوطن

رأي الوطن : ملحمة جديدة في تاريخ الوطن

تصهر الأزمات الكبرى والتحديات معادن الشعوب لتظهر قدرتها على تجاوز الصعاب والمحن، وما تملكه من مقومات اجتماعية تستطيع من خلالها الوصول لبر الأمان لهذه المشكلة أو تلك، وتعد الظوهر الطبيعية أحد أبرز التحديات التي تواجهها الشعوب، وهي التي تجلي الفارق النهضوي التي تتمتع به دولة ما عن مثيلاتها في هذه الكرة الأرضية، فمجابهة الأزمات تحتاج إلى نوعيات معينة من خطط الطوارئ التي لن يكتب لها النجاح إلا بتكاتف وتعاضد كافة أطراف المجتمع، فهذه الأزمات كفيلة بأن تظهر ما يموج بالمجتمع من تباينات أو تؤكد لحمة أبنائه وتماسكهم في وجه أعتى الظواهر، إنها فرصة لإظهار مدى تماسك أبناء الوطن، ومدخل يزيد من قوة التلاحم الوطني، بين كافة أبناءه وقطاعاته.
كما أن الظواهر الطبيعية تؤكد على قدرة الدولة ممثلة في كافة مؤسساتها على التعاطي الإيجابي البناء المحكم التخطيط مع أصعب الأحداث الطارئة، ما يزيد ثقة أبناء الوطن في مؤسسات دولتهم، ولعل الإعصار المداري “ميكونو” نموذج لهذا التعاطي من كافة مؤسسات السلطنة، حيث أظهرت الأحداث وسيرها مدى قدرة وكفاءة المؤسسات الوطنية العمانية على مجابهة أعتى المحن، فالمتابع للدور الذي لعبته مؤسسات الدولة ومدى التنظيم ـ الذي قامت به خلال مرور الإعصار بمحافظتي ظفار والوسطى ـ يؤكد الخبرة العالية والجاهزية الفريدة والمتفردة التي اتسمت بها تحركات تلك المؤسسات أثناء الأزمة، فالهيئة العامة للطيران المدني استطاعت بفضل ما تملكه من قدرات تقنية وكوادر بشرية، التوقع شبه الدقيق بمراحل الإعصار وخط سيره قبل فترة من حدوثه، ما فتح الطريق أمام باقي المؤسسات للاضطلاع بدورها في التعامل مع الحالة المدارية.
وجاءت البيانات المتتابعة لتكون عامل تهدئة شعبية، حيث حظيت بتفاعل إعلامي مميز استطاع أن يخلق حالة من الاستقرار أثناء التعامل مع الحالة على كافة الأصعدة، وأتاح سلاسة المعلومات عبر وسائل الإعلام المختلفة إلى الحد من الشائعات الهدامة، التي لها تأثيرات سلبية في مثل تلك الحالات، فقد تعامل الإعلام الوطني بمسؤولية حقيقية عسكت دوره كإحدى أهم مؤسسات الدولة في خطط مجابهة الأزمات، وكان عنوانًا للحقيقة، وصاحب خطوات ملموسة في التوعية الشعبية وتعريف المواطن والمقيم بكيفية التعامل مع تلك الحالات الاستثنائية دون هلع أو خوف، أو إهمال أو تقليل، فكان الإعلام نموذجًا حضاريًّا عبَّر عن وجه عُمان المشرق.
كما حظيت اللقاءات التي عقدتها كافة الجهات ذات العلاقة بالحدث ثقة لدى المواطن في قدرة مؤسسات الدولة على الوقوف بشموخ، وكانت ملاحم تلك المؤسسات من قوات السلطان المسلحة وشرطة عمان السلطانية والهيئة العامة للدفاع المدني والإسعاف ووزارة الصحة ووزارة التربية والتعليم وبقية الوزارات المعنية، مثالًا صادقًا عن عمق الاهتمام الحكومي بحياة كل فرد يسكن على هذه الأرض الطيبة، وهو ما انعكس إيجابيًّا من حيث ندرة الخسائر البشرية طوال أيام الإعصار رغم قوته التدميرية، لكن بفضل الله ورجال حريصين على هذا الوطن وأبنائه انقشعت الأزمة، لتؤكد من جديد على قدرة العمانيين حكومة وشعبًا على التصدي لأصعب المحن، فالنهضة التي بناها قائد عمان المفدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ اهتمت ببناء الإنسان الصلد المثابر، الذي استطاع بجهوده بناء نهضة راسخة البنيان، قادرة على التصدي لأصعب الاختبارات، فبدلًا من أن يكون الإعصار عاملًا سلبيًّا في مسيرة النهضة، جاء التآخي العماني والتكاتف ليصنع ملحمة جديدة تثبت قدرة أبناء هذا الوطن العزيز على التخطيط المدروس العلمي، والعمل تحت أعتى الضغوط، بهدف وحيد هو خدمة هذا الوطن المعطاء، فنعم الأبناء أبناء عمان، ونعم القائد قائدها، وليحفظ الله تعالى هذا الوطن الغالي.

إلى الأعلى