الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شذرات من هدى القرآن

شذرات من هدى القرآن

الـصـوم وأثـره في النفـس (14)
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى الـتابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديث مـوصـولاً عـن الـصيام وأثـره في الـنفـس، قال تعالى:(كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) أي: لـم نأتِ به مـرة واحـدة، بـل جـعـلـناه مـرتّـباً مُـنـزّلاً عـلى حـسب ما يقـضـيه الحـدث مـن الأحـداث، والمـصـلحـة الـعـامة، تـلك هـي الحـكـمة مـن نـزول الـقـرآن مـُنجّـماً، حـتى يـتـم الـعـمـل بـكل قـسـط، ويـهـضـمه الـمـؤمـن ثـم نـأتي بـقـسـطٍ آخـر .. وهــكـذا.
ولـنـلحـظ هـنا دقـة الـتـعـبـير في قـولـه تعالى عـن الـقـرآن:(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الـفـرقان ـ 33)، إن الكـفار لهـم اعـتراضات يـريـدون بـها الـتشـكـيـك في قـلـوب الـمـؤمـنين، ويحـتاجـون إلى أمثـلـة، فـلـو أنـه نــزل جـملة واحـدة، لأهـدرت هـذه الـقـضية، وتلاشـت الـمـصـلحة الـعامة الـمـرجـوة مـن ذلك.
وكـذلك حـين يسـأل الـمـؤمـنـون رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) في طـرأ عـلـيهم، يـقـول الـقـرآن: يـسألـونـك عـن كـذا وعـن كــذا، ولـوشـاء الله أن يـنـزل الـقـرآن دفـعـة واحـدة، فـكـيـف كان يحـل هـذه الـمسألة أو تلك؟، فـما دامـوا سـوف يسألـون فـلينتـظـر حتى يـسـألـوا ثـم تأتي الإجـابـة بـعــد ذلك حـلاًّ وجـواباً لـما سـألـوا رسـول الله عـنه.
قـال الله تعالى:(أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ)، وكـلـمة:(هُدًى) تعـني الـشيء الـمـوصل للغـاية بأقـصـر طـريـق ، فحـين تـضـع إشـارات في الـطـريـق ليسـتـدل بـهـا الـسالك لـتلك الـطـريـق الـملـتبسة الـمجـهـولة الـمعـالم، فـمـعـنى ذلـك أنـنـا نـريـد للـسالك أن يـصل إلى الـطـريـق بأيـسر جـهـد وأقـل زمـن، وكلـمة (هُدًى) تـدل عـلى عـلامات للإهــداء لكي نهـتـدي بـها في طـريـقـنا، وضعهـا الخـالـق سـبحانه وتعالى لأنه لـو تـركها للـخـلـق لـيضعـوها لأضـاعـوهـا واخـتلـفـت أهـواؤهــم، وعـلى فـرض أنـنا سنسلـّم بأنهـم لا هـوى لـهـم، وأنهـم يلـتمـسون الحـق فـيـما يـضـعـون مـن الـقـوانيـن، وعـقـولـهم ناضجـة سنسـلم بـكل ذلك، ثـم نـتـركـهـم كي يـضـعـوا الـمعـالـم، ونتسـاءل: ماذا عـن الـذي يـضـع تـلك الـعـلامات وبما ذا يهـتـدي؟، ومـا هـو مـستـنـده في وضعهـا عـلى هـذه الـصـورة؟.
إذن فـلا بـد أن يـوجـد لـه هــدى ومـستـنـد ومـرجع، مـن قـبـل أن يكـون لـه عـقـل ناضـج واعٍ يـفـكّـر به، كـما أن الـذي يـضع هـذا الهـدى أن يكـون متجـرداً من الـمصالح الـشخـصـية التي تعـــود عـلـيه بالـنـفـع، وعـلى ذلـك فالله سـبحانه وتعالى وهــو أغـنى الأغـنيـاء عـن الـخـلـق، ولـن ينـتـفـع بأي شـيء مـن الـعـباد فـيـما يـشـرعـه لـهـم، أما الـبشـر فـلـو وضـعـوا هــدى وقـانـونـاً، فالـواضع سـيراعـي قـبـل كل شيء مـصـلحـته فـيما يـشـرع، ورأيـنـا ذلك رأي الـعـين.
