الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / معادلة غزة اللوغاريتمية

معادلة غزة اللوغاريتمية

علي بدوان

” لم تهدأ غزة ولو للحظة واحدة في مقارعة ومواجهة الإحتلال منذ بواكير النكبة وحتى الآن، فتعرضت لإجتياحات وعمليات تنكيل بشكل متواصل. وبصمودها الأسطوري باتت شوكة عميقة في عنق “إسرائيل”، فكم تمنى الجنرال إسحق رابين وغيره من قادة “إسرائيل” أن يصحو ذات يوم ليرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة بمن فيه من سكان.”
ـــــــــــــــــــــ

قطاع غزة، الشوكة العالقة في حلق الكيان العبري الصهيوني، كان ومازال بؤرة للمقاومة والثورة والانتفاضة. ومن بين أزقة مخيماته، ومن بين الآلام التي سَكَنت نفوس الغالبية الساحقة من سكانه اختمرت وأنتشت بذور الثورة الفلسطينية المُعاصرة منذ خمسينيات القرن الماضي. فقد تَشَكَل الجزء الأساسي من النواة الأولى لحركة فتح هناك في القطاع على يد مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين وبعض أبناء المدينة من الغزاويين، وأنتقلت النواة ذاتها لتأتلف مع نواة جديدة ضمت بعض الشخصيات الفلسطينية التي جاءت من مخيمات سوريا في دول الخليج العربي. ومن هذا الائتلاف إنطلقت شرارات الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح.
غزة المدينة والقطاع ببلداتها ومخيماتها، كانت ومازالت المُعادلة المُعقدة التي لم يستطع الإحتلال تفكيكها وإذلالها، فكانت على الدوام معادلة شبيهة بالمعادلات المستعصية على الحل في الرياضيات النظرية كالمعادلات اللوغاريتمية العالية الدرجة.، إنها معادلة البشر والحجر والمكان والإرادة والمشروع الوطني التحرري، معادلة القيم والعدالة والإنسانية. وتلك المعادلة من الصعب كسرها أو تطويعها.
لم تهدأ غزة ولو للحظة واحدة في مقارعة ومواجهة الإحتلال منذ بواكير النكبة وحتى الآن، فتعرضت لإجتياحات وعمليات تنكيل بشكل متواصل. وبصمودها الأسطوري باتت شوكة عميقة في عنق “إسرائيل”، فكم تمنى الجنرال إسحق رابين وغيره من قادة “إسرائيل” أن يصحو ذات يوم ليرى البحر وقد إبتلع قطاع غزة بمن فيه من سكان.
في غزة، تنتقم “إسرائيل” من المدنيين في سقوطها الأخلاقي والقيمي، علماً بأن الأهداف العسكرية تنعدم في عموم قطاع غزة، مثل القواعد والمطارات الحربية والفرق العسكرية المسلحة، وكل ما يوجد على كل شبر فيها هو الاكتظاظ البشري الذي لا مثيل له. فالأهداف العسكرية التي تشن عليها “إسرائيل” الحرب هي المدنيين والبشر العزل. وإذا ما أخذنا المقاومة بعين الإعتبار، وهي توجد حقيقة في صلب النفوس وفي أساس التكوين النفسي لدى الغزاويين والفلسطينيين أكثر مما تتمثل في السلاح الصاروخي أو غيره، فإن المدنيين في نظر “إسرائيل” وفي أفعالهم هم أهداف عسكرية حقيقية. لذلك إن “إسرائيل” تريد بحربها المجنونة عل القطاع، قتل المقاومة في نفوس الفلسطينيين واستبعادها كخيار وطني.
غزة لم تعد مضرب مثل الفقر والعوز، بل باتت مضرب المثل في المقاومة والصمود. غزة لن تُهزم، وتاريخ الحروب على غزة طويل، من الخمسينيات كان قادة “إسرائيل” يؤكدون على إنهاء ظاهرة المقاومة مروراً بحرب عام 1956 وإحتلال القطاع بشكلٍ كامل، الى حرب 1967 وحتى اللحظة. رجال شجعان مرّوا في تاريخ المقاومة في غزة، ورجال شجعان يستبسلون في الدفاع عنها اليوم، وأطفال يكبروا سيدافعون عنها غداً.
يمتد قطاع غزة على الساحل الجنوبي الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، بطول يقارب (45) كيلومتر، وعرض يصل حده الأقصى إلى نحو (10) كيلومترات، على شكل شريط ضيق شمال شرق شبه جزيرة سيناء، ومساحته تقارب نحو (362) كيلو مترا مربعا، حيث يتميز القطاع بكثافة سكانية هي الأعلى في العالم، فقد تضاعف سكان القطاع ثلاث مرات في عامي 1948 و1949، أما أعداد سكانه اليوم فتبلغ نحو مليون وثمانمائة ألف نسمة، يقيمون في مدن وبلدات ومخيمات، المنتشرة على إمتداد القطاع، ويعتبر القطاع إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية بالعالم. حيث تبلغ نسبة الكثافة وفقًا لأرقام حديثة (26) ألف ساكن في الكيلومتر المربع الواحد. أما في المخيمات فتبلغ الكثافة السكانية (55) ألف ساكن تقريباً بالكيلومتر المربع الواحد. ويضم القطاع عدة مخيمات للاجئين أبرزها :
مخيم جباليا (في شمال القطاع بين بلدتي جباليا وبيت لاهيا)، مخيم الشاطئ (في غربي مدينة غزة)، مخيم البريج (في وسط القطاع)، مخيم النصيرات (في وسط القطاع)، مخيم الشابورة (في جنوبي القطاع قرب رفح)، مخيم دير البلح (في وسط القطاع)، مخيم خان يونس (في جنوبي القطاع قرب خان يونس)، مخيم المغازي (في وسط القطاع) . ويوجد بقطاع غزة (44) تجمعا سكانيا، أهمها غزة ورفح وخان يونس وبني سهيلا وخزاعة وعبسان الكبيرة وعبسان الجديدة ودير البلح وبيت لاهيا وبيت حانون وجباليا. أما معدلات النمو السكاني في القطاع فهي الأعلى في العالم بين السكان الذين بات يعيش معظمهم على أقل من دولارين في اليوم الواحد نتيجة الحصارات المتتالية والأزمات الناتجة عن الاحتلال. وبذا يعتمد أكثر من (80%) منهم على المساعدات الغذائية التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين (الأونروا).
لقد لجأ إلى قطاع غزة نحو ثلاثمئة ألف من اللاجئين الفلسطينيين الذين أُجبروا على ترك بيوتهم وأراضيهم في مناطق اللد والرملة ويافا وبئر سبع إثر نكبة العام 1948، حيث أُخضع قطاع غزة للإدارة المصرية قبل إحتلاله الكامل عام 1967 إلى حين أنهت قوات الإحتلال “الإسرائيلي” وجودها العسكري فيه في سبتمبر 2005 نتيجة فعل المقاومة وصمود الغزاويين، وفككت المستعمرات التي أقيمت فوق أراضيه وسحبت (8500) مستوطن. لكن قطاع غزة تعرض لحصارات متتالية، وفُرِضَ عليه حصاراً شاملاً جائراً منذ أيلول/سبتمبر 2007، ومازال الحصار مُستمراً بالرغم من كل الدعوات والمناشدات الدولية لفكه وإنهائه. حيث تحيط بقطاع غزة سبعة معابر لا يدخل القطاع ولا يخرج منه شيء دون المرور بأحدها، وجميعها معابر تحت سلطة الإحتلال، بإستثناء معبر رفح مع مصر العربية، وهو المعبر المُغلق عملياً منذ فترات طويلة. حيث تخضع ستة منها لسيطرة الإحتلال الصهيوني، والمعبر الوحيد الخارج عن سيطرة الإحتلال هو معبر رفح والذي تُصّر مِصرَ على إغلاقه في وجه أهل غزة. ولكل معبر من المعابر الستة الأولى تسميتان، إحداها عربية والأخرى الصهيونية. ومعابر غزة السبعة هي رفح، والمنطار (كارني) وكرم أبو سالم (كيرم شالوم) وبيت حانون (إيريز) والعودة (صوفا) والشجاعية (نحال عوز) والقرارة (كيسوفيم). ويقع الأول على الحدود بين القطاع ومصر، والستة الأخرى بين غزة الأراضي المحتلة عام 1948.
هذه هي غزة وقطاعها. غزة هاشم والإمام الشافعي. غزة المظلومة والواقعة تحت النار. غزة التي تتصدر اليوم الحدث الكبير في الساحة الإقليمية والدولية. غزة التي سيتقرر على ترابها مصير المشروع التحرري الوطني الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال.

إلى الأعلى