الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ناولني منديلاً لأمسح دموعي

ناولني منديلاً لأمسح دموعي

أ.د. محمد الدعمي

” ..، بقي تعضيد البحث العلمي في العالم العربي موضوعاً مركوناً على الرفوف الجامعة لغبار الزمن: أي موضوع محدد في أروقة الجامعات العربية التي رحنا نسحب البساط من تحت اقدامها، لنستبدلها بجامعات نوع “إعارة” من أوربا وأميركا أو “بفروع” لتلك الجامعات الأجنبية! ماهذا الهوان والاستخفاف بالجامعات والأكاديميات الوطنية. ”
ــــــــــــــــ

إذا لم يكن الشاعر العربي يباشر غرضه الجوهري إلا بـ”بكائية” ، أسماها المحدثون من مؤرخي الأدب بـ”بكاء الأطلال”، فان هذا النوع من البكائيات قد بقي عبر العصور، حتى صار عادة تفكير ليصل إلينا اليوم. وهو ما ألاحظه من عادات التفكير السلبية وعبر طرائق مناقشة القضايا والمسائل الرئيسة: إذ لا يباشر أي من كتابنا وشعرائنا موضوعه الأصل إلا بعد أن يذرف الدموع، حتى يشبع ويشبعك بكاءً وأنيناً؟ ثم مايلبث أن يلتفت إلى صاحبه طالباً منه منديل نظيف كي يجفف دمعاته على سبيل مباشرة جوهر الموضوع!
للمرء أن يلاحظ توارث هذه العادة البكائية الجاهلية، وهو يرصد طرائق الكتاب والباحثين العرب في تناول ومناقشة موضوعات غاية في الأهمية بطريقة لاتقل “جاهلية” عن طرائق أمرؤ القيس والسموأل والأعشى. هذا تقليد “قومي” لم نزل نلتزم به في مناقشة قضايا مهمة، طارئة وزائلة ومتواصلة، جوهرية وتكتيكية واستراتيجية. البكاء عند العرب نشاط ترويحي وتنقوي يجرد الذهن من عوائق عاطفية وعملية لتمهيد الطريق لذلك الذهن لمباشرة القضايا بوضوح وسلام.
تجد في أعلاه بكائيتي: لذا لي أن أدعي وفائي وإخلاصي لزهير ولعنترة وللبيد ولتأبط شراً، خاصة وأني أنوي مناقشة مسألة “تعضيد البحث العلمي في العالم العربي”، تلك المسألة التي لا تبدو مهمة بما فيه الكفاية في أعين العديد من أولي الأمر، درجة نسيانها وإهمالها، تجاوزها واستبدالها بطرائق مكافأة أكثر دعائية إعلامياً، للأسف.
لذا، بقي تعضيد البحث العلمي في العالم العربي موضوعاً مركوناً على الرفوف الجامعة لغبار الزمن: أي موضوع محدد في أروقة الجامعات العربية التي رحنا نسحب البساط من تحت اقدامها، لنستبدلها بجامعات نوع “إعارة” من أوربا وأميركا أو “بفروع” لتلك الجامعات الأجنبية! ماهذا الهوان والاستخفاف بالجامعات والأكاديميات الوطنية. بيد أنك تبقى تسألني، أخي القارئ، لماذا يعاني العالم العربي من هجرة الكفاءات و”نزيف الأدمغة” نحو العالم الغربي؟
إنها اسئلة مضنية تستحق المعاينة من قبل أولي الأمر واصحاب الراي بأناة وعناية فائقتين. البحث العلمي في العالم العربي هابط بقدر ما يقدم له من مكافآت هابطة ومصلحية، تعتني بالدعاية والإعلان السياسي على حساب الأصالة والإبتكار: فالبحث “غير مفيد” إن خلا من إطراء جهة معينة أو شاخص بعينه. وهو “أصيل” إن استجاب “لروح العصر” وحقق المرجو منه على نحو “مبتكر” أو أصيل.
السؤال الأخطر والأكثر أهمية هو: لماذا نعد “تعضيد البحث العلمي” شأناً أكاديمياً حسب؛ ثم لماذا لا نحرره من مناضد القيادات الجامعية والإدارات الأكاديمية لنحيله إلى مؤشر نتائج وثمار علمية يمكن قطافها عبر المؤسسات العامة الحكومية والخاصة. إن البحث العلمي في عالمنا العربي الذي نتوق لنتائج مكافئة له من أميركا وأوربا، اليابان والصين. أقول، بلا تردد، أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة بين بغداد ومراكش: فهلم بنا نجري عليه الإسعافات الأولية بالفور.

إلى الأعلى