الإثنين 22 أكتوبر 2018 م - ١٣ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / العلاقات الأميركية – الكورية الشمالية في عهد الرئيس ترامب

العلاقات الأميركية – الكورية الشمالية في عهد الرئيس ترامب

محمد بن سعيد الفطيسي

” يتضح من تصريحات الرئيس الأميركي ترامب أن القمة لم تلغ بشكل كامل ونهائي, بل تم تأجيلها إلى وقت آخر ” ملائم ” بحسب تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبكل تأكيد فان اختيار هذا الظرف سيعتمد على ما يقدمه الرئيس الكوري الشمالي من تنازلات تجاه هذا الملف خلال ما تبقى من مقبل الأيام من جهة. وعلى شعور الرئيس الأميركي بالرضا على تلك التنازلات من جهة أخرى.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيدات جديدة يشهدها الملف النووي لكوريا الشمالية بعد إعلان البيت الأبيض إلغاء لقاء القمة المزمع عقده بين كل من الرئيس الأميريكي ترامب والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ اون في 12/6/2018م . استنادا إلى ما أسماه الرئيس الأميركي بالغضب الهائل والعداء المفتوح الذي ظهر في آخر تصريح للرئيس الكوري الشمالي، وقال: أشعر أنه من غير الملائم في هذا الوقت عقد هذا الاجتماع المخطط له منذ فترة طويلة.
على ضوء ذلك يمكن توقع بعض الاستنتاجات والتوقعات التي يمكن أن يؤول إليها هذا الملف بعد هذا الإلغاء الذي هو أقرب إلى التأجيل, والذي سيعتبره الرئيس الكوري الشمالي بكل تأكيد إهانة واستخفاف شخصي به. ويبدو في المقابل انه سيشعر الرئيس الأميركي ترامب نظرا إلى شخصيته التسلطية بالسيطرة والقوة الشخصية. ومن ضمن تلك التوقعات والاستنتاجات التي يمكن أن يشهدها مسرح العلاقات الأميركية الكورية الشمالية خلال الفترة الزمنية القادمة .التالي:
الاستنتاج الأول, أن القمة تم تأجيلها ولم يتم الغاؤها بشكل كامل: يتضح من تصريحات الرئيس الأميركي ترامب أن القمة لم تلغ بشكل كامل ونهائي, بل تم تأجيلها إلى وقت آخر ” ملائم ” بحسب تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبكل تأكيد فإن اختيار هذا الظرف سيعتمد على ما يقدمه الرئيس الكوري الشمالي من تنازلات تجاه هذا الملف خلال ما تبقى من مقبل الأيام من جهة. وعلى شعور الرئيس الأميركي بالرضا على تلك التنازلات من جهة أخرى.
وعلى ما يبدو أن التأجيل اقرب ما يكون إلى وسيلة للضغط وربما الابتزاز ولي الذراع وإبراز عضلات وقوة الولايات المتحدة الأميركية والرئيس ترامب خصوصا, مع ملاحظة أن هذا الملف يسير بالتوازي مع إلغاء الولايات المتحدة الأميركية تعاقداتها تجاه الملف النووي الإيراني. وهو جانب يحاول الرئيس ترامب من خلاله أن يرسم صورة ذهنية للكوريين في الشمال وللرئيس كيم بان الولايات المتحدة الأميركية قوة لا يمكن أن تخضع للتهديدات أو الإملاءات أو لشروط الآخرين, بل العكس. حيث لابد للآخرين أن يخضعوا لها ولشروطها وإملاءاتها.
الاستنتاج الثاني, استمرار التوتر في العلاقات السياسة والدبلوماسية بين كل من الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية: يبدو أن شخصية كل من الرئيس ترامب والرئيس كيم فيهما نوع من التقارب والتشابه في التعاطي الشخصي مع الآخر, فللأسف الشديد نلحظ غلبة صوت العاطفة وعدم الاتزان والاندفاع على صوت العقل والحكمة, وتغليب التوجهات والمرئيات الشخصية على التعاطي الدبلوماسي والتوجهات الرسمية في العلاقات والسياسات الدولية بين الطرفين.
قد يجد البعض ان مثل هذا الأمر غير صحيح بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية كونها دولة كبرى وتتعامل مع القضايا السياسية بمنهجية وطرق مدروسة وحسب أولويات دستورية, – ولهم مني كل الاحترام والتقدير– إلا أنني أجد أن صوت ترامب الشخصي كما ظهر في الملف النووي الإيراني وملف نقل السفارة الأميركية إلى القدس هو الصوت الغالب على تلك المنهجية الأميركي المفترضة, ويبدو أن الرئيس ترامب يسير وفق اندفاعات سياسية قد تكلف الولايات المتحدة الأميركية الكثير من الخسائر خصوصا على صعيد علاقاتها الدولية. كذلك قد تكلف المجتمع الدولي الدخول إلى حروب وصراعات خطيرة.
الاستنتاج الثالث: القمة المؤجلة فاشلة قبل أن تبدأ: ربما أن الحكم على قمة قبل أن تبدأ بالفشل أمر صعب وغير واقعي من وجهة نظر البعض. إلا أن أكثر التصورات وأغلب ما يمكن أن يتم البناء عليه من حقائق على أرض الواقع تشير إلى الفشل وليس إلى النجاح, وأول تلك الحقائق أن الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس ترامب قد تحولت إلى دولة يغلب على تصرفاتها وسلوكياتها عدم الالتزام بالتعهدات التي قطعتها والمعاهدات الدولية التي وقعتها من جهة . يضاف إلى ذلك ارتكابها لمزيد من التراجع على مستوى العلاقات الدولية والدبلوماسية.
هذا الجانب يدفع أطراف النزاع معها في أي قضية أو أزمة الى الشك والريبة في التزاماتها وتعهداتها, وبالتالي عدم الشعور بالأمان والمصداقية في التعاطي معها حيال أي التزام أو اتفاقية أو معاهدة. وأقرب دليل على ذلك انسحابها من التزامها تجاه الملف النووي الإيراني بغض النظر عن وجهة نظرها حيال ذلك الاتفاق. فعندما وقعت الاتفاق في عهد الرئيس أوباما وقعته كدولة ذات مؤسسات دستورية وقانونية واستخباراتية رفيعة المستوى، ولم توقعه مكرهة أو غافلة.
إذا حتى في حال عقدت القمة في موعدها فإنها ستكون أقرب إلى قمة إعلامية دعائية, ربما سيتم خلالها تبادل الابتسامات العابرة من خلف وجوه متشككة مرتابة ومعدومة الثقة من بعضها البعض, سرعان ما تنكشف حقيقتها مع الوقت بقرارات أكثر تشددا من الطرفين.
الاستنتاج الرابع: عودة كوريا الشمالية إلى برنامجها النووي بشكل أكثر اتساعا والقوة: بتصوري أن تأجيل الرئيس الأميركي ترامب لهذا اللقاء سيدفع برئيس كوريا الشمالية إلى مزيد من الشكوك في نزاهة ورغبة الولايات المتحدة الأميركية في حل هذه الملف بالطرق الدبلوماسية, وكذلك إلى ارتفاع سقف مخاوفه من توجهات أميركية قادمة لحسم هذا الملف بوسائل عسكرية أو على أقل تقدير استخباراتية, الأمر الذي سيدفعه إلى مزيد من الرغبة في تسريع وتوسع هذا البرنامج, ونحو رغبة أكبر في امتلاك المزيد من القوة خصوصا محركات الصواريخ التي يمكنها حمل الأسلحة النووية الكورية إلى الأراضي الأميركية.
خلاصة: التفاهمات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأميركية لا يمكن أن تتقارب وتصل إلى درجة يمكن معها تفكيك البرنامج النووي لكوريا الشمالية. كما لا أتصور أن الولايات المتحدة الأميركية في عهد ترامب يمكن أن تأمن في تعهدات الطرف الكوري الشمالي. وكما أوضحت في مقال سابق تحت عنوان : الملف النووي الكوري الشمالي ونقطة اللاعودة بان:
الملف النووي الكوري الشمالي قد وصل إلى نقطة اللاعودة”. وأن السيناريو التفاؤلي الوحيد الذي يمكن أن يحدث خلال السنوات القادمة يجب أن يتم بطريقة طبيعية دون تدخل بشري. وهو وفاة الرئيس الكوري الشمالي. وانتقال السلطة إلى رئيس جديد يتعاطى مع الملف النووي من وجهة نظر أميركية غربية بتفكيك الأسلحة النووية الكورية الشمالية, مقابل مساعدات مالية ودعم اقتصادي, وفي أحسن الأحوال وضع تلك الأسلحة تحت الوصاية الصينية الروسية في حال تم رفض تفكيكها من قبل الرئيس القادم.

إلى الأعلى