الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أخلاق الصائم (1)

أخلاق الصائم (1)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
ينبغي أن نربي أنفسنا على الأخلاق الفاضلة، ونجعلها سلوكا نتعامل بها في واقع الحياة قبل أن يأتي يوم لا ينتفع الصائم بصومه، ولا المصلي بصلاته، ولاالمزكي بزكاته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟! قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَامِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (رواه ـ مسلم).
الصيام لا بد أن يترجم في دنيا الناس إلى واقع عملي، وإلا فقد روحه وأصبح جسداً بلا روح، أو صورة بلا حقيقة، أو مظهراً بلا مخبر.
أين أخلاق الصيام والقيام؟ أين الأمانة؟ أين الكرم والجود؟ أين الورع وترك الشبهات؟ أين العطف والرحمة والشفقة؟ أين الحياء والمراقبة؟ أين الصبر والتوكل؟ أين الشفاعة الحسنة والتعاون على البر والتقوى؟ ما فائدة الصيام إذا كان لا ينهى عن فحشاء أو منكر؟ وما فائدة الصيام إذا كان لا يزجر عن لغو أو باطل؟ وما فائدة الصيام إذا كان لا يردع عن غيبة أو نميمة أو حسد أو بغضاء؟ وما فائدة الصيام أذا كان لا يزكي الأنفس ويطهرها من الشح والأثرة وسائر الدناءات.
إن نظرة الناس إلى الصيام لا بد أن تتغير في ضوء مفاهيم الإسلام، وما خٌصّ به في شريعة الله من فضائل وآداب.
لا بد أن يتعامل الناس مع الصيام بصفته عبادة من أعظم العبادات وركناً عظيماً من أركان الإسلام، لا أنه عادة توارثها الأجيال جيلاً بعد جيل.
إن فئة كثيراً من الناس يدخل عليهم رمضان ويخرج بلا تغيير في حياتهم، ولا تأثير في سلوكهم، ولا رقي في أخلاقهم. بل إن بعض الناس لا يزيدهم رمضان من الله إلا بُعداً، وهؤلاء هم المنافقون ـ والعياذ بالله ـ الذين يكرهون رمضان، ويعدون العدة لمحاربته، لإزالة أثر الإيمان في نفوس المؤمنين.
وقد أشار النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى ذلك في قوله:(ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، وهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر) (أخرجه أحمد والبيهقي).
وسئل بعض العلماء عن علامات حسن الخلق في رمضان فقال: هو أن يكون كثير الحياء قليل الأذى كثير الصلاح صدوق اللسان، قليل الكلام كثير العمل، قليل الزلل قليل الفضول، براً وصولاً وقوراً صبوراً شكوراً رضياً حكيماً رفيقاً عفيفاً شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً ولا حسوداً،
بشاشاً هشاشاً يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله ويغضب في الله فهذا هو حسن فليكن رمضان مدرسة لتربية الأمة بكل فئاتها على مكارم الأخلاق، والترقي في مقامات العبودية وصولاً إلى رضا الله عز وجل وقيادة البشرية والتمكين في الأرض كما قال سبحانه:(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور ـ 55).
فشهر رمضان الفضيل، ليس مجرد طقس يمتنع فيه الفرد عن شهوتَيْ البطن والفرج من طلوع الشمس إلى غروبها، بل هو أيضا مناسبة يلتزم فيها المسلم بالسلوكات الحسنة والمعاملات الطيبة، ويمتنع فيها عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، كي يَحْسُن صومه ويَثْبُتَ أجره. فقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): (رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالعَطَشُ)، فالغاية من الصيام تتعدى الإحساس المادي بالجوع والعطش .. وغيرهما، إلى الإدراك الروحي لنعم الله وأفضاله، والإحساس المعنوي بآلام الآخرين ومعاناتهم، وهمومهم ومشاكلهم. إنَّ ثمرة الصيام الأساسية، هي أن يكون حافزاً للصائم على تقوى الله تعالى، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 183).

إلى الأعلى