الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م - ٨ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : ملامح العمل الوطني في إدارة منظومة الطوارئ والحالات المدارية

في العمق : ملامح العمل الوطني في إدارة منظومة الطوارئ والحالات المدارية

د. رجب بن علي العويسي

لعل من نافلة القول الإشارة الى ان الحالة المدارية “جونو” التي حصلت في السلطنة عام 2007م كانت بمثابة تحول استراتيجي وطني في إدارة منظومة الطوارئ والحالات الطارئة، وأعطت مساحة أكبر للوقوف على الخبرة العمانية المتراكمة والمتجددة والطموحة في إدارة هذا الملف، على أن الجاهزية الوطنية في التعامل مع الحالة المدارية ” ميكونو” عام 2018، كانت بمثابة شاهد إثبات على كفاءة ومهنية الجاهزية العمانية في منظومة إدارة الطوارئ، وما أفصح عنه هذا التكامل الوطني في التعامل مع الحالة المدارية من سيناريوهات عمل عززت من سرعة الاستجابة وفورية الرصد، وبناء منظومة تفاعلية من مختلف القطاعات قائمة على كفاءة الأداء والتقليل من المخاطر، في ظل تجهيزات مسبقة وتخطيط مستمر، وتوفير أدوات المتابعة والرصد والتقييم القادرة على استثمار الفرص وتعزيز القيمة المضافة للبيانات والمعلومات، إذ شكلت علامة فارقة في تفوق منظومة إدارة الطوارئ الوطنية في القيام بمهامها، ومحطات لقراءة العمل بصورة جديدة واليات متجددة تتجه نحو العمق والابتكارية في تكوين بدائل جديدة للمعالجة، في ظل تقييم مستمر للإمكانات وتحليل دقيق للموارد وتشخيص للبيئة الداخلية والخارجية، ومصادر القوة والتهديدات والتحديات المرتبطة بمفهوم الكفاءة في ادارة المخاطر والطوارئ الوطنية.
لذلك نعتقد بأن الكفاءة الأدائية والعملياتية والتشغيلية والمعلوماتية والخبراتية واللوجستية التي عززت بها اللجنة الوطنية للدفاع المدني عملها ولجان العمل الأخرى المنبثقة عنها، مستنفرة كل قطاعات الدولة العسكرية والأمنية والشرطية والمدنية، في التعامل مع الحالة المدارية ” ميكونو”، والاستعدادات والإجراءات الاستباقية والاحترازية المتخذة في هذا الشأن في عمليات الاخلاء والايواء وإبعاد الإنسان عن مصادر الخطر، قد أبرزت بوضوح ملامح هذا التحول الوطني في إدارة المخاطر، والتميز العماني في التعامل مع الحالات المدارية، وهي ملامح عززت من منحى الاستدامة والشمول والاتساع والتكامل ووضوح الهدف واستشعار البعد الأخلاقي في إدارة الأزمات والمهنية والشفافية المعلوماتية، والتي تستحق أن تقرأ بعمق وتدرس بوعي وتعطى مساحات أكبر في التحليل وقراءة ما بين السطور والخصوصية العمانية المتفردة في التعامل مع حالات الطوارئ والتي أكدت تلاحم العمانيين وتعاونهم وتضامنهم ، وحظيت بثناء المواطن وتقديره وامتنانه لهذه الجهود من مختلف القطاعات، وتقدير وإعجاب المتابعين لهذه الحالة من خارج السلطنة في طريقة التعامل العماني مع أحداثها، عبر شبكات التواصل الاجتماعي والاعلام بمختلف منصاته، والتي أظهرت الأبعاد الاستراتيجية التي شكلت مسار هذا التكامل الوطني في إدارة خطط الطوارئ عبر توحيد وتوجيه الجهود تحت مرجعية عمل واحدة بما أكسبها قوة في اتخاذ القرار والتعامل مع متطلبات الحالة، وفق إطار مؤسسي ضَمِن توفر عناصر الإدارة والشراكة والتنسيق المنظم والتخطيط الاستراتيجي والرصد الدقيق للبيانات وتوفير برامج التوعية كمنطلقات لإدارة خطط الطوارئ؛ بالإضافة إلى بروز دور واضح للإعلام العماني بكل منصاته وللكوادر الإعلامية العمانية ومهنيتها في نقل صورة الحدث وما تمتلكه من ثقافة واسعة وإيجابية واضحة مرتبطة بنقل صورة الواقع الفعلي للحالة، وقد برز في الصورة الإعلامية أيضا تلكم الجنود المجندة من المراسلين الإعلاميين وموفدي الإذاعة والتلفزيون بكل المواقع في نقلهم للصورة الفعلية، ناهيك عما قدمه الاعلام الأمني الشرطي عبر توظيف الوسائط والقنوات الاعلامية الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي في إطار متوازن في تقديم ثراء معلوماتي واسع ورصيد فكري ومعرفي في تصحيح المعلومة ودحض الشائعات عزز من مساحات الأمان النفسي والتفاعل الإيجابي، وتوجيه مسارات اهتمام المواطن والمقيم الى البحث عن المعلومات من مصادرها الرسمية.
وبالتالي أعطت جهود التعامل مع الحالة مساحة أوسع لبروز مفهوم أوسع للمسؤولية المجتمعية للأفراد والمؤسسات التي تتجاوز مسألة الاختصاصات إلى التركيز على مسؤولية الجميع في القيام بدوره في التعامل مع الحالة المدارية وفق أسس محددة ومعايير وطنية نافذة يطلب من الأفراد والمؤسسات العمل بها، وفق البيانات العددية التي تصل إليها، ورفع سقف التوقعات في البدائل وسيناريوهات العمل ضمن دلائل ومؤشرات تعكس فاعليه أنظمة الرصد والقياس التي تستخدمها وابتكاريتها في صياغة واقع جديد يتعايش مع حلقاته المواطن والمقيم بكل وعي، على أن هذه المسؤولية ولدت مساحات أكبر للوقاية الشخصية وتجنب المواقف الدافعة للمجازفة او الاستهتار أو المغامرات السلبية التي يقوم بها البعض؛ وأكدت في الوقت نفسه على جاهزية المؤسسات في تقديم الدعم والمساندة كل في مجال اختصاصه، عبر توفير أماكن الإيواء أو معدات إزالة المخلفات من الطرق، أو متابعة جاهزية السدود وقدرتها على استيعاب كمية المياه، أو من خلال الرصد المستمر لكمية المياه المتساقطة، ومتابعة تنظيم المرور وفتح المعابر والجسور والطرق، وأظهرت وعي المواطن والمقيم في التعامل مع التعليمات والتوجيهات الصادرة من جهات الاختصاص وما قدمه رجال شرطة عمان السلطانية في كافة تشكيلاتها من أنموذج عملي في خطاب المرحلة وأسلوب التعامل مع ردات الفعل العكسية من المواطنين والمقيمين بما يضمن تغيير قناعاتهم في استيعاب الحالة وتفهمهم للظروف، وتجلياتها على شخصية الفرد وممارساته، بشكل يضعه أمام مسؤولية زيادة التناصح الاجتماعي، وحرصة على عدم نشر الشائعات أو المعلومات، الا بعد التأكد من مصدرها الرسمي، والتزام ثقافة الانضباط والهدوء، والتعامل مع المواقف بصبر وحكمة خاصة في حالات انقطاع التيار الكهربائي أو شبكات الانترنت أو غيرها؛ على أن دخول المؤسسة العسكرية بتشكيلاتها المختلفة البرية والبحرية والجوية وقوات الفرق في دعم الجهود الساعية إلى التخفيف من أثر الحالة المدارية على حياة المواطن والمقيم، عزز من منظومة التكامل الوطني وأعطى هذا الدور قوة التأثير في سرعة الاستجابة لإعادة الخدمات الأساسية في ظل ما تمتلكه الخدمات الهندسية العسكرية من خبرات وتجهيزات وأدوات ومعدات للإسهام في إعادة الخدمات الأساسية إلى وضعها الطبيعي بأسرع وقت ممكن.
وعليه فإن الحديث عن ملامح العمل الوطني في إدارة الطوارئ، وما قدمه من نموذج عملي راق في تبني استراتيجيات متكاملة وخبرة طموحة وكفاءة في إدارة حالات الطوارئ، يبرز وجود مؤشرات إيجابية وممارسات ريادية تستدعي تأطيرها والاهتمام بإبرازها للأجيال القادمة، ولقد أطّرت جهود اللجنة الوطنية للدفاع المدني هذا العمل في ظل تشريعات مرنة وأسس دقيقة واليات عمل محددة، وأنظمة تقيين ومتابعة ورصد بالتنسيق مع الهيئة العامة للدفاع المدني والاسعاف والمركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة والهيئة العمانية للأعمال الخيرية أو الجهات الأخرى الاعلامية والتعليمية والتوعوية ومؤسسات الخدمات والشركات والقطاع الخاص والأهلي وغيرها في سبيل تكوين مسار وطني واضح يضمن لهذه الجهود الفاعلية وتحقيق الأهداف؛ فإن اللحمة الوطنية التي يعكسها هذا التفاعل المجتمعي اليوم في التعامل مع إعصار”ميكونو” وقبله مع جونو وفيت وأوشوبا وشبالا وغيرها، ليعكس تجربة عمانية رائدة في إدارة الأزمات وخبرة وطنية في التعامل مع الطوارئ تستحق الوقوف على مقومات نجاحها واستلهام الجوانب النوعية غير المنظورة في تطورها ونقلها في برامج التدريب والتعليم، وهي تجربة تشهد نضجا نوعيا في بنيتها وبرامجها وفلسفة عملها وكفاءة القائمين عليها، ومع كل هذا التجاوب الذي نلمسه في تعامل المواطن والمقيم مع التعليمات الصادرة من جهات الاختصاص سيظل الوعي هو الرهان الأكبر الذي تدور حوله شواهد الحالات المدارية وتأثيراتها على حياة الإنسان وتطور الأوطان. فهل ستثمر متلازمة الخبرة والتجربة التي توفرت لعمان فيإدارتها للطوارئ وتعاملها مع الحالات المدارية عن استحقاقات نضوج الخبرة وجدية قراءة التجربة لدى المواطن نفسه وما احتوته من تفاعلات في سبيل نهضة وعيه وجهوزيته النفسية والفكرية والخبراتية؟

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى