السبت 21 سبتمبر 2019 م - ٢١ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / نجاح الدعوة (3)

نجاح الدعوة (3)

الصفة الثانية التي يجب أن يتحلى بها الداعية: أن لا يتدخل في شؤون الآخرين وخصوصياتهم، وأن لا يكثر من العتاب، فالتدخل في شؤون الآخرين والتدخل في خصوصيات الغير، عادة ذميمة مزعجة مرفوضة طبعًا وشرعًا، نعم التباين في وجهات النظر، والتنوع في الآراء سنة كونية، لكن التدخل في خصوصيات الآخرين أمر لا يقبل بحال، إذ لا يختلف اثنان من الأسوياء أن لكل شخص حياته الخاصة، وخصوصياته التي لا يحب أن يتدخل أحد فيها، فخصوصية الإنسان خطر أحمر، لا يصح أن يتعداها أي إنسان، بل يجب أن تُراعى وتُصان وتُقدّر وتُحترم، ومع هذا كله فهناك من يحشر نفسه في كل شيئ، ويتدخل فيما لا يعنيه، ويتتبع على كل صغيرة وكبيرة، وشاردة وواردة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ينتقد ويعترض ويفرض ويملي، ويقحم نفسه في كل شئ جليل وحقير، خاص وعام، غير مُبالٍ بحقوق الآخرين، ولا مقدّر لخصوصياتهم ومشاعرهم، فهذا لا ريب سلوك خاطئ ممجوج، وتصرف ساذج ممقوت، صاحبه يُسّمى (فضوليًا)، عقله صغيره، ونظرته سطحية قاصرة، فالذين يتدخلون في شؤون الآخرين منهم من يعاني من عُقد نفسية ومشاكل اجتماعية، ومنهم من يهوى التسلط وحب الظهور، ومنهم من لا يعرف أين تنتهي حدوده، ومنهم الحاسد والحاقد، فهم بهذه التصرفات الرعناء يحاولون تفريغ هذا كله والتعبير عنه. ولو كان على حساب الآخرين.
فعلى الداعية أن يحرص كل الحرص على أن لا يتدخل فيما لا يعينه، وأن يحرص كل الحرص على احترام خصوصيات الآخرين، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول:(من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعينه) (رواه الترمذي، رقم الحديث: 2318)، و(أحمد، رقم الحديث: 1737).
فهذا الحديث عظيم الشأن، جليل نفع، يعد من جوامع الكلم النبوي، يعمَّ الأقوال، ويعمَّ الأفعال، فهو أصل أصيل في تربية النفس وتهذيبها، وصيانتها النقائص، وتنقيتها من الشوائب، لأهمية هذا الحديث عده بعض العلماء ربع الإسلام، وبعضهم عده ثلث الإسلام، وبعضهم عده نصف الإسلام، وبعضهم عده الإسلام كله.
وعلى الداعية أن لا يكثر من عتاب الآخرين، ولا يعاتبهم على كل شئ، وإلا فإنه لا يجد له صاحبًا، ولا يجد له صديقًا، ولا يجد له أخًا، إذ لا يخلو فرد من أفراد المجتمع من خطأ، فهناك من الدعاة من يتعب نفسه في تصيد الأخطاء والعثرات، وتتبع الهفوات والزلات، فيكثر من العتاب واللوم، وإذا نظر إلى نفسه نظرة فاحصة سيجد نفسه قد وقع في خطأ أو أكثر، ولربما يكون أكبر من خطأ الذي يعاتبه ويلومه.
وفي هذا السياق يقول الإمام نور الدين السالمي ـ رحمه الله تعالى ـ في جوهر النظام:
من شاء خلًا لم يكن معيوبًا
لم يلقه لو ركب الصعوبا
وفاته الدهر بلا أصحاب
وهو صحيح ليس بارتياب
إذ الكمال في الورى عزيز
والكامل الفرد هو العزيز
ويقول آخر:
إذا كنت في كل الأمور معاتبًا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
.. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى