الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : محطة تاريخية عمانية لها فرادتها وخصوصيتها

شراع : محطة تاريخية عمانية لها فرادتها وخصوصيتها

خميس التوبي

من محطة تاريخية إلى أخرى، تواصل عُمان كتابة متون تاريخها المحفور في الزمن الموغل في القدم بتعاقب حضاراته، لكنها كتابة ـ وكما عرف عنها ـ أنها لم تخرج عن السياقات المثيرة للاهتمام والملهمة للأمم والشعوب، والمحملة دائمًا بالقيم الإنسانية والمبادئ القويمة وبالفضائل النبيلة، والمتدثرة بأثواب الحكمة والهدوء والتعقل والرزانة، فتنظر إلى الأشياء والأحداث بعين مجردة ومتجردة من الأهواء والبروباجندا. وحين تصدق النيات وتخلص تأتي الأفعال ترجمة حقيقية فتسري في مساراتها محققة الأهداف، وهذا ما ترتكز عليه دائمًا وأبدًا عُمان، ولم ولن تحيد عنه بإذن الله.
لقد كانت الأنواء المناخية الاستثنائية “ميكونو” إحدى المحطات التاريخية، من حيث إن جسامة الإعصار الذي وصل في التصنيف إلى الدرجة الثانية عكست الصورة الحضارية الناصعة لعُمان من خلال انصهار جهود جميع مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والشرطية والصحية والتربوية والاجتماعية والإعلامية، وجهود المواطنين في بوتقة واحدة، مشكِّلةً خلية نحل واحدة للتعامل مع الحالة المدارية الاستثنائية، حيث روح الانتماء والتعاون والتفاني والعطاء، والهدوء والرزانة والحكمة في الخطاب الإعلامي، والرضا والتسليم بقضاء الله وقدره والثقة به، وتوحيد الدعاء وعلى لسان وقلب واحد، والاطمئنان إلى الجهود المبذولة من قبل مؤسسات الدولة كافة، والثقة برجال أشداء ومعدات كافية، قد طغت على المشهد الاستثنائي للأنواء الذي عادة ما يصاحبه مظاهر الخوف والفزع والقلق.
وإذا كان لتلك القواسم دورها في تتويج الجهود المبذولة على الصعيد البشري تحديدًا؛ أي بندرة الخسائر البشرية التي ـ وحسب شرطة عمان السلطانية ـ بلغت حالتي وفاة لمواطنين (طفلة تبلغ من العمر الثانية عشرة، وشاب يبلغ من العمر تسعة وعشرين عامًا) وفقدان ثلاثة من الجنسيات الآسيوية، فإن الوعي لدى المواطنين والمقيمين والتجاوب المتسم بالاحترام والتقدير للتوجيهات والإرشادات والتعليمات الصادرة من الجهات المعنية، سواء الرضا بعملية الإجلاء من منازلهم الواقعة في المناطق المهددة بالإعصار ومخاطره إلى مراكز الإيواء، أو البقاء في المنازل الواقعة في المناطق الآمنة، فقد أسهم هذا الوعي من جهته بدور أكبر في النجاح في الندرة المسجلة للخسائر البشرية، ذلك أن عدم التجاوب وقيام مواطنين ومقيمين بتعريض أنفسهم للخطر بارتياد مجاري الأودية أو مجرد الخروج في ذروة الإعصار لا يعني أن الخسارة ستقتصر عليهم فقط، وإنما ستمتد إلى أفراد الدفاع المدني أو أفراد قوات السلطان المسلحة ورجال شرطة عمانية السلطانية، فخروج فرد مُصِرٍّ على عدم استماعه النصائح والإرشادات سيعني خروج عشرة أو أكثر من هؤلاء الرجال لإنقاذه.
لقد أثبتت السلطنة علو كعبها في التعامل مع الأنواء المناخية الاستثنائية، وراكمت خبرات في هذا المجال، وكذلك علو منزلتها في تقدير الحياة أجمعها، سواء كانت حياة إنسان (مواطن أو مقيم أو زائر) أو حياة حيوان أو ممتلكات عامة أو خاصة، بدا ذلك من خلال الاحترافية والمهنية في الحفاظ على هذه الحيوات، عبر الإجلاء المبكر للمواطنين والمقيمين من مناطق الخطر (مثل جزر الحلانيات، وسدح وغيرهما) إلى مراكز الإيواء الآمنة، وإخلاء المرضى من المستشفيات (مستشفى السلطان قابوس بصلالة) ونقلهم إلى المستشفيات المرجعية والتخصصية في محافظة مسقط، وتوفير جميع المستلزمات والحاجات الأساسية التي يحتاجها الناس كالماء والغذاء والدواء والمولدات الكهربائية الاحتياطية وغير ذلك.
لذلك، إذا كان الناس قد كتبوا عنا أثناء الأنواء المناخية الاستثنائية “جونو” في يونيو من العام 2007م، وعن ما أصاب بلادنا من أذى شوَّه وجهها الجميل آنذاك، فإن الناس اليوم يكتبون وسيكتبون الكثير عنا أيضًا عن مدى نجاح بلادنا واستفادتها ـ بعد توفيق الله ـ من المحن السابقة التي كانت بمثابة تجارب عركتنا باختباراتها وصروفها، وعن ما اكتسبته بلادنا من خبرات وحرفية ومهنية تفوق دولًا كبرى لديها قدرات وإمكانات هائلة. ولعل خير دليل على ذلك إعصار كاترينا الذي ضرب نيوأورليانز بالولايات المتحدة الأميركية وما تسبب فيه الإعصار من خسائر بشرية ومادية كبيرة، لدرجة كانت هناك اتهامات توجه إلى الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش “الصغير” بالعنصرية المقيتة، وذلك لكون أن أغلب سكان هذه الولاية من السود، فقد كان تجاوب إدارة بوش ضعيفًا ومتهاونًا، بل جاء متأخرًا. في حين سيسجل التاريخ تلك اللحظة التاريخية التي كان رجال شرطة عمان السلطانية ورجال الدفاع المدني والإسعاف يناشدون ليس المواطنين وحدهم، وإنما الأيدي العاملة الوافدة بالإخلاء لإنقاذ حياتهم، ويتوسلون لهم لتنفيذ الأمر حفاظًا عليهم، معطين إياهم الثقة التامة بأننا لا نريد منكم إبراز بطاقات العمل ولا جوازات السفر، ولا تأشيرات الإقامة، نريد فقط أن ننقذ حياتكم، ما يعني أن بينهم من هو مخالف لقانون العمل والإقامة، لكن المقام أكبر من ذلك، غير أنها ـ كما قلنا ـ لحظة فارقة في التاريخ العماني، وستكون أجمل ذكرى ومحل شكر وتقدير لدى هذه الأيدي العاملة على مساعدتهم لتخطي الخطر، وتطمين أسرهم وذويهم.
إن الأذى الذي لا يفنينا يزيدنا قوة، والمحن التي لا تنهينا تمنحنا المنح، وبالقطع فإن الأجواء المناخية الاستثنائية “ميكونو” قد أضافت إلينا شيئًا جديدًا في خبراتنا المتراكمة، وعمقَّت لحمتنا الوطنية، وروح انتمائنا ووطنيتنا وتكاتفنا، وعكست ـ كما في كل مرة ـ الصورة الصحيحة والحقيقية لعُمان ولأبنائها البررة، والملهمة على الدوام للآخرين. فظفار كما كانت الثغر الباسم لعُمان ستعود بإذن الله أكثر ابتسامًا وأكثر ألقًا، وستكون محلًّا آمنًا مطمئنًا وأهلًا لاستقبال زائريها وعاشقيها، بفضل الله وبفضل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وبفضل الجهود الجبارة والمضنية والسواعد المتفانية لإعادة الحياة إلى طبيعتها في المحافظة. ولا نملك إلا أن نتوجه إلى الله بالثناء والحمد على لطفه وكرمه، وبالشكر والتقدير إلى الجهات المعنية والمشاركة دون استثناء والمواطنين، وإلى الإعلام العماني الذي واكب الحدث وقبله المديرية العامة للطيران المدني ممثلة بالمركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة، والذين كافة كانوا القلب النابض، ورمز الإخلاص والتفاني ومحل الخبرة والثقة والتقدير.

خميس بن حبيب التوبي
khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى