السبت 28 مارس 2020 م - ٣ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / في الكؤوس في علاج النفوس

في الكؤوس في علاج النفوس

علاج النفس بالقناعة والصبر

اعلم أخي المسلم أن القناعة برزق الله، وعن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال :(طوبى لمن هدى للإسلام وكان عيشه كفاف وقنع به)، وقال بعض البلغاء: إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله عزز نصره زمن لزم القناعة زال فقره، وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(ليس العز من كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس)، وذلك مما سبق علمه أن النفس طماعة ولا تقنع بالقليل، بل تطمح دائماً في المزيد وتحقيق أكثر قدر من الملذات وإن لم يتم تربيتها فحتما تقوده إلى الهاوية.
وعلى المسلم أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الطمع والحرص من الذل،فإن تحقق عنده ذلك انبعثت رغبته في القناعة لأنه في الحرص لا يخلو من نصب، وفي الطمع لا يخلو من ذل، وليس في القناعة إلا ألم الصبر على الشهوات والفضول، وهذا ألم لا يطلع عليه أحد، وفيه ثواب الآخرة، فذل الطمع ونصب الحرص هو مما يظهر للناس وفيه الوبال والإثم وفوت عز النفس والعجز عن إقامة الحق، فإن كثر حرصه وطمعه، كثرت حاجته إلى الناس فلا تمكنه دعوتهم إلى الحق وفي ذلك يقع في المداهنة وهلاك الدين، ومن لا يؤثر عز النفس عن شهوات البطن فهو ركيك العقل ضعيف الإيمان، قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(عز المؤمن في استغنائه عن الناس)، وروي عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:(أوصاني خليلي أن أنظر إلى من هو دوني لا إلى من هو فوقي)، يعني في أمور الدنيا فهذه الأمور تكسب القناعة وعماد الصبر وقصر الأمل وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قليلة هو سبب التمتع دهوراً لا نهاية لها فيكون على المريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طعمه، في انتظار الشفاء وذلك لا يتم إلا بعون الله وتوفيقه، وقال الله تعالى:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(البقرة ـ 155).
أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن, ليتبين الصادق من الكاذب, والجازع من الصابر, وهذه سنته تعالى في عباده لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان, ولم يحصل معها محنة, لحصل الاختلاط الذي هو فساد, وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر.
هذه فائدة المحن, لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان, ولا ردهم عن دينهم, فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ) من الأعداء (وَالْجُوعِ) أي: بشيء يسير منهما لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله, أو الجوع, لهلكوا, والمحن تمحص لا تهلك، (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية, وغرق, وضياع, وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة, وقطاع الطريق وغير ذلك، (وَالْأَنْفُسِ) أي: ذهاب الأحباب من الأولاد والأقارب والأصحاب, ومن أنواع الأمراض في بدن العبد, أو بدن من يحبه، (وَالثَّمَرَاتِ) أي: الحبوب, وثمار النخيل, والأشجار كلها, والخضر ببرد, أو برد, أو حرق, أو آفة سماوية, من جراد ونحوه. فهذه الأمور, لا بد أن تقع, لأن العليم الخبير, أخبر بها, فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين:(جازعين وصابرين)، فالجازع, حصلت له المصيبتان, فوات المحبوب, وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها, وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان, ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران, وحصل (له) السخط الدال على شدة النقصان، وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب, فحبس نفسه عن التسخط, قولاً وفعلاً, واحتسب أجرها عند الله, وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له, بل المصيبة تكون نعمة في حقه, لأنها صارت طريقاً لحصول ما هو خير له وأنفع منها, فقد امتثل أمر الله, وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى:(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.

موسى العامري

إلى الأعلى