الأربعاء 15 أغسطس 2018 م - ٤ ذي الحجة ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : من صلالة إلى أي مكان عربي

باختصار : من صلالة إلى أي مكان عربي

زهير ماجد

هذه المرة نفذتها الطبيعة وليس البشر، أي من القوة الأرحم من الانسان .. صحيح انها دبت الذعر والخوف والقلق وعذبت وايضا قتلت، الا انها ظلت ابنة ساعات، قدمت خلاله عرضا لايمكن مواجهته ثم رحلت تاركة وراءها ماعبر عنها.
ومثلما لنا اخوة في كل مكان عربي نتألم لآلامهم ونشقى لشقائهم، فلنا في صلالة وفي ربوع عمان الحبيبة وفي سقطرى وغيرها اخوة قاوموا لحظات صعبة وصمدوا ازاء هجمة عاتية من الهواء والماء، لكنهم لم يصنعوا المشكلة بايديهم، بقدر ماقاوموا ونجحوا.
في اي مكان في وطننا العربي المتسع الارجاء علامات حياة تتجدد، يقابلها عذاب فرضه آخرون، لعب الانتقام بعقولهم، لسبب غير مفهوم سوى هذا الحس. حملوا بنادقهم ضد بلادهم، هاجموا جيشهم الذي وجد مناجلهم، دمروا البنى التي بنوها ذات يوم واعلوا شأنها، قتلوا اطفالا هم اغلى مايمتلكه وطنهم، أسسوا لعمر مهول لاجيال، كانوا يد الاجنبي على بلادهم، والمنفذ الاعمى الذي لايعرف شيئا عن المخطط الذي قاموا بتنفيذه لصالح قوى طامعة مخربة لاتريد الخير لبلادهم، بل لاتريد بقاء وطنهم على قيد الحياة، طمعا وغيرة وانتقاما …
اهلنا في صلالة ربحوا الرهان حين واجهوا عابرا لبلادهم لديه قوة تخريبية، وهم مضطرون بالتالي ان يصمدوا الوقت الكافي ليعبر هذا العابر. كم نعرف صعوبة الاحساس مهما كان الوقت، ساعات او دقائق .. لحظة خوف تساوي عمرا، لكنها تظل مركبة بلحظات امل، فالكل كان يعرف انه عبور قد لايعود الا بعد سنين، وذات مرة قال لي عارف عماني، انه قد يتكرر هذا النوع من الاعاصير مرة كل مائة عام. الآن، يمكن القول لهؤلاء الاهل، الحمدلله على السلامة، والخلاص من المحنة، والعودة الى الطبيعة السمحة الهادئة الجميلة في مشاهدها. لقد انقلب الواقع وعاد الى اصوله التي هي معطاءة في نهاية الامر وفي بدايته.
تنتصر الحياة دائما، ونحن نفهمها على انها متقلبة وغير ثابتة .. ففيها غضب الطبيعة، وفيها احيانا الحالة الاجتماعية، وفيها المرض، وفيها احيانا السؤال الذي لفظه المطرب محمد عبد الوهاب بقوله ” جايين الدنيا مانعرف ليه”. مسلسل من التناقضات تحكم حياتنا، نقلب فيها ايامنا التي لاتمشي على وتيرة واحدة، ولا تكون دائما كما نشتهي. وما حدث في صلالة يحدث في شتى انحاء العالم، ومثلما لنا لغتنا التي نتعاطاها، فللطبيعة لغتها ايضا وقد ذكرت حتى في الكتب السماوية.
ودائما تنتصر الدنيا بخيرها، تعود لتقدم طبيعتها الجميلة مزينة بالخير الذي تنتجه، وبما تمنحه لنا من جمال آسر ومن لطافة مجربة دائما. لايمكن الا ان يكون العالم ساحرا في نهاية المطاف، لقد ولد من اجل المنفعة، وتأمين حاجات الانسان ومتطلباته، ولد من اجل الانسان وتحية لعالمه ووجوده، وليس مايقسو عليه سوى مرور عابر كل عشرات السنين.
تحية لاهلنا في صلالة الذين عاشوا الساعات الصعبة، ولكل عمان التي واكبت باحساس كل عماني كان يتطلع الى جزء من جسده الوطني بكل الحرص عليه والأمل ان يحميه رب العباد.
مرت الساعات الثقيلة، عاد الصفاء لينشد من جديد لحنه العذب في الربوع الطيبة، وعادت اليوميات الطبيعية كما لو انها لم تمر بغير ماكانت عليه.

إلى الأعلى