الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / ليدبروا آياته (14)

ليدبروا آياته (14)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين ورحمة الله تعالى للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. نعيش خلال أيام الشهر الفضيل في رحاب آيات بينات من كتاب الله العزيز من خلال تفسير (أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير) لابي بكر الجزائري .. تدبراً وفهماً .. والله تعالى نسأله التوفيق والسداد..
قال تعالى:(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ).

شرح الكلمات:
إلى سبيل ربك: أي إلى طاعته إذ طاعة الله موصلة إلى رضوانه وإنعامه فهي سبيل الله.
بالحكمة: أي بالقرآن والمقالة المحكمة الصحيحة ذات الدليل الموضح للحق.
والموعظة الحسنة: هي مواعظ القرآن، والقول الرقيق الحسن.
وجادلهم بالتي هي أحسن: أي بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها.
لهو خيرٌ للصابرين: أي خيرٌ من الانتقام عاقبةً.
ولا تكُ في ضَيقٍ مما يمكرون: أي لا تهتم بمكرهم، ولا يضيق صدرك به.
مع الذين اتقوا: أي اتقوا الشرك والمعاصي.
والذين هم محسنون: أي في طاعة الله، ومعصيته تعالى هي نصره وتأييده لهم في الدنيا.

معنى الآيات:
يخاطب الرب تعالى رسوله تشريفاً وتكليفاً:(ادع إلى سبيل ربك) أي: إلى دينه وهو الإسلام سائر الناس، قال القرطبي: هذه الآية نزلت بمكة في وقت مهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين لله وشرعه بتلّطف ولين دون مخاشنة وعنف، وهكذا ينبغي أن يدعو المسلمون إلى يوم القيامة، وليكن دعاؤك (بالحكمة) التي هي القرآن الكريم الحكيم (والموعظة الحسنة) وهي مواعظ القرآن وقصصه وأمثاله، وترغيبه وترهيبه، (وجادلهم بالتي هي أحسن) أي: خاصمهم بالمخاصمة التي هي أحسن وهي الخالية من السب والشتم والتعريض بالسوء، فإن ذلك أدعى لقبول الخصم الحق وما يدعي إليه، وقوله تعالى:(إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله) من الناس (وهو أعلم بالمهتدين) وسيجزيهم المهتدي بهداه، والضال بضلاله، كما هو أعلم بمن ضل واهتدى أزلاً فهون على نفسك ولا تشطط في دعوتك فتضر بنفسك، والأمر ليس إليك. بل لربك يهدي من يشاء ويضل من يشاء وما عليك إلا الدعوة بالوصف الذي وصف لك، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وقوله تعالى:(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) لا أكثر، وجمهور المفسرين على أن هذه الآية: (وإن عاقبتم فعاقبوا ..) الخ نزلت بالمدينة في شأن قتل حمزة والتمثيل به ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ يوم أحد ذكر ذلك البخاري وغيره وفي الآية دليل على وجوب المماثلة في القصاص ويحرم عدمها، وفي الآية دليل لمن قال بجواز أخذ مال من أخذ مال غيره إذا لم يتمكن منه بعلمه ورضاه على شرط أن لا يأخذ أكثر مما أخذ، (ولئن صبرتم) وتركتم المعاقبة (لهو) أي: صبركم (خيرٌ) لكم من المعاقبة على الذنب والجناية، وقوله تعالى:(واصبر) على ترك ما عزمت عليه أيها الرسول من التمثيل بالمشركين جزاء تمثيلهم بعمك حمزه، فأمره بالصبر ولازمه ترك المعاقبة والتمثيل معاً، وقوله:(وما صبرك إلا بالله) أي: إلا بتوفيقه وعونه، فكن مع ربك تستمد منه الصبر كما تستمد منه العون والنصر، وقوله تعالى:(ولا تحزن عليهم) أي: على عدم اهتدائهم إلى الحق والأخذ به والسير في طريقه الذي هو الإسلام، (ولا تك في ضيق) نفسي يؤلمك (مما يمكرون) بك فإن الله تعالى كافيك مكرهم وشرهم إنه معك فلا تخف ولا تحزن لأنه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنت منهم. وقوله:(إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) يخبر تعالى رسوله والمؤمنين أنه عز وجل بنصره وتأييده ومعونته وتوفيقه مع الذين اتقوا الشرك والمعاصي فلم يتركوا فرائض دينه، ولم يغشوا محارمه والذين هم محسنون في طاعة ربهم إخلاصاً في النية والقصد، وأداءً على نحوه، شرع الله وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
من هداية الآيات:
1 ـ وجوب الدعوة إلى الله تعالى أي إلى الإسلام وهو واجب كفائى، إذا قامت به جماعة أجزأ ذلك عنهم.
2 ـ بيان أسلوب الدعوة وهو أن يكون بالكتاب والسنة وأن يكون خالياً من العنف والغلظة والشدة، وأن تكون المجادلة بالتي هي أحسن من غيرها.
3 ـ جواز المعاقبة بالأخذ بقدر ما أخذ من المرء، وتركها صبراً واحتساباً أفضل.
4 ـ معية الله تعالى ثابتة لأهل التقوى والإحسان، وهي معية نصرٍ وتأييد وتسديد.

أم يوسف

إلى الأعلى