السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نجاح الدعوة (2)

نجاح الدعوة (2)

لما كان الداعية بهذه المنزلة الرفيعة في المجتمع. منزلة القدوة، يجب أن يكون الداعية جامعًا لكل خصال الخير متصفًا بكل الفضائل ونكتفي هنا بذكر أربعٍ منها لأهمية التذكير بها في ضوء الواقع الذي نعيشه، والحاضر الذي نشاهده.
أولى فضيلة يجب يتحلى بها الداعية أن يكون ترجمة حية لدعوته، وتصويرًا واقعيًا لها ليكون موضع ثقة وطمأنينة من قبل الآخرين، فالدعوة العملية تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا وأجدى وأثبت من الدعوة القولية، لذلك فالله تعالى يحذر كل من يخالف فعله قوله، يقول سبحانه:(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (البقرة ـ 44)، ويقول تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّـهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف 2 ـ 3).
على الداعية دائمًا أن ينظر إلى حاله كيف هو مع ما يقوله؟ وكيف هو مع ما يدعو الناس إليه فعلًا أو تركًا؟ وإن من روائع ما قاله سيد قطب في هذا السياق: إن الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتجسيما واقعيا لما ينطق .. عندئذ يؤمن الناس ويثق الناس ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق .. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها، وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها .. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة.
ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القدوة الحسنة، فهذه السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ سُئلت:(ما كان النبي ـ صلى عليه وسلم ـ يصنع في بيته؟ فقالت: “كان يكون في مهنة أهله ـ تعني خدمة أهله ـ فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) (رواه البخاري، رقم الحديث: 676)، وفي رواية:(فإذا سمع الآذان خرج) (رواه البخاري، رقم الحديث: 5363).
وذكر الطبري فيما يروى أن النبي (صلى الله عليه وسلم):(كان في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله علي ذبحها، وقال آخر علي سلخها، وقال آخر علي طبخها، فقال (صلى الله عليه وسلم): وعلي جمع الحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك، فقال: قد علمت أنكم تكفوني ولكني أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه)، وقام (صلى الله عليه وسلم) وجمع الحطب، (المصدر: خلاصة سير سيد البشر ج1، ص87).
وهذا سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان إذا أراد أن يأمر المسلمين بشئ، أو ينهاهم عن شئ، كان أولًا يبدأ بنفسه، ثم يجمع أهله فيأمرهم به ليفعلوه، أو ينهاهم عنه ليتركوه، بعد ذلك يأمر المسلمين به أو ينهاهم عنه.
وهذا الحسن البصري التابعي المشهور ذات يوم جاءه الرقيق، وطلبوا منه أن يخطب في الناس يوم الجمعة خطبة يحثهم فيها على عتق الرقيق، ويبين لهم فضل وأجر وثواب عتق الرقاب، فوعدهم خيرًا، إلا أنه تأخر في الحديث عن هذه المسألة، وبعد انتظار طويل تحدث عن هذا الموضوع حديثًا مؤثرًا، أعتقت بسببه رقاب كثيرة، فجاءه الرقيق، شاكرين له صنيعه، ومعاتبين له تأخره في الحديث عن الموضوع، فقالوا له: لِم تأخرت كل هذه المدة عن الحديث عن هذه المسألة التي عمَّ خيرها جميعًا؛ عاتقين ومعتوقين؟ فأجابهم: أنكم عندما طلبتم مني ذلك لم أكن في ذلك الوقت أملك رقبة أعتقها، ولم كن أملك ثمن رقبة اشتريها فأعتقها، فمكثت أجمع ثمن رقبة حتى توفر لي المال، فاشتريت به رقبة، فأعتقتها، بعدها صعدت المنبر أكلم الناس.
وهذا أبو عبيدة الصغير عبد الله بن القاسم نشر الإسلام في الصين بأخلاقه الإسلامية الكريمة إذ ذهب إلى هناك سنة 133هـ تاجرًا فنزل ميناء كانتون، فتأثر به أهل تلك الديار بسلوكه معهم، وتعامله بالصدق والأمانة في التجارة، فاعتنقوا الإسلام حتى أن امبراطور الصين لقبه بجنرال الأخلاق الطيبة. هذا الرجل تتلمذ على يد الإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، فهو من كبار تلاميذه، عماني الأصل من قرية بسيا التابعة لولاية بُهلى، رحل إلى البصرة حاضرة العلم والعلماء ـ آنذاك ـ طلبًا للعلم كغيره من العمانيين، ويكنى بأبي عبيدة الصغير للتفريق بينه وبين شيخه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة رحمهما الله تعالى.
.. وللحديث بقية.

يوسف ابراهيم السرحني

إلى الأعلى