ولـذلك فـقـوانـين الـبـشـر قاصـرة عـن أن تسـتـوعـب كـل نـواحي الـحـياة الحـاضـرة والـمسـتـقـبـلـية، وما عـساه أن يـطـرأ في عـالم الـناس، ولـذلك فهي دائـماً مـعـرضـة للـتـغـيير والاسـتـدراك عـلـيـها، بـيـنـما الـقـوانـين الإلـهـية صـالحة لـكل زمـان ومـكان.
فالـذي يـريـد أن يأخـذ مـال الأغـنـيـاء ويـغـتـني بـعـرق الآخـرين، يخـترع الـمـذهـب الـشـيـوعي الـذي يـبيـح لـه ذلك، ويخـولـه لأخـذ أمـوال الـناس بالـباطـل، والـذي يـريـد أن يمتـص عـرق الـغـير يـضع مـذهـب الـرأسـمالـية وكـلها مـذاهـب نابـعـة مـن الـهـوى، وحـب الـذات أسـاسـهـا الـنـفـع الـشخـصي، ولا يـمـكـن أن يـبـرأ أحـد مـن فـلاسـفـة الـمـذاهـب الـمـتـعــددة نـفـسه مـن الـهـوى.
فالـرأسـمالي: يــقـنـن فـيمـيـل لـهـوى نفـسه، والـشـيـوعـي يـقـنـن لـيـمـيـل لـهـوى نفـسه، ونحـن نـريـد مـن يـشـرع لـنـا أن لا تـكـون لـه مـنـفـعـة فـيـما يـشـرع، أي: بـدون أن ينـتـفـع بـما شـرع، ولا يـوجـد مـن تـتـطـابـق مـعـه هـذه الـشـروط والـمـواصـفات، إلا الله الـواحــد الأحـد الـحـكـيم الـعـلـيـم، فـهـو الـذي يـشـرع فـقـط بـغـير هـوى وبـغـير مـنـفـعـة ذاتـية، وهـو الـذي يـشـرع لـفـائـدة الخـلـق أجـمـعـين، يـصـلح الخـلـق في الـدنـيا والآخـرة.
والـذي يـدللـك عـلى ذلك، أنـك تجــد تـشـريعـات الـبشـر تأتي لـتنـقـض تشـريعـات أخـرى سـبـقـتها، لأن الـبـشـر عـلى فـرض أنـهـم عـالـمـون ، فـقـد تـغـيـب عـنهـم أشـياء كـثـيرة، بـرغـم أن الــذي يـضـع الـتـشـريـع يحـاول أن يـضـع أمامه كل الـتـصـورات الـحـاضـرة والـمـستـقـبلـية، ولـذلـك تجـد الـتـعـديـلات تجـري دائـماً عـلى الـتـشريعات الـبشرية، لأن الـمشـرع مـن الـبشـر غـاب عـنه وقـت الـتشـريـع حـكـم لـم يـكـن في باله، وأحــداث الـحـياة جـاءت فـلـفـتـته إلـيه، ولـذلك هـو الـذي يـقـول: إن هــذا الـتـشـريع فـيه نـقـص، ولـم يـعــد مـلائـماً ولا صـالحـاً للاسـتـعـمال لـمـا طـرأ وجـد في عـالـم الناس مـن الأمـور غـابـت عـن الـمـشـرع وقـت التـشـريـع، فـيـجـب أن يـغــير هــذا الـتـشـريـع وفـق مــا اسـتـجــد في الـحـياة مـن الأمـور.
إذن: فـنحـن نـريـد في مـن يـضـع لـنـا الـهـدى والـمنـهـج، الـذي يـسير عـلـيه الـناس بـجانـب عــدم الانـتـفـاع بالـمـنهـج، لابــد أيـضاً أن يـكـون عـالـماً بـكل الـجـزئيـات التي قــد يأتي بـها الـمسـتـقـبـل، وهــذا لا يـتـأتى إلا في الإلـه العـلـيـم الحـكـيـم، ولـذلك قال الله تعالى:(وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنـعـام ـ 153).
فإنـكـم سـتـتـبـعـون الـسـبـل، واتـباعـكـم لـتـلك الـسـبـل سـتـظـهـر لـكـم الـمخـفي في عـالم الأهــواء، هـذا لـه هــوى وذلك لـه هـوى، فـتجـد الـقـوانـين الـوضعـية التي تبـددنا كـلـنـا في الأرض بــدداً، لأنـنـا نـتـبـع أهـواءنـا التي تـتـغـيـر بتـغـير الأحـوال.
ويـكـون ذلك سـبباً لابـتـعـادنا عـن منـهـج الله، الــذي لـيـس لـه هــوى ولا مـنـفـعـة فـيـما يُـشـرع، ولـذلك أقـول: افـطـنـوا جـيـداً إلى أن الـهـدى الـحـق الـذي لا اعـتـراض عـلـيه هـو شـرع الله ومـنـهـجه.
.. وللحـديث بـقـية.

ناصر الزيدي

إلى الأعلى